المبحث الثالث: التعليل بالمخالفة

٥٣ فقرة، ج ١ ص ٦٩٧

الصفحة ٢ من ٢

  1. [النوع الخامس: مخالفة العقل]

    ج ١ ص ٧٠٨
  2. وهذا النوع ذكره تكميل من أجل تبيين وجهه؛ لأنه معدوم في روايات الثقات، إنما يوجد ما تتفق العقول على بطلانه في رواية الكذابين الذين حدثوا بالمستحيل.

  3. ولا وجه لافتراضه أصلا في روايات الثقات حيث كان الواقع ينفيه.

  4. وإنما يوجد في بعض الحديث ما لم تستوعب بعض العقول فهمه، تارة للجهل، وتارة للهوى والبدعة وبُغض السنن.

  5. ووقع مثل ذلك عن طوائف من الناس ردوا بمحض العقول نصوصاً تتصل بالغيب، كبعض نصوص الصفات واليوم الآخر، مما لم تنفرد به السنن الصحيحة، وإنما له في القرآن نظائر، وهذا مما لا يجوز أن يكون العقل فيه حاكماً على النص.

  6. وربما وقع من بعض العلماء استشكال معنى حديث صحيح، يحسبه أحدهم أتى على خلاف العقل في ظاهره، فيجتهد في تأويله لا في تعليله، وهذا وإن كان مما ينظر في أفراده وأمثلته، لكنه أقوم طريقاً من طريق من يسارع لرد الحديث وتعليله دون العمل على حمله على أحسن وجوهه.

  7. ومن أمثلة صنيع بعض العلماء: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بالموت كهيئة

    ج ١ ص ٧٠٩كبش أملح، فينادى مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت "، ثم قرأ: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة} ، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، {وهم لا يؤمنون} [مريم: ٣٩] (١) .

    قال أبو بكر ابن العربي: " استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل؛ لأن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأولته طائفة، فقالوا هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم يعرفه؛ لأنه الذي تولى قبض أرواحهم " (٢) .

    قلت: والذي ألجأ إلى ظن مخالفة صريح العقل قياس الغيب على الشهادة، وأمر الآخرة غيب، وقص علينا ربنا تبارك وتعالى من شأنه، وكذلك نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا يأتي على القياس، ولا تتصوره العقول، والله تعالى يخلق ما يشاء، ويحيل ما يشاء إلى ما يشاء، وليس في قدرته مستحيل والوقف عند النص هو اللائق هنا دون التأويل.

    1. (١)متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٤٥٣) ومسلم (رقم: ٢٨٤٩).
    2. (٢)نقله ابنُ حجر في " فتح الباري " (١١/ ٤٢١).
  8. وهكذا في جميع ما تظن بعض العقول أنه لا يأتي على مقاييسها من أخبار الثقات المتقنين، فإن بابه كباب هذا الحديث، أو يكون وجهه خفي على مدعي معارضته للعقول.

  9. [خلاصة هذا المبحث:]

    ج ١ ص ٧١٠
  10. وقوع تعليل الحديث من رواية الثقات بأنواع المخالفة المتقدمة، حاصل في الأنواع الثلاثة الأولى: الشذوذ عن رواية الأقوى، ومخالفة القرآن، ومخالفة المعروف من السنن، على ما بينته بمثاله، دون اعتقاد كثرة وقوعه، بل هو نادر قليل في أحاديث الثقات، والنوع الأول أكثره.

  11. وأما التعليل بالمخالفة للمحسوس، والعقل، فلا يوجد له مثال في روايات الثقات.

  12. وما يقع أحياناً من الإشكال في دلالة بعض نصوص الأحاديث الصحيحة، فشبيه بما يقع من الإشكال في دلالة بعض آيات الكتاب، ينظر وجهه ومعناه، ويؤلف بينه، وبدفع ما يبدو من تعارض الظاهر برده إلى المحكم، وحمل معناه عليه.

  13. ولم يزل علماء الأمة يعنون بهذا، فيما ألفوه في مشكل الحديث مفرداً، أو ما ضمن في شروحه، واستحضر دائماً قول الله عز وجل: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: ٧٦] ، وقوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: ٨٣] .