المبحث الأول الحديث المنقطع
٥٧ فقرة، ج ١ ص ٩٠٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٩٠٩
معناه اللغوي يستوعب ما ليس باتصال، في أي محل كان ذلك في الإسناد، لكنه كلقب خاص في هذا العلم، ينبغي حصره في صورتين:
الصورة الأولى: حديث الراوي عمن لم يسمع منه، في أي موضع في الإسناد دون الصحابي، ويقع في محل أو أكثر.
وقال الحاكم: " أن يكون في الإسناد رواية راو لم يسمع من الذي يروي عنه الحديث، قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإرسال " (١) .
قلت: ولو قال: (قبل الوصول إلى الصحابي) لكان أصح.
- (١)معرفة علوم الحديث (ص: ٢٨).
-
وتعريف الحاكم على أي حال أولى من التعريف الذي ذكره الخطيب فقال: " هذه العبارة تستعمل غالباً في رواية من دون التابعي عن الصحابة " (٢) .
قلت: وهذا صحيح، لكنه قاصر، فصورة الانقطاع فيما بين تبع أتباع التابعين والتابعين مثلاً لا تندرج في هذا، وكذلك الانقطاع في طبقة دونها.
- (٢)الكفاية (ص: ٥٨) .......
- ج ١ ص ٩١٠
فإن سقط راو فهو منقطع في موضع، وإن سقط أكثر من راو غير متواليين فهو منقطع في موضعين أو أكثر.
- مثال سقط راو واحد من الإسناد:
-
ما أخرجه الإمام أبو داود (١) ، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، قال: حدثني أبو مجلز، عن حذيفة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من جلس وسط الحلقة.
- (١)في " سننه " (رقم: ٤٨٢٦).
-
أبان هو ابن يزيد العطار، ولم ينفرد بهذا الحديث عن قتادة، بل تابعه شعبة بن الحجاج، عند الإمام أحمد (٢) وغيره.
- (٢)في " مسنده " (٥/ ٣٨٤، ٣٩٨، ٤٠١).
-
وليس في رجال هذا الإسناد أحد غير ثقة، بل كلهم ثقات، والاتصال صريح فيه إلى أبي مجلز، واسمه لاحق بن حميد، أما بينه وبين حذيفة وهو ابن اليمان فليس بمتصل، فإن شعبة قال بعد روايته: " لم يدرك أبو مجلز حذيفة " ، وحيث إن أبا مجلز هذا تابعي لقي بعض الصحابة، فإن أقصى ما يتصور من السقط بينه وبين حذيفة لا يعدو أن يكون رجلاً واحداً، هذا على اعتبار الأغلب.
-
هذه الصورة من الانقطاع كثيرة شائعة، خصوصاً فيما بين التابعين والصحابة الذين لم يسمعوا منهم.
- مثال الانقطاع في موضعين:
-
قال الإمام الترمذي (٣) : حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، قالت:
فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: " أكنت
ج ١ ص ٩١١تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ " قلت: يا رسول الله، إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: " إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب ".
قال الترمذي: " حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمداً _ يعني البخاري _ يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير ".
- (٣)في " جامعه " (رقم: ٧٣٩) .......
-
وهذا المثال وهو سقوط ما يزيد على راو سقطاً غير متوال قليل نادر الورود إذا قارنته بسقط واحد.
-
الصورة الثانية: أن يكون بدل السقط إبهام لراو، كأن يقال: (عن رجل) أو (عن شيخ) .
-
فهذا وإن ذكر كواسطة، إلا أنها لإبهامها أشبهت الانقطاع؛ للتساوي في جهالة الراوي عيناً وحالاً، وصح اندراجها تحت مسمى (المنقطع) في التحقيق (١) .
- (١)معرفة علوم الحديث (ص: ٢٧).
-
ويشبه هذه الصورة: الانقطاع في قول الراوي: (حدثت عن فلان) و (أخبرت عن فلان) وشبهه.
-
مثالها: قال أبو داود (٢) : حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن سهيل، عن رجل، عن أبي هريرة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع كلمة فأعجبته، فقال: " أخذنا فألك من فيك ".
قلت: هذا إسناد منقطع بين سهيل، وهو ابن أبي صالح، وأبي هريرة.
- (٢)في " سننه " (رقم " ٣٩١٧).
- تنبيه:
-
تيقظ إلى أنك ربما وجدت في عبارة متقدم إطلاق لقب (المنقطع) يعني به (المقطوع) الذي هو الخبر عن التابعي لا يجاوزه، فقد ذكر ذلك الخطيب عن بعض أهل الحديث (١) ، كما وجد في كلام بعضهم إطلاق (المقطوع) على (المنقطع) ، وتبينه بالقرينة.
- (١)الكفاية (ص: ٥٩).
-
[سبب إبهام الراوي]
-
وهذا المبهم وما في معناه ربما كان ثقة، وربما كان مجروحاً، لكن يقال: لو كان ثقة معلوم القدر والمنزلة مقبول الأمر عند من سمع بذكره لما أبهمه الراوي عنه، ففي تصرفه ما يشعر بكونه ليس بثقة.
قال الخطيب: " قل من يروي عن شيخ فلا يسميه، بل يكني عنه، إلا لضعفه وسوء حاله " (٢) .
وقال يحيى بن سعيد القطان: سمعت سفيان (يعني الثوري) يقول: حدثني من رأى إبراهيم يرفع يديه تحت الكساء في الصلاة. فجعلت أسأله عن اسم الرجل، فيمطلني به ثم قال لي يوماً حين أضجرته: حدثني أبو الصباح سليمان بن قسيم. قال يحيى: وأخطأ في اسمه، يريد سليمان بن يسير. قال يحيى: وإنما مطلني به؛ لأنه قد علم أني لا أرضاه (٣) .
قلت: وربما كان المبهم من المتروكين الهلكى.
- (٢)الكفاية (ص: ٥٣٢) .......
- (٣)أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل (النص: ٤٩٧٣) وإسناده صحيح إلى يحيى بن سعيد.
-
كما قال علي بن المديني: " كل ما في كتاب ابن جريج: أخبرت عن داود بن الحصين، وأخبرت عن صالح مولى التوأمة، فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى " (٤) .
ج ١ ص ٩١٣قلت: وإبراهيم هذا متروك ليس بثقة.
- (٤)أخرجه الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص: ١٠٧) وإسناده صحيح.
-
نعم، ربما أبهم الراوي شيخه لكونه حدث عنه في حياته، أو لكونه من أقرانه أو أصغر منه، كما في أسباب التدليس.
-
حدث أبو إسحاق الفزاري بحديث فقال فيه: عن رجل من أهل الشام، عن أبي عثمان، عن أبي خداش، فقال أبو حاتم الرازي: " هذا الرجل من أهل الشام هو عندي بقية، وأبو عثمان هو عندي حريز بن عثمان " ، وقال في سبب إبهام بقية: " وإنما لم يسمه أبو إسحاق؛ لأنه كان حيا في ذلك الوقت " (١) .
قلت: كانا قرينين، ومات أبو إسحاق قبل بقية.
- (١)نقله ابنه في " علل الحديث " (رقم: ٩٦٥).
-
[كيف يثبت الانقطاع؟]
-
الصورة الثانية من الانقطاع ظاهرة، فإبهام راو في الإسناد علامة صريحة فيه.
-
وإنما تحتاج الصورة الأولى إلى طريق تميز بها، وجملة الطرق التي يستعان بها لمعرفة ذلك خمسة:
الأول: التنصيص على عدم السماع.
- ويقع:
-
تارة من الراوي نفسه، وهو قليل، كقول عمرو بن مرة: قلت لأبي عبيدة (يعني ابن عبد الله بن مسعود) : تذكر من أبيك شيئاً؟ قال: " لا " (٢) .
- (٢)أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٤٥٦) وابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ٢٥٦) وإسناده صحيح.
- ج ١ ص ٩١٤
وتارة بتنصيص من روى عنه من الثقات، وهو قليل أيضاً، كقول عبد الملك بن ميسرة: " الضحاك لم يسمع من ابن عباس " (١) .
- (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ٩٥) وإسناده صحيح .......
-
ومثل ما وقع من سليمان التيمي حين حدث عن أبي مجلز، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابه أنه قد قرأ (تنزيل السجدة) ، قال سليمان: " ولم أسمعه من أبي مجلز " (٢) .
- (٢)أخرجه أحمد في " مسنده " (رقم: ٥٥٥٦).
-
وتارة بتنصيص الناقد العارف، بناء على الاستقراء والنظر، على عدم الإدراك، أو اللقاء، أو السماع، بقوله مثلاً: (فلان لم يدرك فلاناً، لم يلق فلاناً، لم يسمع فلاناً، عن فلان مرسل) .
-
كقول علي بن المديني: " لم يسمع أبو قلابة من هشام بن عامر، وروى عنه، ولم يسمع من سمرة بن جندب " (٣) .
- (٣)أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ١٠٩) وإسناده صحيح.
-
وهذا كثير، واعتنى به أئمة الجرح والتعديل، وفيه كتب مصنفة، من أنفعها: " المراسيل " لابن أبي حاتم الرازي، و " جامع التحصيل في أحكام المراسيل " للحافظ صلاح الدين العلائي، كما يوجد ذكر ذلك في كتب تراجم الرجال.
-
وقد يختلف فيه بين النقاد، فيحرر الراجح بأصوله.
-
والثانية: معرفة التاريخ.
-
والمقصود تمييز تاريخ وفاة الشيخ، ومولد التلميذ، فإن كان التلميذ لم يولد بعد يوم مات الشيخ، أو كان صغيراً في سن لا يحتمل السماع، فهو انقطاع.
-
وهذا طريق سلكه النقاد الكبار في معرفة الاتصال والانقطاع في الأسانيد، واستدلوا به كثيرا ً.
- ج ١ ص ٩١٥
والعلم بالتاريخ قد يكون صريحاً بتحديد السنين، وقد يكون بالقرائن المساعدة على ذلك.
-
فمثاله فيما هو صريح: عبد الرحمن بن أبي ليلى، من كبار التابعين، وقد روى عن أبي بكر الصديق، ومات أبو بكر سنة (١١٣) ، وقال ابن أبي ليلى: " ولدت لست بقين من خلافة عمر " (١) . فروايته عنه بهذا الاعتبار منقطعة جزماً.
- (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ١٢٦) وإسناده صحيح.
-
ومثل رواية محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، عن عمر بن الخطاب، فإن أبا حاتم الرازي قال: " ولد لثلاث بقين من خلافة عمر " (٢) ، فروايته عنه منقطعة؛ لصغره.
- (٢)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٦) .......
-
وقد يتحمل الصغير شيئاً عمن أدرك، كأن يذكر أنه رآه، ثم يروي عنه ما لم يكن يحتمله سنه من الحديث، فهذا منقطع فيما رواه عن ذلك الشيخ سوى ما جاء عنه من ذلك اليسير في رؤيته أو شبهه، وأدنى درجاته أنه قامت فيه شبهة الانقطاع.