المبحث الحادي عشر: تحرير القول في عدالة الصحابة

٦٥ فقرة، ج ١ ص ٣٣٩

الصفحة ٢ من ٢

  1. والتحقيق أن جهالة الصحابي غير قادحة، وذلك لاعتبارين:
  2. الأول: بناء على أصل عدالة جميع الصحابة، ومظنة النفاق والردة ليست واردة على نقلة الأثر.

    قال ابن الصلاح: " الجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول " (٢) .

    1. (٢)علوم الحديث (ص: ٥٦).
  3. والثاني: لما علم بالتتبع أن الرواية عن صحابي مجهول العين قليلة، ولم يوجد فيها ما يعد منكراً أو ضعيفاً لمجرد كون الصحابي لم يسم أو لم يعرف، فدل على سقوط أثر ذلك.

  4. لكن اتصال الإسناد أو عدمه إنما يعتبر فيه تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: مسند متصل.

  5. وله صور:
  6. الأولى: أن يقول صحابي معروف: (أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) .

  7. كقول أنس بن مالك: " أخبرني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى عليه السلام وهو يصلي في قبره " (٣) .

    1. (٣)انظر: سنن النسائي (٣/ ٢١٦).
  8. فالجهالة بهذا الصحابي لا تضر على أي حال: صرح الصحابي المسمى بسماعه منه أم لا، وذلك تصديقاً لذلك الصحابي المسمى في خبره بصحبة مخبره.

    ج ١ ص ٣٥١
  9. ولو لم يخبر عن صحبته أو ما يدل عليها، فأدنى أحواله، ينزل منزلة مراسيل الصحابة، وهي مسندة عند عامة أئمة الحديث.

  10. والثانية: أن يقول التابعي الثقة: (حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) ، فيصدق في وصفه لمن حدثه بالصحبة، وخبره متصل لبيانه السماع من ذلك الصحابي المبهم.

    قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) : إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث صحيح؟ قال: " نعم " (١) .

    1. (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٥) عن كتاب " العلل " للخلال، والذي يرويه الخطيب بقوله: " حُدثت عن عبدِ العزيز بن جعفر ".
  11. والقول بتصحيح ذلك أيضاً منقول عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي من أئمة الحديث، وأبي بكر الصيرفي من الأصوليين، لكن خالف البيهقي، فقال: " هو مرسل " (٢) .

    1. (٢)حكى ذلك عنهم: ابن رجب في " شرح العلل " (١/ ٣٢٠).
  12. وله أمثلة كثيرة، كقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: " حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمها " ، الحديث (٣) .

    قلت: هذا ما دام التابعي ثقة، أما إن كان مجروحاً، فقد سقط قوله بسقوطه.

    1. (٣)انظر: سنن أبي داود (رقم: ٢٣٧٤).
  13. والثالثة: أن يقول التابعي الثقة: (أخبرني رجل سمع النبي صلى الله عليه وسلم) وشبه ذلك، فتثبت الصحبة لتلك الواسطة المبهمة تصديقاً للتابعي في خبره المتصل عن تلك الواسطة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم.

    ج ١ ص ٣٥٢
  14. مثل قول أبي البختري سعيد بن فيروز: " أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم " (١) .

    1. (١)أخرجه أحمد في " مُسنده " (٣٠/ ٢٢٢ رقم: ١٨٢٨٩ _ الرسالة) و (٥/ ٢٩٣ _ ميمنية).
  15. ٢ _ متوقف فيه:
  16. وله صورة واحدة، وهي: أن يقول التابعي الثقة: (عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) ، فيذكر الخبر معنعناً.

  17. فهو صادق في وصفه بالصحبة، لكنه لا يجري مجرى المتصل، وذلك لاحتمال كون التابعي لم يدرك ذلك الشيخ من الصحابة، فإنا نعلم أن الإرسال في التابعين كثير، كانوا يحدثون عمن لم يدركوا ومن لم يسمعوا منهم من الصحابة، ولم يسلم من ذلك حتى بعض كبار التابعين، كسعيد بن المسيب.

  18. ومن أمثلته: قول راشد بن سعد: " عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: " كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة " (٢) .

    1. (٢)أخرجه النسائي (رقم: ٢٠٥٣).
  19. وأما ما سأل الحسين بن إدريس الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: إذا كان الحديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أيكون ذلك حجة؟ قال: " نعم، وإن لم يسمعه، فإن جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم حجة " (٣) .

    1. (٣)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٥) وإسناده صحيح.
  20. فهذا للإبانة أن جهالة الصحابي لا تضره، ذكر في روايته سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يذكر. وليس هو في شأن اتصال ما بين التابعي وذلك الصحابي المجهول.

    ج ١ ص ٣٥٣
  21. ٣ _ مرسل.

  22. وله صور واحدة، وهي أن يقول التابعي الثقة: (عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم) أو: (حدثني رجل) ولا ينسبه للصحابة، ولا يذكر عن ذلك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم.

  23. فهذا مرسل، وذلك الرجل مجهول جهالة مؤثرة، ولا يلحق بالصحابة، فإن التابعين رووا كثيراً عن نظرائهم، وفي التابعين من جرح.

  24. كذلك رأيت أبا داود السجستاني خرج في " المراسيل " حديثاً من طريق محمد بن كعب القرظي، قال: (حدثني من لا أتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكر حديثاً (١) .

    1. (١)المراسيل (رقم: ٥٣٣)، وفي الإسناد إلى القُرظي راوٍ مجهول، وإنما استدللت بصنيع أبي داود في إدخال هذه الصورة في جُملةِ المراسيل.
  25. فعده أبو داود مرسلاً.