المبحث الأول: الكتب في الحديث الصحيح
٢١ فقرة، ج ١ ص ٨٣٥
- ج ١ ص ٨٣٥
أصح الكتب المصنفة في الحديث الصحيح: صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، لم يسبقهما في الصحة كتاب له مثل درجتهما، ولا خلفهما كذلك، وهما أول الكتب المجردة في الحديث الصحيح، والبخاري قبل مسلم.
-
وقد جاء عن الشافعي تقديم (الموطأ) للإمام مالك بن أنس.
-
فعن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي، قال: " ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صواباً من موطأ مالك " (١) .
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: " ما بعد كتاب الله تعالى كتاب أكثر صواباً من موطأ مالك " (٢) .
ج ١ ص ٨٣٦وقال هارون بن سعيد الأيلي: سمعت الشافعي يقول: "ما كتاب بعد كتاب الله تعالى أنفع [للمسلمين] من كتاب مالك بن أنس " (١) .
وقال أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح: سمعت الشافعي يقول: " ما أعلم شيئاً بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك " (٢) .
قلت: وهذا حكم قبل أن يوجد " الصحيحان " ، فإن الناس صنفت الكتب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البخاري ومسلم، فكان " الموطأ " أصح تلك الكتب حديثاً، فهو مقارن بما زامنه إلى عهد الشافعي، فلما ألف " الصحيحان " لم تبق تلك الدعوى صحيحة، خصوصاً وأن مالكاً رحمه الله ضمن كتابه الأحاديث والآثار ورأي نفسه، كما وقع في أسانيد أحاديثه المتصل والمرسل والمنقطع والبلاغات، فلم يجرد للحديث الصحيح المتصل.
- (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدِمة " (ص: ١٢) و " آداب الشافعي " (ص: ١٩٥ _ ١٩٦) والبيهقي في " مناقب الشافعي " (١/ ٥٠٧) وابن عساكر في " كشْف المغطى في فضل الموطَّأ " (رقم: ١٦) وإسناده صحيح. وأخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٧٧، ٧٩) وابن عساكر كذلك (رقم: ١٩) نحوه.
- (٢)أخرجه أبو نُعيم في " الحلية " (٦/ ٣٦٠ رقم: ٨٩٣٢) وابن عساكر في " كشْف المغطى " (رقم: ٢٠) وإسناده صحيح.
- (١)أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٤١) وأبو نُعيم في " الحلية " (٩/ ٧٩ رقم: ١٣١٨٢) والجوهري في " مُسند الموطأ " (رقم: ٧٧) والبيهقي في " مناقب الشافعي " (١/ ٥٠٧) والزيادة له، والخطيب في " الجامع " (رقم: ١٥٦٤) وابن عبد البر (١/ ٧٦، ٧٧) وابن عساكر في " كشف المغطى " (رقم: ٢٢) وإسناده صحيح.
- (٢)أخرجه البيهقي في " المناقب " (١/ ٥٠٧) وإسناده جيد. ورُوي هذا المعنى الذي قاله الشافعي عن عبد الرحمن بن مَهدي، ولم يثبت عنه. أخرجه ابن حبان في " المجروحين " (١/ ٤٢) .......
-
نعم، (الموطأ) من كتب الحديث الصحيح، وليس فيه حديث مسند إلا وهو صحيح.
-
وقد استحق " الصحيحان " التقديم لشدة ما اشترط صاحباهما الإمامان: البخاري ومسلم، ولاجتهادهما في تحقيق شرطهما؛ فإنهما التزما بشروط الحديث الصحيح إلى أقصى حد ممكن، لكن صنيعهما صنيع بشر؛ لذا لم يسلم من مؤاخذات، هي على أحرف يسيرة في " البخاري " ، وعلى أحاديث قليلة في " مسلم " ، قد ميزت وعرفت.
- ج ١ ص ٨٣٧
والقاعدة: أن كل ما في الصحيحين متلقى بالقبول، محكوم بصحة، وليس فيهما حديث موضوع، ولا منكر، بل ولا ضعيف، إلا أحاديث معللة معدودة في " صحيح مسلم " .
-
وقد يزعم بعض أهل البدع وجود موضوع أو منكر ساقط فيهما؛ لمجيء بعض الروايات على غير أهوائهم، أو لآخرون ظنوا في بعض الأحاديث مخالفة لمعقولهم فردوها، وفهم معاني الأحاديث يتفاوت فيه الناس كما يتفاوتون في فهم القرآن العظيم، وفوق كل ذي علم عليم.
-
ولا يهوَّل بما وقع من انتقادات بعض الحفاظ على " الصحيحين " كالحافظ الكبير أبي الحسن الدراقطني، عاب عليهما في التخريج لبعض الرجال، وعاب بعض الأحاديث بالتعليل الخفي، كما في كتاب " التتبع " له.
-
وسأل السلمي الدارقطني: لم ترك محمد بن إسماعيل البخاري حديث سهيل بن أبي صالح في الصحيح؟ فقال: " لا أعرف له فيه عذراً، فقد كان أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي إذا مر بحديث لسهيل قال: سهيل _ والله _ خير من أبي اليمان ويحيى بن بكير، وكتاب البخاري من هؤلاء ملاء " (١) .
وقال أبو عثمان سعيد بن عمرو البرذعي: شهدت أبا زرعة ذكر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم بن الحجاج، ثم الفضل الصائغ على مثاله، فقال لي أبو زرعة: " هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه، فعملوا شيئاً يتشوفون به، ألفوا كتاباً لم يسبقوا إليه؛ ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها " . وأتاه ذات يوم وأنا شاهد رجل بكتاب (الصحيح) من رواية مسلم، فجعل ينظر فيه، فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال لي أبو زرعة: " ما أبعد هذا من الصحيح ! يدخل في كتابه أسباط بن نصر؟! " ثم رأى في الكتاب قطن بن
ج ١ ص ٨٣٨نسير، فقال لي: " وهذا أطم من الأول، قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت، جعلها عن أنس " ، ثم نظر فقال: " يروي عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه (الصحيح) ؟!. . ما رأيت أهل مصر يشكون في أن أحمد بن عيسى " وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه، كأنه يقول: الكذب، ثم قال لي: " يحدث عن أمثال هؤلاء، ويترك عن محمد بن عجلان ونظرائه، ويطرق لأهل البدع علينا؛ فيجدون السبيل بأن يقولوا لحديث إذا احتج عليهم به: ليس هذا في كتاب (الصحيح) " ، ورأيته يذم وضع هذا الكتاب ويؤنبه.
- (١)سؤالات السلمي (النص: ١٤٨) وبنحوه كذلك (النص: ١٤٩) .......
-
فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية، ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه روايته في هذا الكتاب عن أسباط بن نصر، وقطن بن نسير، وأحمد بن عيسى، فقال لي مسلم: " إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات " .......
-
وقدم مسلم بعد ذلك إلى الري، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة، فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له نحواً مما قاله أبو زرعة: " إن هذا يطرق لأهل البدع علينا " ، فاعتذر إليه مسلم، وقال: " إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت: هو صحاح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح؛ ليكون مجموعاً عندي وعند من يكتبه عني، فلا يرتاب في صحتها، ولم أقل: إن ما سواه ضعيف " ونحو ذلك مما اعتذر به مسلم إلى محمد بن مسلم، فقبل عذره وحدثه (١) .
ج ١ ص ٨٣٩قلت: فهذا عيب للشيخين في بعض من خرجا لهم، لكن قولهما في ذلك أقوى عند نقاد الحديث، بل مع نقد النسائي والدارقطني للبخاري في بعض من أخرج لهم، وأبي زرعة لمسلم في بعض من أخرج لهم، لم يقع منه شيء على سبيل الطعن عليهما، إنما النقد للبخاري في تركه تخريج الثقة الأولى عند من انتقده، على أن البخاري لم يحتج إلا بما لا ينازع في كونه محفوظاً من الحديث، وإن كان خلاف الأولى عند غيره، ونقد أبي زرعة لمسلم فيه تشديد الشيخ على التلميذ حملاً له على مزيد التحري، وتحذيراً من فتح الطريق لأهل الأهواء.
قال الحازمي: " أما إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حداً يرد به حديثهم، مع أنا لا نقر بأن البخاري كان يرى تخريج حديث من ينسب إلى نوع من أنواع الضعف، ولو كان ضعف هؤلاء قد ثبت عنده لما خرج حديثهم، ثم ينبغي أن يعلم أن جهات الضعف متباينة متعددة، وأهل العلم مختلفون في أسبابه " (١) .
قلت: يريد الحازمي أن البخاري لم يخرج لمن يرى تسليم القول بضعفه، وإن خالفه فيه غيره، إذا الاختلاف في جرح الرواة وتعديلهم موجد، لكن ليس كل جرح معتبراً.
- (١)ساقَ هذه الحكاية بطولها البَرْذعي في " سؤالاته لأبي زُرعة " (٢/ ٦٧٤ _ ٦٧٧).
- (١)شروط الأئمة الخمسة (ص: ١٧٢ _ ١٧٣) .......
-
ويجب أن تلاحظ في طريقة الشيخين في تخريج حديث من تكلم فيه من الرواة ما يلي:
أولاً: أنهما انتقيا من حديثه ما كان محفوظاً معروفاً، مثلُ: إسماعيل بن أبي أويْسٍ المديني.
-
ثانياً: غالب ما خرجاه من حديث هذا الصنف فهو في المتابعات، لا في الأصول.
- ج ١ ص ٨٤٠
وربما حسب بعض الناس أن المراد ب (المتابعات) هنا أن يأتي الإسناد من طريق المتكلم فيه بعد إسناد الثقة غير المتكلم فيه، وليس ذلك شرطاً، فالتقديم والتأخير هنا لا أثر له، ما دام تخريج صاحب " الصحيح " لذلك الراوي المتكلم فيه لم يكن بما تفرد به.
-
ثالثاً: أن الصنف من الرواة أقل عنه صاحبا " الصحيح " .
-
رابعاً: أنهما إذا اعتمداه فخرجا عنه من محفوظ حديثه، فلا يعتمدانه في الأحكام، إنما ذلك في الرقائق وشبهها، مثل فليح بن سليمان.
-
ومن هنا يتبين خطأ الحاكم في كثير مما استدركه على الشيخين، وأطلق القول أنه (على شرطهما) أو (شرط أحدهما) على ما سيأتي نقده فيه.
-
وأما النقد ل " الصحيحين " بتعليل بعض أئمة الحديث لبعض الروايات بالعلل الخفية، كما صنع الدارقطني في كتاب " التتبع " ، فأكثره على قلته يعود إلى معنى الصناعة الحديثية، لا إلى رد الحديث، على أن مذهب الشيخين فيه أقوى وأرجح.
-
وفي الجملة: ف " صحيح البخاري " أقوى وأرجح من " صحيح مسلم " ، وذلك يعود إلى قوة شرط الاتصال عنده وزيادة تحريه في الرجال، وندرة الحديث المعلل في " كتابه " .
قال النسائي: " ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري " (١) .
قال الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري: " ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث " (٢) .
ج ١ ص ٨٤١قال ابن تيمية مقارناً بين (الصحيحن) : " ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله، مع فقهه فيه " .
قال: " جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه، يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج، فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه " (١) ، وضرب أمثلة لما انتقد على مسلم وكان النقد صواباً.
- (١)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٢/ ٩) وإسناده صحيح.
- (٢)أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٥٦٣) وإسناده صحيح .......
- (١)قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٧١).
-
وقد امتدح للبخاري جمعه الأبواب وتوزيعه الأحاديث عليها، ولمسلم حسن سياقته للأحاديث مجموعة الطرق والألفاظ في موضع واحد.
-
وبيان شرط الشيخين يأتي في (المبحث السابع) .