المبحث الثالث: الأحاديث المعلقات في " صحيح البخاري "
٤١ فقرة، ج ١ ص ٨٥٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٨٥٠
الحديث المعلق، هو: الحديث الذي حذف جميع إسناده، أو حذف من أول إسناده راو فأكثر.
-
مثاله: قول الإمام البخاري: ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي صلى الله عليه وسلم: " الفخذ عورة " .
-
هكذا ذكره البخاري في " صحيحه " (١) بغير إسناد، ويقال في مثله: (علقه البخاري) .
- (١)الصحيح (١/ ١٤٥).
-
ومثال ما حُذف بعض إسناده: قول البخاري: وقال عفان: حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما " (٢) .
- (٢)صحيح البخاري (رقم: ٢٤٣).
-
علقه البخاري فيما بينه وبينه عفان، وهو ابن مسلم الصفار لم يدركه البخاري، إنما يروي عنه بالواسطة.
- ج ١ ص ٨٥١
[إطلاق مصطلح (المعلق) ]
-
وأول من عرف عنه من النقاد إطلاق تسمية (المعلق) هو الحافظ أبو الحسن الدارقطني (١) .
- (١)صيانة صحيح مُسلم من الإخلاط والغلط، لابن الصلاح (ص: ٧٦) .......
-
[سبب تعليق الحديث]
- يعلق الحديث لواحد من سببين:
-
الأول: أن لا يكون على الشرط الذي ارتضاه المعلق لثبوت الحديث.
-
فالبخاري مثلاً اشترط أن يكون كتابه في الحديث المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيرى فائدة في ذكر بعض الآثار عن الصحابة أو من دونهم في التفسير والأحكام وغير ذلك، فلو أسندها خرج بذلك عن شرطه، فيعلقها وإن كانت صحيحة.
-
والتزم أن لا يخرج أحاديث جماعة تكلم فيهم بما ينزل بهم عن شرطه في القوة، ورأى لهم بعض الأخبار مما يصح الاستشهاد به، فيعلق عنهم.
-
والثاني: أن يقصد به مجرد الاختصار.
-
وذلك كأن يروي البخاري في الباب ما يغني عن الإطالة بتخريج خبر تام إسناداً ومتناً زيادة على ما خرج.
-
وأحياناً يكون الحديث عنده بإسناد واحد على شرطه، ويحتاجه في بابين، فيسنده في أحدهما ويعلقه في الآخر اتقاء لتكرار الحديث بنفس الإسناد في مكانين؛ ولذا يندر أن يؤخذ على البخاري أنه كرر حديثاً بنفس الإسناد والمتن، إنما ترى في التكرار فائدة جديدة ولا بد.
-
وقد اشتهر بكثرة الأحاديث المعلقة: صحيح الإمام البخاري.
-
وإذا كان التعليق عنده مما يندرج تحت السبب الأول، وهو كونه ليس
ج ١ ص ٨٥٢على شرطه، فذلك لا يعني ضعفه عنده، وإنما القول في معلقات البخاري كما يلي:
أولاً: إذا علق الحديث بصيغة الجزم، بأن قال مثلاً: (قال النبي صلى الله عليه وسلم) أو: (قال ابن عباس) فهو ثابت عنده.
-
ثانياً: إذا علق الحديث بصيغة الجزم إلى بعض رواة ذلك الحديث كأن يقول: (قال فلان) ويسوق طرفاً من آخر الإسناد؛ فهو صحيح منه إلى من سماه، أما من ذلك المسمى إلى منتهى الإسناد فيحتاج إلى كشف.
-
وهذا كحديث عفان بن مسلم المتقدم، فهو صحيح عند البخاري إلى عفان، لكنه من عفان إلى ابن عمر يحتاج إلى تحقيق ثبوته.
-
ثالثاً: إذا علق الحديث بصيغة التمريض، كقوله: (يروى، روي) ونحو ذلك من صيغ المبني للمجهول، فليس فيه حكم منه بثبوت المعلق، بل في إشعار بتعليله، فهو على الضعف حتى يتبين وصله من طريق ثابت.
-
وأما ما يعلقه البخاري لأجل الاختصار، فإنه يسوقه موصولاً في موضع آخر من " الصحيح " ، فهذا ليس من قبيل المعلق الذي يتخلف عن شرطه؛ للعلم بمخرجه في نفس " الصحيح" .
-
[تنبيهان:]
-
التنبيه الأول: اعلم أنه ليس في معلقات البخاري ما هو شديد الضعف، إلا نادراً ويبينه، إنما فيها: الصحيح، والحسن، والضعيف المحتمل، وأكثر ذلك آثار عن الصحابة والتابعين أو متابعات وزيادة طرق قد روى ما هو أحسن منها مسنداً.
-
ومثاله النادر الذي يلحق بمعلقاته ويبينه، قوله: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: " لا يتطوع الإمام في مكانه " ولم يصح (١) .
- (١)صحيح البخاري (١/ ٢٩٠) .......
- ج ١ ص ٨٥٣
التنبيه الثاني: قول البخاري: (قال فلان) ، وفلان هذا من شيوخه، هل يعد على شرط الصحيح أم لا؟ مسألة اختلف فيه العلماء على قولين:
أولهما: ليست على شرطه، وشأنها شأن سائر المعلقات التي تحتاج إلى النظر في وصلها في موضع آخر غير " الصحيح " ، وحجتهم: أن البخاري إذا روى حديثاً عن شيخ له سمعه منه وذلك الحديث على شرطه فإنه لا يقول فيه: (قال فلان) إنما يقول: (حدثنا) أو شبهها من الصيغ الصريحة في الاتصال، قالوا: ووجدنا البخاري روى لبعض شيوخه ما سمعه منهم بالواسطة.
-
وثانيهما: هو موصول على شرط " الصحيح " فإن البخاري لم يعرف بالتدليس، والراوي إذا قال في بعض حديثه عن شيخه: (قال فلان) أو (عن فلان) ولم يعرف بالتدليس؛ فذلك متصل، قالوا: ووجدنا البخاري في كتابه " التاريخ الكبير " روى عن شيوخه حديثاً كثيراً لا يذكر الصيغة بينه وبين شيخه إلا (قال) ، وهو جار عند أهل العلم على الاتصال.
-
وهذا القول الثاني أصح في الأصول.
-
ويذكر أهل العلم له شاهداً حديث المعازف المشهور، فهو مخرج في " الصحيح " ، قال البخاري: وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر _ أو أبو مالك _ الأشعري، والله ما كذبني، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم _ يعني الفقير _ لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة " (١) .
- (١)صحيح البخاري (رقم: ٥٢٦٨) .......
- ج ١ ص ٨٥٤
فهشام بن عمار من شيوخ البخاري، روى عنه البخاري بالسماع المباشر داخل " الصحيح " وخارجه أحاديث، ومنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كل راو قد صرح بسماعه ممن فوقه، فلا شبهة في الاتصال، والبخاري أورد الحديث المذكور تحت باب (ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه) وساق هذا الحديث ولم يذكر شيئاً غيره، فهو حجته للباب المذكور، فهذا مما يؤكد اتصاله.
-
لكن لماذا لم يقل: (حدثني هشام) ؟ جوابه: للشك في اسم صحابيه، وهو غير قادح عند جمهور أهل العلم؛ لأنه كان عن أبي عامر أو أبي مالك فكلاهما صحابي سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، وجهالة الصحابي لا تؤثر لعدالة جميعهم على ما شرحته في (القسم الأول) ، فكيف وقد سمي هنا وإنما وقع التردد في تعيينه (١) ؟
- (١)وانظر كتابي " الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام " .......
-
[تتمة في مسائل تتصل بالمعلقات]
-
١ _ اعتنى الحافظ ابن حجر بذكر وصل المعلقات التي في " صحيح البخاري " في " فتح الباري " ، وفي كتاب مفرد سماه: " تغليق التعليق " ، وهو نافع مبرر لصحة ما ذكرت آنفاً من قسمة المعلقات في " الصحيح" .
-
٢ _ ليس " صحيح مسلم " مظنة للحديث المعلق، وفيه شيء نادر.
-
ويوجد المعلق في بعض كتب السنن، كأبي داود والترمذي، كما يوجد في غيرها، وينعدم أو لا يكاد يوجد في كتب المسانيد أو المعاجم وشبهها.
-
والقاعدة فيما يوجد منه عند غير البخاري: أنه حديث ضعيف حتى يعلم وصله من وجه ثابت، وذلك للجهل بدرجة الساقط من الإسناد.
- ٣ _ بلاغات " الموطأ " :
-
ما يعرف بـ (البلاغات) في (الموطأ) للإمام مالك هي من قبيل المعلقات، فلا يُجزم بثبوتها، بل الأصل فيها الضعف لانقطاع الإسناد، حتى توصل بإسناد ثابت، وقد وجد في " بلاغات " مالك كثير من البلاغات موصولاً بإسناد ضعيف، أو ضعيف جداً، وإن كان كثير منها ثابتاً.
- ٤ _ كل خبر يذكر بغير إسناد، فهو:
-
[١] إما أن يعلم مخرجه، كأن يقال: (رواه البخاري، رواه أبو داود) مثلاً، وهو موجود في كتابيهما، فليس بمعلق إذا كان إسناده مذكوراً في كتابيهما.
-
[٢] وإما أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو قائله بغير إسناد، ولم يعلم وصله، فهو من قبيل الحديث الضعيف.