المبحث الأول الحديث المنقطع
٥٧ فقرة، ج ١ ص ٩٠٩
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٩١٥
وذلك مثل رواية إبراهيم النخغي عن عائشة أم المؤمنين فإنه أدخل عليها وهو صبي صغير، كما قاله يحيى بن معين (٣) وأبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي (٤) وثبتت الرواية عنه بذلك (٥) .
- (٣)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٢٣٧٣).
- (٤)المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ٩، ١٠).
- (٥)فقد أخرج البخاري في " التاريخ " (١/ ١ / ٣٣٤) وابن حبان في " الثقات (٤/ ٩) من طريق أبي معشر، أن النخعي حدثهم، أنه دخل على عائشة، فرأى عليها ثوباً أحمر، فقال له أيوب: كيف دخل على عائشة؟ قال: كان يحج مع عمه وخاله وهو غلام، فدخل عليها. قلت: وأبو معشر اسمه زياد بن كليب ثقة، وأيوب المذكور هو السختياني.
- ج ١ ص ٩١٦
ومثاله فيما عرفنا فيه الانقطاع بعدم الإدراك بالقرينة، رواية عبدة بن أبي لبابة عن عمر بن الخطاب، فإن أكثر روايته عن التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود، كأبي وائل شقيق بن سلمة، وزر بن حبيش، ومن دونهم كمجاهد بن جبر، والقاسم بن مخيمرة، ورأى عبد الله بن عمر بالشام (١) ، وهل يصح سماعه منه؟ أثبته بعض الأئمة كالبخاري (٢) ، وظاهر عبارة أبي حاتم الرازي أنه لم يكن له نصيب من ابن عمر غير الرؤية، فإنه قال: " رأى ابن عمر رؤية " (٣) ، فإذا كان هذا شأنه، فأنى له أن يدرك عمر؟
- (١)نص على ذلك أحمد بن حنبل في رواية الميموني عنه، نقله ابن عساكر في " تاريخه " (٣٧/ ٣٨٤) والمزي في " التهذيب " (١٨/ ٥٤٣).
- (٢)التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ١١٤)، ويبدو أنُّ مستند إثبات السماع ما أخرجه الفاكهي في " أخبار مكة " (رقم: ٨٧٠) من طريق عثمان بن ساج. وأخرجه ابن عدي في " الكامل " (١/ ٣٧١) وابن الأعرابي في " معجمه " (رقم: ١٤٩٨) وابن عساكر في " تاريخه " (٧/ ٢٧٦ و (٣٧/ ٣٨١) من طريق سلمة بن عبد الملك العوصي. كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تابعوا بين الحج والعمرة، والذي نفسي بيده إنَّ متابعتهما لتنفي الفقر والذنوب عن العبد كما ينفي الكير خبث الحديد ". قلت: وإسناده ضعيف جداً، إبراهيم هو ابن يزيد الخوزي، واه متروك الحديث، وليس هو ابن يزيد النصري الشامي، خلافاً لما حسبه ابن عساكر من أجل رواية العوصي عنه وهو شامي، فإنه روى عن العراقيين، وحديث الخوزي أيضا وقع للعراقين، وأما النصري فلا يوجد فيما جاءنا من ترجمته ما يساعد على اعتباره المقصود هنا، بل هو لعدم شهرته كان يحتاج إلى تمييزه بالنسبة، فحيث أُهمل ولم تقو القرائن في ترجيحه فلم يصح أن يحمل الحديث على أنه له، بل قويت وترجحت القرائن في كون المقصود هو الخوزي، فابن ساج هو عثمان بن عمرو بن ساج جزري حديثه عن الحجازيين وأهل بلده، والخوزي مكي، وزاد تأكيداً أنّ للحديث أصلاً من حديث الخوزي، كما أخرجه من طريقه الفاكهي (رقم: ٨٦٩) وابن عدي، يرويه بإسنادٍ آخر عن ابن عمر. نعم، له أصل من رواية عبدة بن أبي لبابة، لكن من غير حديث ابن عمر، كما بين قصته الدارقطني في " العلل " (٢/ ١٣٠ ـ ١٣١).
- (٣)جامع التحصيل، للعلائي (ص: ٢٨٢)، والعبارة في " المراسيل " لابن أبي حاتم (ص: ١٣٦) لكن سقطت منها كلمة (ابن)، وهو خطأ جزماً.
- ج ١ ص ٩١٧
والثالثة: مجيء الرواية بصيغة تدل على وجود واسطة بين الراوي ومن فوقه.
-
كقول الراوي: (حدثت عن فلان) أو ما في معناها، وهذا بين في الانقطاع من أجل البناء للمجهول، وأمثلته واردة في الأسانيد بنسبة غير قليلة.
-
كقول يحيى بن أبي كثير: حدثت عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر عند أهل بيت قال: " أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار " (١) .
- (١)أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة " (٢٩٨) و " الكبرى " (رقم: ٦٩٠٢) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام الدستوائي، عن يحيى، به. وقد رواه بعض أصحاب هشام عنه عن يحيى عن أنس، فبينت هذه الرواية علته .......
-
والرابعة: أن يقوم دليل على أن رواية فلان عن فلان بواسطة بينهما، فإذا وجدت دون الواسطة فهي منقطعة، وهذه لها صورتان:
أولاهما: أن لا يأتي الإسناد بين الراويين دائماً إلا معنعناً، ويوقف على أن التلميذ ربما أدخل بينه وبين ذلك الشيخ واسطة.
-
مثل: رواية سالم بن أبي الجعد عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يذكر في شيء من روايته سماعاً من ثوبان، وغالب ما يرويه من حديث ثوبان يدخل بينه وبينه فيه معدان بن أبي طلحة.
-
ولذا قال أحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي: " لم يسمع من ثوبان، بينهما معدان بن أبي طلحة " (٢) .
- (٢)المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٨٠).
-
وثانيهما: أن يروى الحديث المعين مثلاً عن (زيد عن عمرو) ، ويوقف على روايته عن زيد بواسطة عن عمرو، ولا يدل دليل على أن
ج ١ ص ٩١٨الحديث وقع لزيد من الوجهين، فيكون ما بين زيد وعمرو منقطعاً في ذلك الحديث خاصة.
-
وقد نعت النقاد أحاديث بالانقطاع، لمثل هذه العلة.
-
مثاله في أسانيد الأحاديث المروية: ما أخرجه البخاري (١) ، قال: حدثنا قيس بن حفص، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الحسن بن عمرو، حدثنا مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً " .
- (١)في " صحيحه " (رقم: ٢٩٩٥، ٦٥١٦).
-
عبد الواحد هذا هو ابن زياد، ثقة.
-
وافقه على رواية الحديث مروان بن معاوية الفزاري، لكنه قال: حدثنا الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبد الله بن عمرو، بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (٢) .
- (٢)أخرجه النسائي (رقم: ٤٧٥٠).
-
فتلاحظ أن مروان حفظ واسطة بين مجاهد وعبد الله بن عمرو، ومروان ثقة حافظ، فنظر الحفاظ فوجدوا أن مجاهداً لم يقل: (سمعت عبد الله) وإنما قال: (عن) ، ورواية مروان ههنا دلت على الانقطاع بينه وبينه، عرف ذلك بالبحث في طرق الحديث.
-
وقد رجح الحافظ الدارقطني الانقطاع في رواية البخاري، وأن الصواب كما جاء في رواية النسائي (٣) .
- (٣)ذكر ذلك في كتاب " التتبع " (ص: ٢١٣) .......
-
نعم؛ مجاهد لم يعرف بالتدليس، وقد ثبت أنه سمع غير هذا الحديث
ج ١ ص ٩١٩من عبد الله بن عمرو، ولولا ما بدا من علة في إسناده الأول لكان إسناداً صحيحاً، وإن كانت هذه صورة مطابقة لمعنى (التدليس) كما سيأتي.
-
والخامسة: افتراق بلد الراوي وشيخه بما يكون قرينة على عدم التلاقي.
قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة: " كل ما ردت عليك قوسك " ، رواه ضمرة عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة؟ فقال: " ما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ " ، قلت له: أتخاف أن لا يكون له أصل؟ قال: " نعم " (١) .
قلت: يريد لا تعرف لابن المسيب رواية عن أبي ثعلبة، لا لعدم الإدراك؛ وإنما لافتراق البلد، سعيد مدني، وأبو ثعلبة شامي، وحديثه في الشام.
- (١)تاريخ أبي زرعة (١/ ٤٥٩). ومن طريق ضمرة وهو ابن ربيعة، أخرجه ابن ماجة (رقم: ٣٢١١). وذكره الدارقطني في " العلل " (٦/ ٣١٨ ـ ٣١٩) وقال: " يرويه الأوزاعي، واختلف عنه، فرواه ضمرة .. " فساق روايته، ثم قال: " وغيره يرويه عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن أبي ثعلبة مرسلاً والمرسل أصح ". قلت: وهذا في تضعيف هذا الطريق موافق لقول أحمد، وإنما نفيَ أحمد أن يكون له أصل من حديث سعيد عن أبي ثعلبة، لعدم اللقاء، فلا تعرف له عنه رواية، ولم يرد أن ينفي للحديث أصلاً عن أبي ثعلبة، فهو معروف للشاميين بأسانيدهم.