المبحث الثاني: ذكر المصنفات المسماة بـ (الصحاح) غير كتابي الشيخين

٣٩ فقرة، ج ١ ص ٨٤٢

  1. وصنفت بعد الشيخين كتب لقبها أصحابها ب " الصحاح " ، أشهرها مما وصلنا بعضه أو كله:

    ١ _ صحيح ابن خزيمة.

    ج ١ ص ٨٤٢
  2. للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري (المتوفى سنة: ٣١١) .

  3. التزم فيه جمع الصحيح والحسن من الحديث على وفق شروط.

  4. وعلم شرطه من تسميته لكتابه: " المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل، من غير قطع في السند، ولا جرح في النقلة " (١) .

    قال الخطيب: " شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده، بنقل العدل عن العدل، إلى النبي صلى الله عليه وسلم (٢) .

    1. (١)صحيح ابن خزيمة (١/ ٣، و ٣/ ١٨٦) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٢٩١).
    2. (٢)الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ١٨٥).
  5. كما تبين تحقيق هذا الشرط من دراسة كتابه.

    ج ١ ص ٨٤٣
  6. ٢_ صحيح ابن حبان.

  7. للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي (المتوفى سنة: ٣٥٤) تلميذ ابن خزيمة.

  8. وكان كشيخه ابن خزيمة لا يفرق في " صحيحه " بين الصحيح والحسن، بل كل ما يصلح للحجة عنده فهو صحيح.

  9. قال الحافظ ابن حجر وقد ذكر ما يتفرد به (محمد بن إسحاق) صاحب " السيرة " : " ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو درجة الحسن إذا صرح بالتحديث، وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحاً، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه " يعني ابن خزيمة والحاكم (١) .

    1. (١)فتح الباري (١١/ ١٦٣) .......
  10. وشرطه في " صحيحه " علم بتصريحه به في أول كتابه، إذ لم يدع منهجه الذي سلك في انتقاء الحديث والحكم عليه بالصحة إلى الظن والتخمين، قال:

    " شرطنا فيما أودعناه كتابنا هذا من السنن، فإنا لم نحتج فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:

    الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.

  11. والثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.

  12. والثالث: العقل بما يحدث من الحديث.

  13. والرابع: العلم بما يحيل من معاني ما يروي.

  14. والخامس: المتعري خبره عن التدليس.

    ج ١ ص ٨٤٤
  15. فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه، وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به " (١) .

    1. (١)الإحسان (١/ ١٥١)، ثم شرح ابنُ حبان ما ذكر من هذه الشروط، وبينتُ شرح صِفة العدْل عنده في القسم الأول من هذا الكتاب.
  16. وعليه وعلى شيخه ابن خزيمة في " صحيحهما " مآخذ فيهما، وقعت غالباً في ضعف بعض الشروط، وتخريجهما لحديث لطائفة ممن اختلف فيه وراجح القول فيه أنه ضعيف.

  17. لذا رأى جماعة من النقاد عدم الاكتفاء لقبول الحديث بكونهما أو أحدهما خرجه، ورأوا أنه لا بد من إعادة الدراسة لأحاديث هذين الكتابين، على أنك تجد من عمد إلى ذلك ظهر له قلة ما يؤخذ عليهما.

  18. والذي أقول به: أن اعتماد من لا خبرة له بهذا العلم على تصحيحهما جائز، حت يتبين الخطأ، إجراء لما غلب على ما فيهما من الصحة، وبناء على ما يجوز لغير المتخصص من التقليد لأهل الاختصاص.

  19. وسبق إلى ذلك عمل أكثر متأخري العلماء، قال أبو عبد الله بن رشيد الفهري وذكر ابن حبان: " وإن كان من أئمة الحديث، فعنده بعض التساهل في القضاء بالصحيح، فما حكم بصحته مما لم يحكم به غيره، إن لم يكن من قبيل الصحيح يكن من قبيل الحسن، وكلاهما يحتج به ويعمل عليه، إلا أن يظهر فيه ما يوجب ضعفه " (٢) .

    1. (٢)السنن الأبين (ص: ١٤٥) .......
  20. ٣ _ المستدرك على الصحيحين.

  21. للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم ابن البيع الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة: ٤٠٥) .

  22. قصد في هذا الكتاب أن يجمع الأحاديث التي اشتملت على شرط الصحة، ولم يخرجها البخاري ومسلم أو أحدهما.

    ج ١ ص ٨٤٥
  23. لكنه تساهل فيه جداً، وكثرت عليه فيه المآخذ.

  24. قال ابن تيمية بعد أن ذكر عن الحاكم تصحيحه لأحاديث موضوعة: " لهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه، وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه، بخلاف أبي حاتم بن حبان البستي، فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدراً، وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن منده، وأمثالهم فيمن يصحح الحديث، فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع، فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم، ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم، ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري " (١) .

    وقال ابن القيم: " لا يعبأ الحفاظ أطباء الحديث بتصحيح الحاكم شيئاً، ولا يرفعون به رأساً البتة، بل لا يدل تصحيحه على حسن الحديث، بل يصحح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث، وإن كان من لا علم له بالحديث لا يعرف ذلك فليس بمعيار على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعبأ أهل الحديث به شيئاً، والحاكم نفسه يصحح أحاديث جماعة وقد أخبر في كتاب (المدخل) له أن لا يحتج بهم، وأطلق الكذب على بعضهم " (٢) .

    وقال: " تصحيح الحاكم لا يستفاد منه حسن الحديث البتة فضلاً عن صحته " (٣) .

    ج ١ ص ٨٤٦وقال ابن دحية في كتابه (العلم المشهور) : " ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير الغلط ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده وقلده في ذلك " (١) .

    وقال الزيلعي بعد حديث ذكره في الجهر بالبسملة: " رواه الحاكم، وقال: رجاله ثقات، وتوثيق الحاكم لا يعارض ما يثبت في (الصحيح) خلافه؛ لما عرف من تساهله، حتى قيل: إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني، بل تصحيحه كتحسين الترمذي، وأحياناً يكون دونه، وأما ابن خزيمة وابن حبان، فتصحيحهما أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع " (٢) .

    قلت: ومن أجمع الكلمات في وصفه قول الحافظ أبي عبد الله الذهبي: " في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها كنت قد أفردت منها جزءاً " (٣) .

    1. (١)قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٧٠ _ ١٧١).
    2. (٢)الفروسية (ص: ٦٣).
    3. (٣)الفروسية (ص: ٧١).
    4. (١)نقله الزيلعي في " نصب الراية " (١/ ٣٤١ _ ٣٤٢) عن كتاب " العلم المشْهور " لابن دِحية .......
    5. (٢)نصب الراية (١/ ٣٥٢).
    6. (٣)سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ١٧٥) .......
  25. وسيأتي ذكر تساهله في الحكم على الحديث بكونه على شرط الشيخين أو أحدهما.

  26. ف " المستدرك " وإن قصد فيه إصابة شرط الصحة على طريقة الشيخين، لكن ليس له نفس منزلة " الصحيحين " أبداً ولا يقاربهما، بل لا يعتمد على حكمه حتى يوافق عليه من عارف بالصناعة، وذلك لضعف تحقيقه فيه.

  27. كما يجدر بالملاحظة أن الحافظ الذهبي اختصر " المستدرك " وتعقب

    ج ١ ص ٨٤٧الحاكم في مواضع كثيرة، وأهمل مواضع أخرى، ونشر " مختصر الذهبي " في هامش " المستدرك " ، وحين يقول الحاكم مثلاً: " حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " يختصر ذلك الذهبي بقوله مثلاً: " على شرطهما " ، فهذا من الذهبي ليس موافقة ولا مخالفة، وإنما هو سكوت، فلا يصلح أن يضاف إليه القول بالموافقة، فيقال في الحديث: " صححه الحاكم ووافقه الذهبي " ، إنما الصواب: " صححه الحاكم وسكت عنه الذهبي " ، ولم يبين الذهبي أن سكوته دال على الموافقة.

  28. [تنبيهان:]

  29. التنبيه الأول: شاع عند بعض المتأخرينَ إطلاق عبارة " الصحاح الستة " ويعنون إضافة للبخاري ومسلم: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.

  30. وهذا إطلاق ليس بصحيح، فإن هؤلاء الأئمة غير الشيخين لم يشترطوا صحة الأحاديث التي في كتبهم، وهي وإن كان أكثر ما فيها من الصحيح الثابت؛ إلا أنها تشتمل على الحديث الحسن، والضعيف بأنواع مختلفة من الضعف، بل وفي بعضها المنكر والموضوع.

  31. وما وقع على أغلفة بعض طبعات " الجامع " للترمذي من تسميته بـ " الجامع الصحيح " فإنه من أغلاط الناشرين، والترمذي مؤلف الكتاب لم يطلق وصفه بالصحة، بل إنه علل في كتابه كثيراً من الأحاديث، وإنما سماه: " الجامع " ، وكثير من متأخري العلماء سموه " السنن" وجعلوه أحد كتب السنن التالية لـ " الصحيحين " في الترتيب.

  32. وأما قول الحافظ أبي طاهر السلفي وقد ضم السنن عدا ابن ماجة إلى " الصحيحين " : " اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب " (١) ، فهذا في كتب " السنن" على اعتبار الأغلب، وقلة الحديث الضعيف فيها.

    1. (١)نقله ابنُ سيد الناس في " النفح الشذي " (١/ ١٩٠).
  33. التنبيه الثاني: كتاب " الأحاديث المختارة " ، للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي (المتوفى سنة: ٦٤٣) ، كتاب متأخر التصنيف لتأخر وفاة مؤلفه، عمدته فيما خرجه فيه على تخريج الحديث بأسانيده إلى أصحاب المصنفات، كـ (مسند أبي يعلي) و (معاجم الطبراني) وغيرها، وخطته فيه بينها في صدره بقوله:

    " هذه أحاديث اخترتها مما ليس في البخاري ومسلم، إلا أنني ربما ذكرت بعض ما أورده البخاري تعليقاً، وربما ذكرنا أحاديث بأسانيد جياد لها علة، فنذكر بيان علتها حتى يعرف ذلك " (١) .

    1. (١)الأحاديث المختارة (١/ ٦٩ _ ٧٠) .......
    ج ١ ص ٨٤٨
  34. وهذا الكتاب يغلب عليه الحديث الصحيح، لكن فيه ما هو معلل بما يذكره الضياء نفسه في تعليله، كما أشار هنا، وفيه ما يسكت عنه ولا يصح، لكن حرصه على أن يكون منتقى من أجود الحديث ظاهرٌ فيه.

  35. ولا يصلح أن يطلق عليه وصف الصحة، إنما فيه الصحيح الغالب، كما يوجد الصحيح الغالب في كتب السنن المعروفة، غير أنه يمتاز بكون ما فيه من الصحيح فهو مما يزيد على البخاري ومسلم.

  36. وهو فيه أشد احتياطاً من الحاكم، ولذا قدمه طائفة من متأخري العلماء على " المستدرك " للحاكم.

    قال ابن تيمية: " هو أصح من صحيح الحاكم " (٢) ، وكذلك جاء عن الزركشي (٣) .

    وقال تلميذه ابن عبد الهادي المقدسي: " اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو

    ج ١ ص ٨٤٩قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي، ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل صحيح الحاكم، فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة، فهذا انحطت درجته عن درجة غيره " (١) .

    وقال السخاوي: " هي أحسن من المستدرك " (٢) .

    قلت: هو مرتب على مسانيد الصحابة، ولم يكمله.

    1. (٢)الفتاوى الكبرى (٣/ ٤٨).
    2. (٣)الرسالة المستطرفة، للكتاني (ص: ٢٤).
    3. (١)الصارم المنكي (ص: ٩٩).
    4. (٢)فتح المغيث (١/ ٣٨) .......
  37. التنبيه الثالث: كتاب " المنتقى " للحافظ أبي محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري (المتوفى سنة: ٣٠٦) ، كتاب مختصر في أحاديث الأحكام، عامته أحاديث صحيحه إلا شيئاً يسيراً.

  38. التنبيه الرابع: ادعى الإباضية أن أصح كتاب في الحديث بعد كتاب الله تعالى هو " مسند الربيع بن حبيب الأزدي " ويقدمونه على " الصحيحين ".

  39. وهذا " المسند " منسوب إلى الربيع، وهو بصري معروف من أهل المئة الثانية، مقارب في الطبقة للإمام مالك بن أنس، لكنه لم يشتهر عند أهل العلم بالرجال كما اشتهر أعيان طبقته من البصريين أو غيرهم، والأشبه من خلال دراسة ترجمته أنه رجل صدوق له حديث قليل، أما هذا " المسند " الذي سموه بـ " المسند الصحيح " فإنا نقبله لو نقل إلينا من أصل صحيح النسبة إلى الربيع، لكن هذه بغية قصدها بعض معاصري الأباضية منتصراً لثبوت هذا الكتاب، ولم أر عنده غير الدعوى، فليس للكتاب نسخة صحيحة، ولا له إسناد معروف.