المبحث الثالث: أصول في الراوي المجهول
٦٢ فقرة، ج ١ ص ٤٩١
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٤٩١
الأصل الأول: مجاهيل التابعين أرفع ممن بعدهم لندرة الكذب يومئذ.
-
هذا الأصل بالنظر إلى ندرة ما ينكر من أحاديث من أحاديث تلك الطبقة، على أن هذا لا يدل على قبول حديث من كان كذلك منهم، إنما المقصود تفاوت أثر النعت بالجهالة فيما بينهم وبين من بعدهم.
-
قال عروة بن الزبير، وهو معدود في الطبقة الثانية من التابعين: " إني لأسمع الحديث فأستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به حدثه عمن لا أثق به " (١) .
قال ابن عبد البر: " في خبر عروة هذا دليل على أن ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير الثقة " (٢) .
- (١)أخرجه الشافعي في " الأم " (١٢/ ٣٦٨) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٧٣، ٢١٠) وابنُ عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣٨، ٣٩) وإسناده صحيح.
- (٢)التمهيد (١/ ٣٩).
-
وهكذا جاء عن غير واحد من التابعين أنهم لم يكونوا يقبلون الحديث إلا عمن ثبت عندهم أنه ثقة.
ج ١ ص ٤٩٢قال الشافعي: " وما زال أهل الحديث في القديم والحديث يثبتون، فلا يقبلون الرواية التي يحتجون بها ويحلون بها ويحرمون بها إلا عمن أمنوا " (١) .
- (١)الأم (١٢/ ٣٦٨).
-
لكن لو قارنت بين مجاهيل التابعين والمجاهيل بعدهم، وجدت أكثر من بقي له نعت الجهالة فيمن بعدهم قد روي عنه من الحديث ما عدت الآفة فيه منه، كشيوخ بقية بن الوليد وغيره ممن كانوا يروون عن المجهولين الأحاديث المنكرة.
-
سئل أبو حاتم الرازي عن حديث رواه بقية بن الوليد، عن أبي سفيان الأنماري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب عن عثمان، عن النبي صلى الله وسلم توضأ وخلل لحيته؟ فقال أبو حاتم: " هذا حديث موضوع، وأبو سفيان الأنماري مجهول " (٢) .
قلت: الأنماري هذا من طبقة أتباع التابعين، أتى بهذا الإسناد النظيف الذي لا يعرف عن غيره، فلظهور نكارة الإسناد والجزم بكونه باطلاً أن يروي به هذا الحديث، حمل هذا المجهول تبعته.
- (٢)علل الحديث (رقم: ١٨٠).
-
الأصل الثاني: المجهولات من النساء.
-
يقل في النساء من روين الحديث ويقل فيمن رواه منهن من عرفن، ومن عرفن فقد عرفن بالثقة، وندر في النساء من جرحت بسبب من أسباب الجرح المتقدمة، لكن أكثرهن مجهولات.
-
وأكثر من ذكرن بالرواية منهن كن من الطبقات المتقدمة، من الصحابيات ومن قرب من عهدهن.
- ج ١ ص ٤٩٣
ولعل ما ذكرت من غلبة الجهالة على النساء أنهم لم يكونوا يرغبون في الرواية عنهن؛ لأنها رواية عن المجهولات.
قال أبو هاشم الرماني: " كانوا يكرهون الرواية عن النساء، إلا عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم " (١) .
وقال شعبة بن الحجاج: " كنت إذا أتيت الكوفة يسألني الأعمش عن حديث قتادة، فقلت له يوماً: حدثنا قتادة عن معاذة، قال: عن امرأة؟! اغرب، اغرب! " (٢) .
وقال أبو الحسن ابن القطان: " أحاديث النساء متقاة محذور منها قديماً من أئمة هذا الشأن، إلا المعلومات منهن الثقات، فأما هؤلاء الخاملات القليلات العلم، اللاتي إنما اتفق لهن أن روين أحاديث آبائهن أو أمهاتهن أو إخوانهن أو أخواتهن أو أقربائهن بالجملة .. فإن الغالب في هؤلاء أنهن من المستورات كمساتير الرجال، فأما مثل عمرة بنت عبد الرحمن وعائشة بنت طلحة وصفية بنت شيبة وأشباههن من ثقاتهن، فلا ريب في وجوب قبل روايتهن " (٣) .
- (١)أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل ومعرفة الرجال " (النص: ٤٩٥٦) بإسنادٍ صحيح، وأبو هاشم هذا ثقةٌ فقيه يروي عن التابعين.
- (٢)أخرجه ابنُ عدي في " الكامل " (١/ ١٤٦) وإسناده صحيح. ومُعاذةُ هيَ العدوية، تابعيةٌ ثقةٌ.
- (٣)بيان الوهم والإيهام (٥/ ١٤٦).
-
وعقد الذهبي في أواخر كتابه " ميزان الاعتدال " فصلاً قال فيه: " فصل في النسوة المجهولات، وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها " (٤) .
قلت: وهذا يدل على خفة تأثير ذلك في حديثهن.
- (٤)ميزان الاعتدال (٤/ ٦٠٤).
- ج ١ ص ٤٩٤
الأصل الثالث: قول الراوي: (حدثني الثقة) أو: (حدثني من لا أتهم) ولا يسمي ذلك الشيخ، فهل يعتد بهذا التعديل؟
-
عدم تسمية الراوي، أو عدم ذكر ما يتميز به شخصه، فيمن دون الصحابة من الرواة، لا يرفع من أمره شيئاً أن يقول الراوي عنه: (حدثني الثقة) أو: (حدثني من لا أتهم) ، حتى وإن كان ذلك الراوي معدوداً فيمن يميز النقلة.
-
وذلك أنا نعلم أن النقاد يختلفون في النقلة، فربما لو سمى ذلك الراوي شيخه لكن مجروحاً بقادح عند غيره من أئمة الحديث.
قال العلائي: " والذي عليه أكثر المحققين: أنه لا يكتفى بقول الراوي: حدثني الثقة، من غير ذكر اسمه، فإنه إذا صرح باسمه وعرفناه زال ذلك الاحتمال إذا لم يظهر فيه جرح بعد البحث " (١) .
- (١)جامع التحصيل (ص: ١٠٦).
-
بل إن عدوله عن تسمية شبهة في أنه ربما علم أنه لو سماه لرد أهل العلم روايته.
-
ومن أمثلة قول الناقد: قول الشافعي: " أخبرنا الثقة عن فلان " ويسمي شيخ ذلك الثقة عنده.
-
فالشافعي ممن له دراية بالنقلة، لكنا لا نقبل منه قوله في شيخه المبهم: " الثقة " دون أن يسميه، فإنه روى عن بعض الشيوخ المجروحين، ومن أبرزهم إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك عند سائر كبار النقاد، ومعروف أن الشافعي كان يوثقه.
-
أما ما جاء عن بعض أهل العلم في تعيين المراد ببعض من أرادهم الشافعي بذلك، فذلك مما لا يمكن القطع به، بل الظاهر أنه أجري على مجرد الاحتمال.
- ج ١ ص ٤٩٥
وذلك مثل ما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: " جميع ما حدث به الشافعي في كتابه فقال: حدثني الثقة، أو: أخبرني الثقة، فهو أبي " (١) .
- (١)أخرجه أبو نُعيم في " الحلية " (٩/ ١٨٢) بإسناد صحيح، وهوَ في " العلل " لأحمد (النص: ١٠٨٢) و " آداب الشافعي " لابن أبي حاتم (ص: ٩٦)، ونصه: " وكلُّ شيْءٍ في كتب الشافعي: حدثني الثقة عن هُشيْم، وغيره، هو أبي ".
-
فهذا حصر غير دقيق، بل حدث الشافعي عن الثقة عنده عن جماعة من الرواة لم يدركهم أحمد بن حنبل، مثل: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وابن شهاب الزهري، وحميد الطويل ويحيى بن أبي كثير ويونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وهشام بن عروة، وسفيان الثوري، وغيرهم.
-
نعم، حدث عن الثقة عنده عن جرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن علية، وهذان من شيوخ أحمد.
-
وحاول بعض أهل العلم أن يبسط ذلك، فذكر أن قول الشافعي: " عن الثقة عن الليث بن سعد " هو يحيى بن حسان، و " عن الثقة عن أسامة بن زيد " هو إبراهيم بن أبي يحيى، و " عن الثقة عن حميد الطويل " هو إسماعيل بن علية، و " عن الثقة عن معمر " هو مطرف بن مازن، و " عن الثقة عن الوليد بن كثير " هو أبو أسامة حماد بن أسامة، و " عن الثقة عن الزهري " هو سفيان بن عيينة (٢) .
- (٢)انظر: مناقب الشافعي، للبيهقي (١/ ٥٣٣)، تعجيل المنفعة، لابن حجر (٢/ ٦٢٦ _ ٦٢٧).
-
وهذا إضافة إلى كونه لم يستغرق كل من قاله فيه الشافعي: " عن الثقة " ، فهو مقول بالظن، ويبدو أن مستنده يرجع إلى تفقده من عرف بالرواية عن ذلك الشيخ ممن أدركهم الشافعي وأخذ عنهم، وهذا لا يصح أن يكون مقياساً لتعيين هؤلاء.
-
ثم رأيت أن فيهم من هو ثقة كابن علية وأبي أسامة، وفيهم من هو مجروح كابن أبي يحيى ومطرف بن مازن.
- ج ١ ص ٤٩٦
فالصواب من القول: أن هذه العبارة من الشافعي لا ترتفع من شأن ذلك الراوي، بل أمره باق على الجهالة، وكأن قوله: " أخبرنا الثقة " بمنزلة قوله: " أخبرنا رجل " .
-
ومالك بن أنس أعرف بالحديث ورجاله من الشافعي، واستعمل هذه الصيغة في مواضع من " الموطأ " ، وكذلك اجتهد بعض العلماء لتمييز المراد (١) ، وليس في ذلك شيء يقطع به، إلا أن يراد الحديث ذاته من طريق أخرى صحيحة إلى مالك يصرح فيها باسم ذلك المبهم.
- (١)انظر: الجرح والتعديل، ترجمة (مَخرمة بن بكَير) (٤/ ١ / ٣٦٣)، وتعجيل المنفعة (٢/ ٦٢٥).
-
ومن أمثلة قول الراوي الثقة الذي لا يعد فيمن يعتمد قوله في الرجال: قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي: " حدثني من لا أتهم " ، فإنه جاء بأخبار كثيرة في السير يرويها بمثل هذه الصيغة، ومعروف أن ابن إسحاق يروي عن المجهولين والمتروكين (٢) ، وليس معدوداً فيمن يميز المتقنين من النقلة من غيرهم، وإذا كنا لم نعتد بمثل ذلك القول من الشافعي، فكيف يغني شيئاً من مثل ابن إسحاق؟ !
- (٢)وفسَّر مرةً قوله: " حدثنا من لا أتهم " بأنه عنى الحسن بن عُمارة، وهوَ متروك، (انظر: الروْضً الأنف، للسهلي ٦/ ٤٣).
-
والقول بترك الاعتماد على مثل هذا التعديل المبهم هو الذي رجحه الخطيب من أئمة الحديث (٣) وأبو بكر الصيرفي من أئمة الأصول، وذلك خلافاً لإمام الحرمين ومن تبعه (٤) .
- (٣)الكفاية (ص: ٥٣١).
- (٤)جامع التحصيل، للعلائي (ص: ٩٥، ٩٦).
-
الأصل الرابع: قول الناقد في الراوي: " لا أعرفه " .
-
وقع استعمال هذا اللفظ بمعنى: " مجهول " في كلام كثير من نقاد
ج ١ ص ٤٩٧المحدثين، ومن أكثرهم استعمالاً له في المجاهيل: الإمامان يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي.
-
لكن ينبغي أن تعلم أن تلك الجهالة إنما هي بالنسبة إلى علم ذلك الناقد، لا مطلقاً، فإن خفاء حال الراوي على ناقد وإن كان ذلك الناقد كيحيى بن معين، لا يلزم منه أن يكون مجهولاً عند غيره، فابن معين إنما يخبر عن علمه.
-
مثال ذلك أنه سئل عن (إبراهيم بن محمد الشافعي) فقال: " لا أعرفه، زعموا أنه ليس به بأس " (١) .
- (١)معرفة الرجال، رواية ابن محرز (١/ ٧٥).
-
كذا قال يحيى، والرجل مشهور بالعلم، روى عنه كثيرون، وكان ثقة، وإنما يبلغ يحيى من أمره ما يمكنه من الحكم على شخصه، فقال: " لا أعرفه " .
-
وقد يعرف حديثه ويميزه فيثني عليه فيه، لكنه لا يدري من يكون ذلك الراوي.
-
نقل عبد الخالق بن منصور قال: سألت يحيى بن معين عن (حاجب، يعني ابن الوليد) فقال: " لا أعرفه، وأما أحاديثه فصحيحة " ، فقلت: ترى أن أكتب عنه؟ فقال: " ما أعرفه، وهو صحيح الحديث، وأنت أعلم " (٢) .
- (٢)أخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " (٨/ ٢٧١) بإسناد حسن.
-
ويشبه أن يكون الخطيب بنى على ذلك، فقال في (حاجب) : " كان ثقة " .
وقال أبو داود السجستاني في (العلاء بن خالد الأسدي) : " ما عندي من علمه شيء، أرجو أن يكون ثقة " (٣) .
- (٣)سؤالات الآجري (النص: ١٤٣).
- ج ١ ص ٤٩٨
والرجل صدوق جيد الحديث.
-
وما فسر به بعض العلماء قول يحيى بن معين في بعض المواضع: " لا أعرفه " بكون ذلك الراوي (مجهولاً) ، فهو صحيح بحسب ما وافق من حال ذلك الراوي، حيث اجتمعت فيه أسباب الوصف بالجهالة.
-
وذلك كقول يحيى في (محمد بن عباد بن سعد) : " لا أعرفه " ، فقال ابن أبي حاتم: " يعني لأنه مجهول " (١) .
- (١)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٥).
-
وكقوله في (أبي يزيد الطحان) الذي يروي عنه أحمد بن يونس: " لا أعرفه " (٢) ، فقال ابن عدي: " ابن يونس يروي عن غير واحد ممن يكنيهم ولا يعرفون، فلهذا قال ابن معين: لا أعرفه " (٣) .
- (٢)تاريخ الدارمي (النص: ٩٦٨).
- (٣)الكامل (٩/ ١٩٧).