المبحث الرابع: مسائل في الانقطاع والإرسال

٩١ فقرة، ج ١ ص ٩٢٨

الصفحة ٣ من ٣

  1. وهذا خبر واهٍ من جهة الإسناد، والتحقيق: أنه قبيح من جهة اللفظ أن ينسب للصحابة تدليس، فلفظ التدليس وإن كان له معنى اصطلاحي يتناول ما نسميه بمراسيل الصحابة، إلا أن الاصطلاح منشأ من قبلنا، قصدنا به دفع ما وقع من الموصوفين بالتدليس من إسقاط الواسط المجروحة، مما يوهم سلامة الإسناد في الظاهر، وهو أمرٌ حادث بعد الصحابة.

    ج ١ ص ٩٤٨
  2. وقد صح عن البراء بن عازب، قال: " ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن حدثنا أصحابنا، وكانت تشغلنا رعْية الإبل " (١) .

    1. (١)أثرٌ صحيح. أخرجه أحمد في " المسند " (٣٠/ ٤٥٠، ٤٥٨ رقم: ١٨٤٩٣، ١٨٤٩٨) و " العلل " (النص: ٣٦٧٥، ٣٦٧٦) والحاكم في " المستدرك " (١/ ٩٥ رقم ٣٢٦) و " المعرفة " (ص: ١٤) وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (رقم: ١١٦٥) وابن حزم في " الإحكام " (٢/ ١٢) من طريقين عن سفيان الثوري، عن إسحاق، عن البراء، به. قال الحاكم: " هذا حديث له طرقٌ عن أبي إسحاق السبيعي، وهو صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه ".
    ج ١ ص ٩٤٩
  3. وفي رواية، عن البراء، قال: " ما كل ما نُحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه، ولكن سمعناه، وحدثنا أصحابنا، ولكنا لا نكذب (٢) .

    1. (٢)أثرٌ صحيح. أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٢٨٣٥) ويعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٦٣٤) من رواية وكيع، وجعفرٌ الفريابي في " فوائده " (ق: ٨٠ / ب ظاهرية) وابن عدي (١/ ٢٦١) من طريق عليِّ بن مسهر، وكذا ابن عَدي من طريق مالك بن سُعير وإسحاق بن الربيع، أربعتهم عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن البراء، به. وإسناده صحيح. وخرَّجته كذلك من طريق يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، وفيه سماع أبي إسحاق من البراء، وذلك فيما تقدم من هذا الكتاب في (عدالة الصحابة).
  4. وروى قتادة السدوسي عن أنس بن مالك قصة، فقال له رجل: سمعت هذا من أنس؟ قال: نعم، قال رجل لأنس: أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: " نعم، وحدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب " (٣) .

    قلت: فهذا يبطل وصف ما وقع من الصحابة من هذا القبيل بالتدليس.

    1. (٣)أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٦٣٣ _ ٦٣٤) وإسناده حسن.
  5. كذلك، فإن النظر في اتصال الإسناد لصحة الحديث إنما يجب أن

    ج ١ ص ٩٥٠يراعى فيما دون الصحابي، أما الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يخلو من أن يكون سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سمعه من صحابي آخر سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يروي الصحابي عن تابعي عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا في صور نادرة تستطرف، ولعلها لا يثبت منها كبير شيء، فحيث عادت (مراسيل الصحابة) إلى وسائط من الصحابة أنفسهم، وهم جميعاً عدول فليس لهذه الصورة إذاً تأثيرٌ في صحة الإسناد، وإن أطلق عليها لفظ (الإرسال) .

    قال الخطيب في كلامه عن (المرسل) : " إن كان من مراسيل الصحابة قبل ووجب العمل به؛ لأن الصحابة مقطوع بعدالتهم، فإرسال بعضهم عن بعض صحيح " (١) .

    1. (١)الفقيه والمتفقه (١/ ٢٩١) .......
  6. وصحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة في الواقع التطبيقي العملي، جرى عليه عامة أهل العلم، فلم يرد أحد حديثاً لابن عباس صح الإسناد به إليه، من أجل كونه كان كثير الإرسال عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لقلة ما سمع منه لصغر سنه يومئذ، فكان أكثر حديثه مما أخذه بالواسطة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يذكر تلك الوسائط في كثير مما حدث به.

  7. وهذا القول هو الذي رجحه الحافظ الخطيب (٢) ، وحكاه ابن رشيد عن جمهور أهل العلم (٣) .

    1. (٢)الكفاية (ص: ٥٤٨).
    2. (٣)السنن الأبين (ص: ١١٦).
  8. وذكر الخطيب أن فيمن رد المرسل من العلماء من رد مراسيل الصحابة، ولم يسم أحداً (٤) .

    1. (٤)الكفاية (ص: ٥٤٧).
  9. وذكره بعض من جاء من بعد عن بعض أهل الكلام (٥) .

    1. (٥)انظر: جامع التحصيل، للعلائي (ص: ٤٧).
  10. وأن من حجة صاحب هذا المذهب مظنة أن يكون ذلك الصحابي قد سمع ذلك الحديث من تابعي يحتاج أن يميز حاله في النقل، أو أعرابي مجهول.

    ج ١ ص ٩٥١
  11. وهذا القول في التحقيق مهجور لضعف حجته.