المبحث الثاني: تفسير عبارات الجرح والتعديل

٤٠٠ فقرة، ج ١ ص ٥٦٧

الصفحة ٥ من ١٠

  1. عبارة إنما يتبادر من لفظها أنها جرح، مع أنها قد تطلق على راو صالح الأمر يعتبر بحديثه في المتابعات والشواهد، ولا يحتج به.

    ج ١ ص ٥٩٣
  2. وهي جرح مبهم، فإذا لم يوجد تفسير مؤثر لسببها، فالأصل: أن لا عبرة بها إذا عارضت التعديل من أهله، إلا مراعاة معنى استثنائي يأتي التنبيه عليه.

    ج ١ ص ٥٩٤
  3. قال الضياء المقدسي في (شريح بن النعمان الصائدي) بعد أن ذكر قول أبي إسحاق السبيعي فيه: " وكان رجل صدق " : " وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وكذا عادة أبي حاتم يقول في غير واحد ممن روى له أصحاب الصحيح: لا يحتج به، ولا يبين الجرح، فلا نقبل إلا ببيان الجرح " (١) .

    1. (١)الأحاديث المختارة (٢/ ١١٤).
  4. وكذلك قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي راداً قول أبي حاتم في (بهز بن حكيم) : " وقول أبي حاتم: لا يحتج به، لا ينبغي أن يقبل منه إلا بحجة " (٢) .

    1. (٢)بيان الوهم والإيهام (٥/ ٥٦٦).
  5. كما قال رداً لقول أبي حاتم في (أيوب أبي العلاء) : " وقول أبي حاتم فيه: لا يحتج به، لا يلتفت إليه إذا لم يفسره، كسائر الجرح المجمل " (٣) .

    قلت: لكن بين أبو حاتم مراده باستعمال هذه العبارة، بما يزيح عنه بعض الإجمال، فإنه قال: " إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب، قريب بعضهم من بعض، محلهم عندنا الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم " ، قال ابنه عبد الرحمن: قلت لأبي: ما معنى: لا يحتج بحديثهم؟ قال: " كانوا قوماً لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في حديثهم اضطراباً ما شئت " (٤) .

    قلت: فهذا البيان يورد شبهة في حديث من وصف بها، فإن عارضها التعديل، فمع قولنا: (هي جرح مجمل) ، إلا هذا البيان من أبي حاتم

    ج ١ ص ٥٩٥يوجب تحوطاً في الاحتجاج بحديث من وصف بها حتى تزول الشبهة، وذلك يتحقق سلامة حديثه المعين من الخطأ، شأن ما يشترط لقبول حديث (الصدوق) ، أو بتفرده بإطلاقها دون سائر النقاد، وقد عرف بالتشدد.

    1. (٣)بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٠٢).
    2. (٤)الجرح والتعديل (١/ ١ / ١٣٣).
  6. وفي معناها قولهم في الراوي: (ليس بحجة) .

  7. ٢٠ _ قولهم: (ليس بذاك) .

  8. وقعت في كلامهم بكثرة، وهي صيغة جرح، تتبعتها فوجدتها قد اطردت في تليين الراوي الموصوف بها، لكنها درجات متفاوتة في التليين:

    فأطلقت على من دون الثقة.

  9. وأطلقت على الصدوق الذي يعد حديثه المحفوظ من قبيل الحديث الحسن.

  10. كما قالها يحيى بن معين في (عمرو بن شعيب) (١) ، وهو معروف بحسن حديثه، بل في رواية الدوري عن يحيى بن معين نفسه قوله فيه: " ثقة " (٢) ، وقالها في (العلاء بن عبد الرحمن) (٣) ، وهو صدوق جيد الحديث، احتج به مسلم في " صحيحه " .

    1. (١)نقله عنه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣/ ١ / ٢٣٩).
    2. (٢)تاريخه (النص: ٨٧٤).
    3. (٣)نقله ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣/ ١ / ٣٥٧).
  11. وكما قال أبو زرعة الرازي في (الحكم بن فصيل (٤) الواسطي): " شيخ، ليس بذاك " (٥) ، وهو صدوق لا بأس به، حسن الحديث، قال يحيى بن معين: " ليس به بأس " (٦) ، وفي رواية: " ثقة " (٧) .

    ج ١ ص ٥٩٦وقال أبو داود: " ثقة " (١) ، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٢) .

    1. (٤)هكَذا صَوابه بفتح الفاء والصاد المهملة، انظر: الإكمال، لابن ماكولا (٧/ ٦٦).
    2. (٥)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٢٧).
    3. (٦)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ٢ / ١٢٧)، وكذلك نحوه في " سؤالات ابن الجنيد " (النص: ٨٠١).
    4. (٧)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٤٨٥٢).
    5. (١)سؤالات الآجري (النص: ١٢٩، ١٨٠).
    6. (٢)الثقات (٨/ ١٩٣).
  12. وأطلقت على من يعتبر به ممن لم يتبين إتقانه لقلة حديثه.

  13. كما قال يحيى بن معين في (خالد بن الفزر) : " ليس بذاك " (٣) ، وهو شيخ ليس بالمشهور، لم يرو عنه غير الحسن بن صالح، وقال أبو حاتم: " شيخ " .

    1. (٣)نقله ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ٢ / ٣٤٦)، وفيه قولُ أبي حاتم التالي كذلك.
  14. وأطلقت على من ليس بقوي في حديثه، يعتبر به ولا يحتج به.

  15. كما في ترجمة (إبراهيم بن رستم المروزي) ، إذ سأل ابن أبي حاتم أباه قال: قلت: ما حاله في الحديث؟ قال " ليس بذاك، محله الصدق " (٤) ، والرجل ليس بالقوي في الحديث لوهمه وخطئه.

    1. (٤)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٩٩).
  16. وكما قال يحيى بن معين في (جعفر بن ميمون الأنماطي) : " ليس بذاك " (٥) ، والرجل صالح الحديث، لكنه لا يبلغ الاحتجاج للينه، وابن معين نفسه قال مرة: " صالح " ، وقال أخرى: " ليس بثقة " (٦) ، فكأنه يقول: لم يبلغ مبلغ الثقات.

    1. (٥)تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٣٧٢٦، ٤١٤٩).
    2. (٦)انظر: تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٣٧٢٦، ٤١٤٩).
  17. وأطلقت على الضعيف المعروف بالضعف، ممن الأصل فيه الصدق فيعتبر بحديثه.

  18. كما قال يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله بن نمير في (عثمان بن سعد الكاتب) : " ليس بذاك " (٧) ، وهو لين الحديث، سيىء الحفظ، شرح

    ج ١ ص ٥٩٧أمره ابن حبان فقال: " كان ممن لا يميز شيخه من شيخ غيره، ويحدث بما لا يدري، ويجيب فيما يسأل، فلا يجوز الاحتجاج به " (١) .

    1. (٧)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٥٩٩) والجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٥٣).
    2. (١)المجروحين (٢/ ٩٦).
  19. وكما قال يحيى بن معين في (روح بن أسلم أبي حاتم الباهلي) : " ليس بذاك، لم يكن من أهل الكذب " ، كأنه يرد قول عفان بن مسلم: " كذاب " ، وعفان مع إتقانه لا يعد في مبرزي النقاد، وفسر العبارة فيه أبو حاتم الرازي فقال: " لين الحديث، يتكلم فيه " (٢) ، فكأنه يشير إلى قول عفان ممرضاً، وأن الرجل لا ينزل حاله عن مجرد الضعف للين حديثه، ولذا أطلق تضعيفه طائفة، ولم يجاوزوا.

    1. (٢)الأقوال الثلاثة في " الجرح والتعديل " (١/ ٢ / ٤٩٩).
  20. وكما قال أحمد بن حنبل في (سلم بن سالم البلخي الزاهد) : " ليس بذاك في الحديث " قال عبد الله بن أحمد: " كأنه ضعفه " (٣) .

    قلت: وهو كذلك ضعيف الحديث عند أكثرهم، وعلته من جهة ما روى من المنكر، وكأنه لغفلة الصالحين، وشدد بعض النقاد القول فيه حتى أشار إلى أنه يكذب، لكنه لا يبلغ ذلك، بل هو ضعيف، يبقى في حد الاعتبار.

    1. (٣)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٥٤٣٤).
  21. ولا تعني السقوط بأي اعتبار، فإن وجدتها وصف بها من هو متروك أو متهم، فذلك ممن قالها لعدم اطلاعه على سبب شدة الجرح في ذلك الراوي.

  22. وحيث وقع استعمالها فيما يتردد في الدرجات المتفاوتة احتجاجاً واعتباراً، فلا يصح عدها سبباً لرد حديث الموصوف بها، حتى يحدد معناها بغيرها.

  23. وتجد في كلامهم يذكرون تلك العبارة مضافة إلى لفظة مفسرة، وهي عندئذ بحسبها، فيقولون: (ليس بذاك الثقة) ، و (ليس بذاك المعروف) ، و (ليس بذاك المشهور) , و (ليس بذاك القوي) ، وهذه عبارات متكررة في كلامهم، سوى الأولى منها فهي نادرة.

    ج ١ ص ٥٩٨
  24. ٢١ _ قولهم: (ليس بالقوي) .

  25. عبارة تليين، يكتب حديث الموصوف بها، ويعتبر به.

    قال الذهبي: " هذا النسائي قد قال في عدة: ليس بالقوي، ويخرج لهم في كتابه، قال: قولنا: (ليس بالقوي) ليس بجرح مفسد " (١) .

    1. (١)الموقظة (ص: ٨٢).
  26. وعليه قال الذهبي أيضاً في تفسير قول أبي حاتم: (ليس بالقوي) : " لم يبلغ درجة القوي الثبت " (٢) .

    قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألته (يعني أباه) عن هشام بن حجير؟ فقال: " ليس هو بالقوي " ، قلت: هو ضعيف؟ قال: " ليس هو بذاك " (٣) .

    وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن فرقد السَّبخيِّ؟ فقال: " ليس هو بقويِّ في الحديث " ، قلت: هو ضعيف؟ قال: " ليس هو بذاك " (٤) .

    وقال علي بن المديني في (الفرج بن فضالة) : " هو وسط، وليس بالقوي " (٥) .

    وقال في (سليمان بن قَرْمٍ) : " لم يكن بالقوي، وهو صالح " (٦) ،

    ج ١ ص ٥٩٩ونحوُها في (كثير بن زيد) (١) ، و (هشام بن سعد) (٢) و (منكدر بن محمد بن المنكدر " ... (٣) .

    1. (٢)الموقظة (ص: ٨٣).
    2. (٣)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٧٥١).
    3. (٤)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٧٥١).
    4. (٥)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٢٣٤).
    5. (٦)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٢٤٧).
    6. (١)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٩٧).
    7. (٢)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١٠٩).
    8. (٣)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١٧٨).
  27. وقال في محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزُّهريِّ: " ضعيفٌ، ليس بالقوي، ونحن نكتب حديثه " (٤) . */*

    وفي (أبي خلف موسى بن خلف) : " ليس بالقوي، يعتبر به " (٥) .

    وقال الدارقطني في (شبل بن العلاء بن عبد الرحمن) : " ليس بالقوي، ويُخرَّج حديثه " ... (٦) .

    قلت: عامة استعمالهم لهذه العبارة لا يخرج في دلالته عما ذكرت، فهي عبارة جرح خفيف، تجعل الراوي في مرتبة (صالح الحديث) لغيره، و (لا يحتج به) لذاته.

    1. (٤)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١٥٠).
    2. (٥)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٥٠١).
    3. (٦)سؤالات البرقاني (النص: ٢٢٣).
  28. وقد تدل بالنظر إليها مقرونة بعبارات سائر النقاد في الراوي الذي قيلت فيه على أنه في منزلة من هو دون الثقة وفوق الضعيف، فتليينه بهذه العبارة من جهة عدم بلوغه درجة أهل الإتقان، وكذلك الصدوق، وتارة تدل سائر العبارات على أن الرجل ضعيف الحفظ، فيوصف بالضعف مع صحة الاعتبار بحديثه، لكن لا تفيد شدة الضعف لذاتها.

  29. وقد يراد بها لمعنى غير الحديث، لكن لا يأتي ذلك إلا مبيناً في نفس لفظ الجرح، مثل قول الدارقطني وقد سئل عن (أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة) : " حافظ محدث، ولم يكن في الدين بالقوي، ولا أزيد على هذا " (٧) .

    1. (٧)سؤالات السُّلمي (النص: ٤١).
  30. واعلم أن مما يلتحق بهذه اللفظة في المعنى: قولهم: (ليس بالمتين) على معنى قولهم: (ليس بالقوي) بتفصيله.

    ج ١ ص ٦٠٠
  31. ٢٢ _ قولهم: (إلى الضعف ما هو) .

  32. عبارة تليين شائعة، لكنها قليلة الاستعمال في كلامهم، والتليين فيها لم أجده إلا من جهة سوء الحفظ.

  33. كقول أحمد بن حنبل في (عاصم بن عبيد الله بن عاصم العمري) : " حديثه وحديث ابن عقيل إلى الضعف ما هو " (١) .

    1. (١)أخرجه ابنُ عساكر في " تاريخه " (٢٥/ ٢٦٦) بإسناد جيد.
  34. وقالها يحيى بن معين في (بشر بن حرب الندبي) (٢) .

    1. (٢)الكامل، لابن عدي (٢/ ١٥٨).
  35. ويَبَيِّنُها قول أبي حاتم الرازي في (الصلت بن دينار الأزدي) : " ليِّنُ الحديث، إلى الضعف ما هو، مضطرب الحديث، يكتب حديثه " (٣) .

    1. (٣)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٤٣٨).
  36. وهؤلاء الرواة جميعاً عرفوا بسوءِ الحفظ، وحديثهم يعتَبَر به، ولا يحتج به، وبعضهم أرفع من بعض، وعبد الله بن محمد بن عقيل من أحسنهم حالاً، وقد يحسن حديثه مع لينه.

  37. وشذَّت عبارة يعقوب بن شيبة في (عبد الكريم بن مالك الجزَريِّ) ، حيث قال: " إلى الضعف ما هو، وهو صدوق ثقة " (٤) .

    قلت: وابن شيبة يجمع بين ألفاظ لا تأتي على استقامة مصطلحاتهم، فتنبَّه، وكأنه يعني هنا أن الجَزريَّ يُتردَّدُ فيه بين أن يكون صدوقاً أو ثقة، إذ في حفظه ما يميل به إلى الضعف عن درجة الثقات، وليس المراد الضعف الذي ينزل بالراوي عن درجة الاحتجاج، بل إن الجزريَّ ممن يحتج بحديثه.

    1. (٤)أخرجه ابنُ عساكر في " تاريخه " (٣٦/ ٤٦٦) بإسناد جيد.
  38. ٢٣ _ قولهم: (تَعرف وتُنْكر) .

    ج ١ ص ٦٠١
  39. عبارة جرح في التَّحقيق، تتَّصل بحديث الراوي لا بشخصه، والمعنى: تارة هكذا وتارة هكذا، يأتي بالحديث مرة على الوجه، ومرة على غير ذلك، أي: لم يكن يتقن حديثه.

  40. ولذا كان الناقد ربما قالها في الراوي، وقرنها بالتَّعبير بالحركة إشارةًَ إلى عدم استقرار حال الراوي وثباته فيما يؤديه.