المبحث الرابع: مسائل في الانقطاع والإرسال

٩١ فقرة، ج ١ ص ٩٢٨

الصفحة ٢ من ٣

  1. ومما استدل به بعض أهل العلم لتقوية مراسيل إبراهيم عن ابن مسعود، ما صح عن الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: " إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو

    ج ١ ص ٩٣٨الذي سميت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله " (١) .

    قال ابن عبد البر: " في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل إبراهيم النخعي أقوى من مسانيده، وهو لعمري كذلك، إلا أن إبراهيم ليس بعيار على غيره " (٢) .

    قلت: كذا قال، وهذا عجيب أن تكون الرواية فيه عن مجهول من أصحاب عبد الله بن مسعود، ولو كان أكثر من واحد، أقوى من قول إبراهيم: (حدثني علقمة عن ابن مسعود) ‍‍‍‍‍!

    1. (١)أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (٦/ ٢٤٩) وابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣٧ _ ٣٨) وإسناده صحيح. وأخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (٢/ ٦٠٩) مختصراً.
    2. (٢)التمهيد (١/ ٣٨) .......
    ج ١ ص ٩٣٧
  2. كلا، فمعلوم أن في أصحاب عبد الله من كان مجهولاً لا يعرف، فكيف يجوز تنزيل المجهول منزلة المعروف، فضلاً عن تقديمه عليه؟

  3. والتحقيق الذي فصلت أسبابه في غير هذا الكتاب: أن ما أرسله إبراهيم عن ابن مسعود ضعيف لذاته من أجل الانقطاع، وهو قوي للاعتبار به (٣) .

    1. (٣)شرحت ذلك في كتابي " الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام ".
  4. وتكلم أئمة الحديث في مراسيل طائفة من التابعين ممن هم أعلى من إبراهيم في القدم، كالذي تقدم في مراسيل الحسن وعطاء.

    وقال يحيى بن سعيد القطان: " مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بن أبي رباح بكثير؛ كان عطاء يأخذ عن كل ضرب ".

    وقال يحيى القطان: " مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء ".

    ج ١ ص ٩٣٩قال علي بن المديني: قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات طاوس؟ قال: " ما أقربهما " (١) .

    قلت: وقولهم: (مراسيل فلان أحب من مراسيل فلان) ليس تصحيحاً لها، وإنما هو ترجيح في القوة مقارنة بينهما.

    وقال أبو عمرو بن العلاء: " كان قتادة لا يغث (٢) عليه شيء، يروي عن كل أحد" (٣) .

    1. (١)أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (٦/ ٢٤٧)، وابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٢٤٣، ٢٤٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٥٠) وإسناده صحيح.
    2. (٢)أي لا يرى شيئاً مما يَسمع غثاً لا يستحق أن يُروى، وإنما يروي كلَّ ما وقف عليه: الغث والسمين.
    3. (٣)أخرجه الرَّامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٤١٧) وإسناده صحيح.
  5. وقال أحمد بن سنان الواسطي " كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: " هو بمنزلة الريح ". ويقول: " هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوا " (٤) .

    وقال يحيى القطان: " مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يحسن _ أو يستجيز _ أن يسميه " (٥) .

    قلت: ووجدت أبا حاتم الرازي سأله ابنه عن حديث يروى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جابر، فحكم بخطأ الرواية، وقال " يروى عن الزهري عن من سمع جابراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يسمي أحداً، ولو كان سمع من سعيد لبادر إلى تسميته ولم يكن عنه " (٦) .

    قلت: وتلاحظ من هذا العلة التي لأجلها صار أئمة الحديث إلى رد المرسلات.

    ج ١ ص ٩٤٠وقال يحيى بن سعيد القطان: " مرسلات أبي إسحاق (١) عندي شبه لا شيء، والأعمش، والتيمي (٢) ، ويحيى بن أبي كثير، ومرسلات ابن عيينة شبه الريح " ، ثم قال: " إي والله، وسفيان بن سعيد " .

    قال ابن المديني: قلت ليحيى: فمرسلات مالك؟ قال: هي أحب إلي ".

    ثم قال يحيى: " ليس في القوم أحد أصح حديثاً من مالك " (٣) .

    وقال يحيى القطان كذلك: " مرسل مالك أحب إلي من مرسل سفيان " (٤) .

    1. (٤)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٤٦)، وإسناده صحيح.
    2. (٥)أخرجه ابن عساكر في " تاريخه " (٥٥/ ٣٦٨) وإسناده صحيح .......
    3. (٦)علل الحديث (رقم: ٥٧٣).
    4. (١)يعني السبيعي.
    5. (٢)يعني سليمان بن طرخان التيمي.
    6. (٣)أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (٦/ ٢٤٧) وابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٢٤٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٥٠) وإسناده صحيح.
    7. (٤)أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة " (١/ ٦٨٦) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٤٩) وإسناده صحيح.
  6. وسُئل أحمد بن حنبل عن مراسيل يحيى بن أبي كثير؟ قال: " لا تعجبني؛ لأنه روى عن رجال ضعاف صغار " (٥) .

    وقال يحيى بن سعيد القطان: " مرسلات ابن أبي خالد ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي " (٦) .

    وقال يحيى كذلك: " مرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم " (٧) .

    قلت: وهذه نصوص في مراسيل طائفة من رواة الحديث مختلفي

    ج ١ ص ٩٤١الطبقات، منهم من حديثه مرسل، ومنهم من حديثه معضل، كما يدخل فيما ذُكر ما يرويه أحدهم عن شيخ لم يسمع منه، وهو المنقطع، وفيه الإبانة أن (المرسل ضعيف) لذاته، إنما قوة بعضه من جهة تحري المرسل وتثبته، ووهاء بعضه من جهة التحديث عن الثقات وغيرهم.

    1. (٥)مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ٢٢٢).
    2. (٦)أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٢٤٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٥٠) بإسناد صحيح.
    3. (٧)أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٢٤٥) وإسناده صحيح .......
  7. والطريق إلى جواز الاعتبار بهذا المرسل أو ذاك، هو الاستقراء لطُرق وشواهد تلك الرواية.

  8. فمن قوى مراسيل مالك بن أنس، وهي معضلات إذا كانت مما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك من جهة أن التتبع دل على قوتها مع ما عرف عن مالك من التحري، كالشأن في بلاغاته في " الموطأ " ، على أنه مع ذلك وجد فيها ما لم يوقف له على أصل.

  9. وحاصل هذه المسألة:
  10. أن المرسل يتفاوت في قوته، والشواهد مع تحري المرسل معيار للترجيح بينها، وللاعتبار بما يعتبر به منها.

  11. [المسألة الثالثة: حكم الحديث المرسل:]

  12. بالنظر إلى الإسناد، فإن المرسل من جهة الصناعة الحديثية منقطع غير متصل.

  13. والمرسل بمعناه الشائع والمنقطع في المعنى الاصطلاحي والذي يسميه الكثيرون (مرسلاً) ، حكمهما فيما يأتي سواء.

  14. وللعلماء في الاحتجاج بذلك وعدمه مذاهب:
  15. المذهب الأول: صحة الاحتجاج به، بشرط أن يكون المرسل ثقة عدلاً، وهؤلاء يكون المرسل عندهم من جملة الحديث الصحيح.

  16. والقول به منقول عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سلمان، وأبي

    ج ١ ص ٩٤٢حنيفة وصاحبيه: أبي يوسف ومحمد (١) ، وكذلك هو قول مالك وأهل المدينة (٢) ، وذكر أصحاب أحمد أن الصحيح عنه الاحتجاج بالمرسل (٣) ، وأبو داود وغيره نقلوا عنه كقول الشافعي الآتي.

    قال أبو داود السجستاني: " أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها " (٤) .

    وقال أبو داود: " إذا لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة " (٥) .

    قال ابن عبد البر: " زعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين. كأنه يعني أن الشافعي أول من أبى من قبول المرسل " (٦) .

    1. (١)فتح الغفار، لابن نُجيم (٢/ ٩٦)، المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٣)، والتمهيد، لابن عبد البر، (١/ ٥)، والبرهان، لإمام الحرمين (١/ ٦٣٤).
    2. (٢)الكفاية، للخطيب (ص: ٥٤٧)، والتمهيد، لابن عبد البر (١/ ٢، ٣).
    3. (٣)شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٢٩٦)، وعدَّه العلائي إحدى الروايتين عنه (جامع التحصيل، ص: ٢٧)، واعلم أن عامة مطوَّلات كتب الأصول اعتنت بذكر مذاهب الفقهاء هذه، مما لم نرَ ضرورة للإطالة بالعزو إليه.
    4. (٤)رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: ٣٢).
    5. (٥)رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: ٣٣).
    6. (٦)التمهيد (١/ ٤)، والطبري هو أبو جعْفرٍ مُحمد بن جرير .......
  17. ورأي ابن عبد البر لخصه قوله: " كل من عرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك، لم يحتج بمرسله، تابعيا كان أو من دونه، وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول " (٧) . قال الحاكم: " منهم من قال: إنه أصح من المتصل المسند؛ فإن.

    1. (٧)التمهيد (١/ ٣٠).
  18. التابعي إذا روى الحديث عن الذي سمعه أحال الرواية عليه، وإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقوله إلا بعد اجتهاد في معرفة صحته " (١) .

    1. (١)المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٣)، وانظره عن الحنفية في " شرح المنار " لابن نجيم (٢/ ٩٥)، وحكى معنى ذلك ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣) عن بعض المالكية.
    ج ١ ص ٩٤٣
  19. المذهب الثاني: ليس بحجة، وهو من جملة الحديث الضعيف.

  20. وهو قول الأئمة: الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل (٢) ، وقول أكثر أهل الحديث (٣) .

    قال الشافعي: " الحديث المنقطع لا يكون حجة عندنا " (٤) ، وقال: " نحن لا نقبل الحديث المنقطع " (٥) ، وقال: " لا نثبت المنقطع على وجه الانفراد " (٦) .

    1. (٢)المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٣، ٤٥)، وكلام الشافعي في غير موضعٍ من كُتبه، انظر من ذلك: الأم (١٢/ ٣٦٨). وابن المبارك ربما قبلَ مرسل الثقة، كما نقل ذلك عنه أحمد بن حنبل، قال: حدثني الحسن بن عيسى، قال: حدثْتُ ابن المبارك بحديث أبي بكر بن عياش عن عاصم عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " حسنٌ "، فقلت: له _ يعني ابن المبارك _: إنه ليس فيه إسناد؟ فقال: " إن عاصماً يُحتمل له أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "، قال: فغدوْت إلى أبي بكر، فإذا ابن المبارك قد سبقني إليه، وهو إلى جنبه، فظننته سأله عن هذا الحديث. أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٤٨٧٤) وهو صحيح، الحسن هذا ثقة.
    2. (٣)الكفاية، للخطيب (ص: ٥٤٧)، والتمهيد، لابن عبد البر (١/ ٥).
    3. (٤)الأم (١٢/ ٤٨٢، و ١٥/ ٢٦٥).
    4. (٥)الأم (١٠/ ٤٦١).
    5. (٦)اختلاف الحديث (ص: ١٩١).
  21. وبعد أن ذكر أبو داود السجستاني أن الشافعي تكلم في المراسيل، قال: " وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره " (٧) .

    1. (٧)رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: ٣٢).
  22. وكان الإمام أحمد بن حنبل يقدم عليه الحديث الموقوف، فلو كان مما يحتج به عنده لم يقدم عليه قول الصحابي أو فعله.

    ج ١ ص ٩٤٤قال ابن هانئ: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد) : حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل برجال ثبت، أحب إليك، أو حديث عن الصحابة أو التابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد الله: " عن الصحابة أعجب إلي " (١) .

    وقال ابن رجب: " ظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجئ عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه خلافه " (٢) .

    وقال مسلم بن الحجاج: " والمرسلمن الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة " (٣) .

    وقال الترمذي: " والحديث إذا كان مرسلاً، فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث، قد ضعفه غير واحد منهم " (٤) .

    قال: " ومن ضعف المرسل فإنه ضعفه من قبل أن هؤلاء الأئمة (يعني أصحاب المراسيل) قد حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثاً وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة " (٥) .

    وقال أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي وابنه: " لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة " (٦) .

    وقال ابن حبان: " المرسل والمنقطع من الأخبار لا يقوم بها حجة؛ لأن الله جل وعلا لم يكلف عبده أخذ الدين عمن لا يعرف، والمرسل

    ج ١ ص ٩٤٥والمنقطع ليس يخلو ممن لا يعرف، وإنما يلزم العباد قبول الدين الذي هو من جنس الأخبار إذا كان من رواية العدول، حتى يرويه عدل عن عدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موصولاً " (١) .

    وقال الخطيب: " الذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه " (٢) .

    وقال ابن حزم: " هو غير مقبول، ولا تقوم به حجة؛ لأنه عن مجهول " (٣) .

    1. (١)مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ١٦٥) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٥٧).
    2. (٢)شرح العلل (١/ ٣١٣)، ونقل عن الأثرم عن أحمد ما يؤيد هذا.
    3. (٣)مقدمة صحيح مسلم (ص: ٣٠).
    4. (٤)العلل الصغير، في آخر " الجامع " (٦/ ٢٤٧) .......
    5. (٥)العلل الصغير، في آخر " الجامع " (٦/ ٢٤٨).
    6. (٦)المراسيل (ص: ٧).
    7. (١)المجروحين (٢/ ٧٢).
    8. (٢)الكفاية (ص: ٥٥٠ _ ٥٥١)، ومعناه أيضاً في: الفقيه والمتفقه (١/ ٢٩٢).
    9. (٣)الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٢) .......
  23. ورد الخطيب الاعتراض بكون إرسال الثقة تعديل منه لمن أرسل عنه، بسكوت الثقات عمن يروون عنه، وربما لم يكن ذلك الثقة عالماً أصلاً بحال من أسقطه.

    قلت: وهذا مصدق بالواقع العملي من حال المرسلين، فإن منهم من كان يروي عن كل أحد، كما تقدم بعض مثاله في المسألة السابقة.

  24. كذلك فليس كل ثقة له أهلية تمييز النقلة، كما بين هذا في محله، وإذا كانت رواية العدل في التحقيق عن مسمى لا تعد بمجردها تعديلاً له، فكيف بمن أسقط أصلاً بما حال دون العلم به؟ ثم لو سلمنا ثقة ذلك الذي أسقط عند من أرسل روايته، فإنه معلوم أن الراوي قد يكون مختلفاً فيه جرحاً وتعديلاً، والجرح فيه أرجح، فكيف السبيل إلى تحرير هذا في حق من لم يذكر في الإسناد أصلاً؟

  25. ثم إن اعتناء الثقات بالأسانيد وإقامتهم لها هو الأصل الذي به عرف

    ج ١ ص ٩٤٦ضبطهم وإتقانهم، والعذر لأحدهم أرجى في ذكر من حدثه بالخبر، فعدول أحدهم إلى الإرسال يورد مظنة القدح في ذلك الراوي الذي أسقط من الإسناد.

  26. والشأن أن الثقة المتقن العارف لا يقصر في ذكر من حدثه لو كان ثقة، كما قال يحيى بن سعيد القطان: " سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء؛ لأنه لو كان فيه إسناد صاح به " (١) .

    1. (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٤٤) و " المراسيل " (ص: ٥) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٥٠) وإسناده صحيح.
  27. وهذا قال بعض الأئمة معناه في غير واحد من أعيان الثقات يبهمون شيوخهم أو يسقطونهم، كالزهري كما تقدم عنه، ومن ذلك:

    روى زيد بن أسلم حديثاً اختلف عليه فيه: فرواه معمر بن راشد عنه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه سفيان الثوري عن زيد بن أسلم قال: حدثني الثبت قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو حاتم الرازي: " فإن قال قائل: الثبت من هو؟ أليس هو عطاء بن يسار؟ قيل له: لو كان عطاء بن يسار لم يكن عنه " ، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: أليس الثبت هو عطاء؟ قال: " لا، لو كان عطاء ما كان يكني عنه " (٢) .

    1. (٢)علل الحديث (رقم: ٦٤٢).
  28. وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث روي عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله عن يزيد بن الأصم عن ميمونة؟ فقال: " رواه بعض أصحاب الأوزاعي عن من سمع يزيد بن الأصم عن ميمونة " قال: " والذي يرويه الدمشقيون عن الأوزاعي عن من سمع يزيد بن الأصم أشبه؛ لأن الأوزاعي لو كان سمع من إسماعيل بن عبيد الله لم يكن عنه " (٣) .

    1. (٣)علل الحديث (رقم: ٢٤٥٠) .......
  29. المذهب الثالث: التفريق بين المراسيل، بحسب المرسل.

    ج ١ ص ٩٤٧
  30. وهذا عزي للشافعي أنه كان يقبل مراسيل كبار التابعين، كما تقدم بيانه في المسألة السابقة، وتبين أن الشافعي لا يرى قبول مرسل التابعي الكبير لذاته، إنما يقبله بقرائن تقويه.

  31. فهذا مذهب في التحقيق لم يقل به أحد، فعاد الخلاف إلى المذهبين الأولين.

  32. وظاهر ما تقدمت حكاية عن أهل العلم: الاختلاف بين الفقهاء وأهل الحديث في صحة المرسل.

  33. لكن التحقيق كما حررته عبارة الناقد ابن رجب، حيث قال: " اعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وأعلام الفقهاء في هذا الباب، فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلاً، وهو ليس بصحيح على طريقهم؛ لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا أعضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلاً قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاحتج به مع ما احتف به من القرائن، وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة " (١) .

    1. (١)شرح علل الترمذي (١/ ٢٩٧).
  34. يؤيد هذه الخلاصة المحققة قول أبي عمر بن عبد البر وهو يبين مذهب أصحابه المالكية ومن وافقهم في قولهم بقبول المرسل: " ثم إني تأملت كتب المناظرين والمختلفين من المتفقهين وأصحاب الأثر من أصحابنا وغيرهم، فلم أر أحداً منهم يقنع من خصمه إذا احتج عليه بمرسل، ولا يقبل منه في ذلك خبراً مقطوعاً (٢) ، وكلهم عند تحصيل المناظرة يطالب خصمه بالاتصال في الأخبار " (٣) .

    ج ١ ص ٩٤٨المسألة الرابعة: رواية الصحابي ما لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ... .

    1. (٢)أي: مُنقطعاً.
    2. (٣)التمهيد (١/ ٧).
  35. وهذا ما يصطلح عليه بـ (مراسيل الصحابة) .

  36. وقد وقع ذلك من كثير من الصحابة، وأكثره في صغارهم مثل: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك.

  37. فما حكم ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يذكرون فيه السماع؟.

  38. صورة هذه المسألة صورة التدليس، على ما سيأتي بيانه في تعريفه، وذلك أن الصحابي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، ويروي عنه بالواسطة، وتارة يسقطها، وإسقاط الواسطة بين الراوي وشيخه تدليس.

  39. لكن هل يجوز إطلاق مثل ذلك على ما وقع صنيع الصحابة؟

  40. حُكي عن شعبة بن الحجاج قال: " أبو هريرة كان يدلس " (١) .

    1. (١)أخرجه ابنُ عدي (١/ ١٥١) _ ومن طريقه: ابنُ عساكر (٦٧/ ٣٥٩) _ قال: أخبرنا الحسن بن عثمان التُّستري، أخبرنا سلمة بن شبيب، قال: سمعت [يزيد بن هارون، قال: سمعت] شعبة، به. سقط ما بين المعقوفين من مطبوعةِ ابن عدي ومن مخطوطة أحمد الثالث لكتاب " الكامل "، واستدركتها من ابن عساكر، وهذه الرواية ساقطةٌ بسقوط التستري هذا، فإنه متهم بالكذب. ووجدت الذهبي ذكر هذا النص في " سير أعلام النبلاء " (٢/ ٦٠٨) وقال بعده: " تدليس الصحابة كثير، ولا عيْب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدولٌ ". قلت: وليته بيَّن وهاء الرواية، ولم يعلق بمثل هذا، فزاد على تلك العبارة القبيحة المنسوبة إلى شُعبة أن عمم إطلاق التدليس على ما يقع من إرْسال سائر الصحابة، وهذا أقبح، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم .......