المبحث الثالث: أصول في الراوي المجهول

٦٢ فقرة، ج ١ ص ٤٩١

الصفحة ٢ من ٢

  1. أما قول ابن عدي في ترجمة (عبد الرحمن بن آدم) الذي قال فيه ابن معين: " لا أعرفه " : " إذا قال مثل ابن معين: لا أعرفه، فهو مجهول غير معروف، وإذا عرفه لا يعتمد على معرفة غيره؛ لأن الرجال بابن معين تسبر أحوالهم " (٤) ، فهذا تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: " لا يتمشى في كل الأحوال، فرب رجل لم يعرفه ابن معين بالثقة والعدالة، وعرفه غيره، فضلاً عن معرفة العين، فلا مانع من هذا " (٥) .

    قلت: وهذا الذي قاله الحافظ هو الصواب، وإنما أخبر ابن معبن بحسب علمه، وفيمن لم يعرفهم جماعة من الثقات، وابن عدي نفسه لم يسلم لابن معين قوله ذلك في جماعة، منهم: الجراح بن مليح البهراني (٦) ،

    ج ١ ص ٤٩٩وحاتم بن حريث الطائي (١) ، وسفيان بن عقبة (٢) ، وعلل ابن عدي في غير موضع قول ابن معين في الراوي يسأل عنه: (لا أعرفه) بقلة حديث ذلك الراوي (٣) ، وهذا صواب فمثل ابن معين لا يخفاه أمر راو معروف برواية الحديث، إنما يقع مثل ذلك في راو يذكر بالحديث والحديثين ونحو ذلك، فلا يخبر أمره.

    1. (٤)الكامل (٥/ ٤٨٥).
    2. (٥)تهذيب التهذيب (٢/ ٥٢٧) ترجمة: عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أمير الأندلس.
    3. (٦)تاريخ الدارمي (النص: ٢١٤) الكامل (٢/ ٤١٠)، وابن مَعين لم يعرفه في رواية الدارمي، لكن عرَفه في رواية الدوري فقال: " ليس به بأسٌ " (تاريخه، النص: ٥٣٥٧).
    4. (١)تاريخ الدارمي (النص: ٢٨٧) الكامل (٣/ ٣٧١).
    5. (٢)تاريخ الدارمي (النص: ٣٧٠) الكامل (٤/ ٤٧٥).
    6. (٣)كما قال ذلك في: الأصبغ بن سفيان، وعاصم بن سُويد الأنصاري، ومحمد بن عبد العزيز التميمي، وأبي سلَمة مولى بني ليث.
    ج ١ ص ٤٩٨
  2. كما قال أبو حاتم الرازي: سألت يحيى بن معين عن (سعيد بن سلمة المديني) فلم يعرفه، قال ابنه عبد الرحمن: " يعني فلم يعرفه حق معرفته " (٤) .

    وقال يحيى في (صدقة بن أبي عمران) : " لا أعرفه " ، فقال ابن أبي حاتم: " يعني لا أعرف حقيقة أمره " ، وهو شبه ما نقله عن أبيه أبي حاتم في حق (صدقة) هذا، قال: " صدوق، شيخ صالح، ليس بذاك المشهور " (٥) .

    1. (٤)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٢٩).
    2. (٥)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٤٣٣).
  3. وقالها يحيى في (قدامة بن كلثوم) ، فقال ابن أبي حاتم: " لم يعرفه؛ لأنه كان مجهولاً " (٦) ، ونحو ذلك في ترجمة (قرة بن أبي الصهباء) (٧) ، وقالها يحيى في (محمد بن ذكوان أبي صالح السمان أخي سهيل) ، فقال ابن أبي حاتم: " يعني لا أخبره " (٨) .

    1. (٦)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٢٩).
    2. (٧)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٣٠).
    3. (٨)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٥٢).
  4. والمقصود أن هذه العبارة لا تعني الجهالة إلا عند قائلها، فإذا فقدنا معها التعديل أو الجرح المعتبرين صرنا إلى وصف ذلك الراوي بالجهالة.

  5. الأصل الخامس: توضيح طريقة أبي حاتم الرازي في الحكم بجهالة الراوي.

    ج ١ ص ٥٠٠
  6. الإمام أبو حاتم تعرض للكلام في النقلة على سبيل التصنيف المستوعب، وذلك فيما كان يعرضه عليه ولده عبد الرحمن من أسمائهم يسأله عنهم، إذ كتابه الفذ " الجرح والتعديل " يكاد يكون من تصنيف أبي حاتم نفسه.

  7. فنجد كثيراً من الرواة يحكم عليهم أبو حاتم بالجهالة، فيقول تارة وهو الأكثر: (مجهول) ، وتارة: (لا أعرفه) ، وربما قال: (لا يعرف) ، كما يقول في الراوي: (غير مشهور) ، وربما أضاف إلى ذلك كلمة (شيخ) وهي في هذا السياق مضمومة إلى غيرها لا تدل على شيء في جرح الراوي أو تعديله.

  8. وقد تأملت طريقة أبي حاتم في أولئكم الرواة، فوجدت الأصل في نظره يقوم على اعتبار مقدار ما روى ذلك الراوي، ونوع مرويه مسنداً أو مرسلاً، مرفوعاً أو غير مرفوع، مع ملاحظة طريق العلم به وبروايته، وذلك بالنظر إلى من روى عنه.

  9. فعامة من وصفهم بالجهالة ممن لم يبلغه من حديثهم إلا الحديث الواحد، أو اليسير جداً، أو الأثر عن صحابي قولا أو فعلاً، فذلك المروي إن كان معروفاً من طريق محفوظ وجدته أثنى على حديث ذلك الراوي دون شخصه، وهذا كثير منثور في الكتاب، وربما وصفه بالجهالة مع تقوية حديثه، كقوله مثلاً في (أحمد بن إبراهيم أبي صالح الخراساني) : " شيخ مجهول، والحديث الذي رواه صحيح " (١) ، وقال في (سعيد بن محمد الزهري) : " ليس بمشهور، وحديثه مستقيم، إنما روى حديثاً واحداً " (٢) .

    1. (١)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٩).
    2. (٢)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٥٨).
  10. بينما في آخرين تفردوا بالحديث والحديثين، ولا يعرف لهم غير ذلك، يزيد إلى وصف الجهالة جرح ذلك الراوي في حديثه، كقوله في (زياد بن عبيد الكوفي) : " مجهول، والحديث الذي رواه باطل " (١) ، وفي (زرعة بن عبد الله بن زياد الزبيدي) شيخ لبقية بن الوليد: " شيخ مجهول، ضعيف الحديث " (٢) .

    1. (١)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٣٩).
    2. (٢)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٦٠٦).
    ج ١ ص ٥٠١
  11. والراوي لا يعرف إلا من طريق رجل مجروح يقول فيه: (مجهول) ، مثل قوله في (عبد العزيز بن أبي معاذ) : " شيخ مجهول، لا يدري من هو " وذلك أنه لم يعرف إلا من رواية مسلمة بن الصلت عنه، ومسلمة هذا متروك الحديث.

  12. وقد تكون علة الراوي من جهة أنه لم يعرف حديثه إلا من روايته عمن هو معروف بالجرح، كقول أبي حاتم في (وافد بن سلامة) يروي عن يزيد الرقاشي، روى عنه محمد بن عجلان وعبد الله بن وهب: " هو يروي عن الرقاشي، فما يقال فيه؟ " ، قال ابنه عبد الرحمن: " يعني أن الرقاشي ليس بقوي، فما وجد في حديثه من الإنكار يحتمل أن يكون من يزيد الرقاشي " (٣) .

    1. (٣)الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٥٠).
  13. ورأي أبي حاتم بحسب ما بلغه من العلم في شأن الراوي، وقد يخالف في ذلك، فالراوي عنده مقل من الحديث، ولم يبلغه من الرواة عنه إلا الراوي الواحد، فيحكم بجهالته، ويكون غيره قد اطلع على أكثر من ذلك فيعدله أو يجرحه.

  14. كما قال في (شعيب بن يحيى التجيبي المصري) : " شيخ، ليس بالمعروف " (٤) . وذلك أنه ذكر أنه روى عن عبد الجبار بن عمر، وعنه عبد الرحمن بن عبد الحكم.

    1. (٤)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٥٣)، وعلل الحديث (٢/ ٢٤٨).
  15. والصواب أنه مشهور كثير الحديث، حديثه معروف في أهل بلده، روى عن الليث بن سعد وابن لهيعة ويحيى بن أيوب، وروى عنه بكر بن سهل الدمياطي، وخرج له الطبراني في " معجميه " حديثاً كثيراً عنه، وكذلك روى عنه الربيع بن سليمان، وزيد بن بشر ن وغيرهم، فأبو حاتم قال ذلك القول بحسب ما بلغه عن هذا الرجل.

    ج ١ ص ٥٠٢
  16. وقال أبو حاتم في (يحيى بن أبي زكريا أبي مروان الغساني) : " شيخ ليس بمشهور " (١) ، وله في البخاري في أربعة مواضع متابعات، وله غيرها، بل وقفت له على ثلاثة عشر حديثاً، نعم، بعضها لا يثبت، لكنها تدل على أن الرجل معروف، وروى عنه جماعة من الثقات.

    وقال في (عبد الرحمن بن الحارث السلامي) : " شيخ مجهول، لا أعلم روى عنه غير هشام، وأرى حديثه مقارباً " (٢) , مع أنه روى عنه أيضاً الحكم بن موسى، والرجل معروف عند أهل الشام، نعم كان قليل الرواية.

    1. (١)الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٤٦).
    2. (٢)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٢٥)، وهشام المذكور هو ابن عمار.
  17. لكن هذا إذا قارنت مقدار صواب أبي حاتم فيه بمقدار ما فاته منه، وجدت ما فاته منه قليلاً.

  18. والذي تحرر لي في الجملة: أن مذهب أبي حاتم في وصف الراوي بالجهالة لا يخرج عما هو معروف من مسالك غيره من أهل العلم بالحديث.

  19. وعليك أن تعلم أنه رحمه الله، لم يراع التمييز بين جهالة الحال والعين، بل هذا الطريق لم يكن متميزاً في كلامهم يومئذ، ولذا فإنه قد يقول: (مجهول) في مجهول العين الذي لا يدري من هو، ولم يعرف ذكره إلا من رواية واحد عنه، وقد يكون ذلك الراوي عنه مجروحاً أو مجهولاً

    ج ١ ص ٥٠٣مثله، ويقولها كذلك في مجهول الحال، وهو الذي عرف برواية أكثر من ثقة عنه، لكن لم يتبين ضبطه لقلة حديثه.

  20. الأصل السادس: طريقة ابن القطان الفاسي في تجهيل الرواة.

  21. عرف الإمام أبو الحسن علي بن محمد الفاسي، المعروف بابن القطان (المتوفى سنة: ٦٢٨) بتوسعة في تجهيل الرواة، خصوصاً في كتابه " بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام " .

  22. وذلك التوسع منه غير محمود، ولذا رده عليه الإمامان المحققان: الذهبي، وابن حجر.

    قال ابن القطان في (حفص بن بغيل) : " لا تعرف حاله " (١) ، فتعقبه الذهبي بقوله: " ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره يدل على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل " (٢) .

    وقال ابن القطان في (مالك بن الخير الزبادي) : " هو ممن لم تثبت عدالته " (٣) ، فقال الذهبي: " وفي رواة الصحيحين عددٌ كثير، ما علمنا أن أحداً نصَّ على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما يُنكر عليه، أن حديثه صحيح " (٤) .

    وقال ابن حجر في ترجمة (محمد بن نجيح السندي) : " عده أبو الحسن بن القطان فيمن لا يعرف، وذلك قصور منه فلا تغتر به، وقد أكثر

    ج ١ ص ٥٠٤من وصف جماعة من المشهورين بذاك، وسبقه إلى مثل ذلك أبو محمد بن حزم، ولو قالا: لا نعرفه، لكان أولى لهما " (١) .

    قلت: فهذه الطريقة تجعله مع ابن حزم في محل ترك الاعتداد بقولهما في تجهيل الرواة.

    1. (١)بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (النص: ١٦٣٧).
    2. (٢)ميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٦).
    3. (٣)بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (النص: ١٤٥١).
    4. (٤)ميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٦).
    5. (١)تهذيب التهذيب (٣/ ٧١٧).