المبحث الثاني: تفسير عبارات الجرح والتعديل

٤٠٠ فقرة، ج ١ ص ٥٦٧

الصفحة ٦ من ١٠

  1. كما قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد (يعني القطان) عن (الربيع بن حبيب) ؟ فقال: " تَعْرف وتُنْكر " وقال بيده (١) .

    قلت: وهو قد روى عن الربيع هذا، وهو صدوق جيد الحديث.

    1. (١)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ٢ / ٤٥٧) وإسناده صحيح.
    ج ١ ص ٦٠١
  2. وكما قال ابن أبي حاتم الرازي في (الحسين بن زيد بن عليٍّ الهاشميِّ) : قلت: لأبي: ما تقول فيه؟ فحرك يده وقبلها، يعني تعرف وتنكر (٢) .

    1. (٢)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٣).
  3. وفسر القول فيه ابن عدي فقال: " أرجو أنه لا بأس به، إلا أني وجدت في بعض حديثه النكرة " (٣) .

    1. (٣)الكامل (٣/ ٢١٨).
  4. وكذلك قال ابن أبي حاتم في (زيد بن عوف القطعي) المقلب بـ (فهد) : قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: " تَعْرف وتُنْكر " وحرك يده (٤) .

    قلت: وقد وجدت هذا اللفظ وقع في كلام يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وأبي حاتم الرازي، وغيرهم، وليس بالكثير، وقيل في رواة درجاتهم متفاوتَةٌ في اللين والضَّعف، وفيهم من

    ج ١ ص ٦٠٢الراجح قبوله، وفيهم من الراجح ضعفه، لذا فهي عبارة تليين مجملة في قدر اللين في الراوي، فتُحرَّرُ فيمن قيلت فيه بحسب دلالة سائر أقوال النقاد فيه الراوي، أو بتأمُّل حديثه وروايته.

    1. (٤)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٧٠).
  5. ٢٤ _ قولهم: (سيئ الحفظ) .

  6. عبارة صريحة التعلُّق بحديث الراوي، وليست كثير الورود في كلام المتقدِّمين مطلقة دون وصف آخر، وإنما كان أكثر ما ترد عنهم مقرونة بوصف آخر كالقول: (صدوق سيئ الحفظ) ، و (سيئ الحفظ كثير الوهم) ، أو (كثير الغلط) ، أو (كثير الخطأ) ، وما معناها، أو (مضطرب الحديث) ، وغير ذلك، وإنما جاءت مطلقة في الراوي بعد الراوي، وقعت في كلام أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي بكر البزار، والدر قطني، وكثر استعمالها بإطلاق كلام المتأخرين.

  7. ويندر أن تجدها تستعمل فيمن بلغ به سوء الحفظ إلى حدِّ الترك.

  8. كما وقع فيما حكاه عمرو بن علي الفلاَّسُ عن يحيى بن سعيد القطان في (عيسى بن أبي عيسى الحَنَّاط) ، وهو متروك الحديث، قال: " كان سيئ الحفظ " (١) .

    1. (١)الكامل، لابن عدي (٦/ ٤٣٦).
  9. وكما قال عمرو بن علي في (عبيدة بن معتب الضبي) : " سيئ الحفظ، متروك الحديث " (٢) .

    قلت: وهو متروك عند جماعة من النقاد، ضعيف لا يبلغ الترك عند آخرين.

    وقالوا في جماعة: (سيئ الحفظ جداً) ، ولا تعني السقوط.

    1. (٢)الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٩٤).
  10. والتحقيق: أن الضعف العائد إلى سوء الحفظ قد يبلغ صاحبه حد الترك، كما بينته في (تفسير الجرح) ، لكن يندُرُ ذلك في الرواة الذين قيلت فيهم هذه العبارة، بل أكثرهم يعتبر بحديثه، ولا يكادُ يقبل حديث من رجح له هذا الوصف لذاته وإن كان منعوتاً بالصدق.

    ج ١ ص ٦٠٣
  11. ٢٥ _ قولهم: (فيه نظر) .

  12. شاع استعمال هذه العبارة عن البخاريِّ، واستعملها غيره من المتقدمين بقلَّة، كأبي حاتم الرازي وابن عديِّ وأبي أحمد الحاكم وغيرهم، وأكثر من استمالها من المتأخرين أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني صاحب " الإكمال في ذكر من له رواية في مسند أحمد " .

  13. وقد قال الذهبي في تفسيره هذه اللفظة: " قلَّ أن يكون عند البخاري رجل فيه نظر، إلا وهو متهم " (١) ، وقال في موضع آخر: " لا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالباً " (٢) .

    قلت: لكن المتَتَبَّع لاستعمال البخاري له لا يجد ما أطلقه الذهبي صواباً، بل إنك تجده قالها في المجروحين على اختلاف درجاتهم، كما قالها في بعض المجهولين الذين لم يتبيَّن أمرهم لقلة ما رَوَوا، بل قالها في رواة هم عند غيره في موضع القبول.

    1. (١)ميزان الاعتدال (٣/ ٥٢).
    2. (٢)ميزان الاعتدال (٢/ ٤١٦)، وقالَ في " الموقظة " (ص: ٨٣): " هوَ عندَه أسوأ حالاً من الضعيف ".
  14. فقالها في (عبد الحكيم بن منصور الخزاعي) (٣) ، وهو متروك متهم.

    1. (٣)التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ١٢٥).
  15. وقالها في (حريث بن أبي مطر الحنَّاط) (٤) ، وهو منكر الحديث.

    1. (٤)التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٧١).
  16. وقالها في (عمرو بن دينار قَهْرَمانِ آل الزبير) (١) ، وهو ضعيف الحديث.

    1. (١)التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ٣٢٩).
    ج ١ ص ٦٠٤
  17. وقالها في (علي بن مسعدة الباهلي) (٢) ، وهو صالح الحديث يعتبر به.

    1. (٢)التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ٢٩٤ _ ٢٩٥).
  18. وقالها في (جميل بن عامر) (٣) ، وهذا ذكره ابن عدي وقال: " يعرف بحديث أو حديثين " (٤) .

    1. (٣)التاريخ الكبير (١/ ٢ / ٢١٦).
    2. (٤)الكامل (٢/ ٤٢٨).
  19. كما قالها في (سعيد بن خالد الخُزاعيِّ) (٥) ، وقال ابن عدي: " هذا الذي ذكره البخاري إنما يشير إلى حديث واحد، يرويه عنه عبد الملك الجُدِّيُّ، وهو يعرف به، ولا يعرف له غيره " (٦) .

    1. (٥)التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٤٦٩).
    2. (٦)الكامل (٤/ ٤٣٢).
  20. وفي (شعيب بن ميمون) يروي عن حصين بن عبد الرحمن وغيرِهِ (٧) ، وذكر ابن عدي أن الرجل له حديث واحد (٨) ، وقال أبو حاتم الرازي: " مجهول " (٩) .

    1. (٧)التاريخ الكبير (٢/ ٢ / ٢٢٢).
    2. (٨)الكامل (٥/ ٥).
    3. (٩)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٥٢).
  21. وقالها في (حُيَيِّ بن عبد الله المعافِريَّ) (١٠) ، وهو حسنُ الحديث لا بأس به.

    1. (١٠)التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٧٦).
  22. وقالها في (حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير) (١١) ، وقد احتج به

    ج ١ ص ٦٠٥مسلم في " صحيحه " في موضع واحد (١) ، وهو صدوق حسن الحديث، وثقه أبو حاتم الرازي وأبو داود السجستاني وابن حبان (٢) .

    1. (١١)التاريخ الكبير (١/ ٢ / ٣١٨).
    2. (١)صحيح مُسلم (الحديث رقم: ٨٧٨).
    3. (٢)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٠٢)، سؤالات الآجري (النص: ٤٢، ٣٨١)، الثقات، لابن حِبان (٤/ ١٣٨).
  23. وأكثر الذين قال فيهم البخاري تلك العبارة هم ممن يكتب حديثه ويعتبر به، وفيهم جماعة كانوا قليلي الحديث، غير مشهورين به، لا يَصِلون إلى حدِّ السُّقُوط، خلافاً لما قاله الذهبي.

  24. ومما يبين مراد البخاري بقوله هذا، ما ذكره الترمذي عنه من قوله في (حكيم بن جبير) : " لنا فيه نظر " ، قال الترمذي: " ولم يعزم فيه على شيء " (٣) .

    1. (٣)العلل الكبير (٢/ ٩٦٩).
  25. فهذا يدل على أن هذه العبارة من البخاري فيمن هو في موضع تأمُّل وتوقُّف عنده، فهي عبارة احتراز عن قبول حديث الراوي والاحتجاج به، أو الاعتبار به، ولكونِها توقفاً عن القبول، فهي في جملة ألفاظ الجرح، وإن لم يقصد البخاري إلحاق الجرح بمن أطلقها عليه.

  26. وأكثر ما يقال: هي من عبارات الجرح المجملة، يبحث عن تفسيرها في كلام سائر النقاد في ذلك الراوي.

  27. وإذا عرف هذا في دلالة هذا اللفظ، تبين المراد بقوله أيضاً: (في حديثه نظر) ، فالمعنى فيه غير خارج عما ذكرت من توقف البخاري في قبول حديث ذلك الراوي، أو إسناده، تارة بسببه، وتارة من جهة علة دونه في الإسناد، لا يقضى معها بقبول خبره، أو بالدلالة على أمره في إدخاله في جملة رواة العلم.

  28. ومثال ما كان مورد النظر بسببه، قول البخاري في (إسماعيل بن

    ج ١ ص ٦٠٦إبراهيم بن مهاجر البجلي): " في حديثه نظر " (١) ، وهو معروف بالضَّعْف.

    1. (١)التاريخ الكبير (١/ ١ / ٣٤٢).
  29. وما كان النظر من جهة الإسناد الذي رواه، قوله في (إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي) : " في حديثه نظر " (٢) .

    1. (٢)التاريخ الكبير (١/ ١ / ٣٤٥).
  30. إذ حديثه هذا الذي يشير إليه البخاري رواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي، قال: حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده عفيف، في قصة.

  31. وابن الأشعث فيه مجهول، وإياس أبو إسماعيل قال فيه البخاري أيضاً: " فيه نظر " (٣) ولم يرو عنه غير ابنه (٤) .

    1. (٣)التاريخ الكبير (١/ ١ / ٤٤١).
    2. (٤)وبيَّنتُ الحديث وعلته في تحقيقي لكتاب " المفاريد " لأبي يعلى الموصلي (رقم: ٥٩).
  32. وما نسبه الذهبي إلى البخاري أنه قال: " إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو واه متهم " (٥) ، فهذا لم أقف عليه مسنداً إلى البخاري في شيء، ولا يدل عليه ما وقفنا عليه من استعمال البخاري.

    1. (٥)سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٤١).
  33. وأما قول البخاري: (في إسناده نَظَر) فتوقُّفٌ منه في ثبوت إسناد معَّين جاء من رواية المذكور، إذ أكثر ما أتت هذه العبارة في كلامه، عقبَ حديث أو أثر يذكره في ترجمة الراوي، فالهاء في قوله (إسناده) لا تعود على الراوي، إنما تعود على الرواية المذكورة.

  34. ومن أدل علامة عليه، قوله في ترجمة (أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي) : قال لنا مسددٌ: عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُّكري، عن أبي الجوزاء، قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة، ليس من القرآن آية إلا سألتْهُم عنها. قال البخاري: " في إسناده نظر " (٦) .

    ج ١ ص ٦٠٧قلت: فهذا ليس حُكماً على أبي الجوزاء، فإنه ثقة معروف، وإنما هو توقُّفٌ من البخاري في إثبات هذا الخبر عنه، والمفيد اتِّصال ما بينه وبين ابن عباس وعائشة، وربما من أجل كونه من رواية جعفر بن سليمان الضبعي، وهو عند البخاري " يخالف في بعض حديثه " (١) .

    قلت: وعلى هذا الذي بيَّنْت عن استعمال البخاري يقع استعمال غيره، إلا أن تقوم قرينةٌ على إرادة معنى مخصوص.

    1. (٦)التاريخ الكبير (١/ ٢ / ١٦ _ ١٧).
    2. (١)التاريخ الكبير (٢/ ١ / ١٩٢).
  35. وذلك كاستعمال ابن عبد البرِّ لعبارة: " فيه نظر " (٢) ، ففسرها العلائي بقوله: " أي في صحبته " (٣) .

    1. (٢)الاستيعاب (٦/ ٣٢٨ _ هامش الإصابة).
    2. (٣)جامع التحصيل (ص: ٢٦٢).
  36. وقال السُّليمانيُّ (٤) في (محمد بن المغيرة بن سنان الضبي فقيه الحنفية بهَمَذانَ) : " فيه نظر " ، فقال الذهبي: " يشير إلى أنه صاحب رأي " (٥) .

    1. (٤)هوَ الحافُظ الناقد أبو الفضْل أحمد بن علي البيكنْدي (المتوفى سنة: ٤٠٤) قال الذهبي: " رأيتُ للسليماني كتاباً فيه حط على كبار، فلا يُسمع منه ما شذَّ فيه " (سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٠٢).
    2. (٥)سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٨٤).
  37. ٢٦ _ قولهم: (ضعيف) أو: (ضعيف الحديث) .

  38. هي صيغة جرح بلا تردُد، لكن هل هي مفسرة أو مجملة؟

  39. التحقيق: أنها مجملة، فإذا عارضها تعديل معتبر لم يعتد بها حتى يبين وجهها.

  40. ثم إن التضعيف بها قد يراد به الضعف اليسير، كثقة أو صدوق إذا قورن بمن هو فوقه قيل فيه: " ضعيف الحديث " .

    ج ١ ص ٦٠٨