المبحث الخامس: الحديث المدلس
٢١٨ فقرة، ج ١ ص ٩٥٢
الصفحة ٤ من ٦
- ج ١ ص ٩٧٨
[الترجيح]
-
من خلال ما تقدم عرضه من مذاهب أهل العلم فإنه لا ينبغي العدول عن المذهب الثالث، الذي جرى عليه عمل الشيخين.
- ج ١ ص ٩٧٩
كذلك يستفاد من المذهب الرابع أيضاً قبول حديث من ذكر بالتدليس، غير أنه كان يدلس ثقة معروفاً.
-
والحديث إذا ثبت تدليس الراوي فيه فهو منقطع ضعيف.
-
وإن لم يثبت، ولكنه كان محتملاً، من أجل ما اشتهر به بالراوي وعرف عنه، وكان تدليسه عن غير الثقات، فهذا يحكم على ما عنعنه عن شيخه بالضعف؛ من أجل مظنة التدليس، ما لم ينف أثرها متابعة أو شاهد.
-
وإن كان ممن عرف بتدليس التسوية فإنه لا يقبل حديثه حتى يحفظ السماع فيمن فوقه إلى أن يبلغ الصحابي؛ لأن محذور تدليسه محتمل في أي موضع عنعنة.
-
لكن يستثنى من هذا الصورة الأخيرة أن يكون سائر الإسناد سلسلة معروفة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، فلو أن من يدلس التسوية روى عن مالك حديثاً فقال: (حدثنا) ، ثم ذكره بالعنعنة بين مالك ونافع، وبين نافع وابن عمر، لم يضره ذلك؛ لأنها سلسلة قد عرف اتصالها.
-
واعلم أن بعض العلماء التزموا مذهب الشافعي، وهو الذي جرى عليه عمل المنتسبين إلى هذا العلم من المتأخرين، خصوصاً من أهل زماننا، فلما وجدوا أحاديث لجماعة من الموصوفين بالتدليس مخرجة في " الصحيحين " بالعنعنة، لا يوقف في شيء من طرقها على ذكر السماع، تحيروا في الجواب، إذ مقتضى أصلهم رد مثل تلك الأحاديث.
قال ابن حجر: " في الصحيحين جملة كثيرة من أحاديث المدلسين بالعنعنة " (١) .
- (١)النكت على ابن الصلاح (٢/ ٦٣٥).
-
فأجابت طائفة بأجوبة ضعيفة عن ذلك تحسيناً للظن بالشيخين، وهذا مما لا يصلح في العلم.
- ج ١ ص ٩٨٠
ونقل ابن حجر عن الفقيه صدر الدين ابن المرحل قوله: " إن في النفس من هذا الاستثناء غصة؛ لأنها دعوى لا دليل عليها، ولا سيما أنا وجدنا كثيراً من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها " (١) .
قلت: وهذا كله إنما نتج من إجراء أحاديث الصحيحين على قول الشافعي، واعتبار ظاهر المصطلحات، وقد علمت أن منهج الشيخين وكبار أهل التحقيق قبلهما وبعيدهما قبول الحديث المعنعن لموصوف بالتدليس على معنى غير قادح، على ما تقدم بيانه.
- (١)النكت (٢/ ٦٣٥) .......
- تنبيه:
-
التهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم، فيعتبر لقبوله ما يعتبر لقبول الجرح.
-
تسليم وصف الراوي بالثقة موجب لقبول ما يخبر به، لا يستثنى من خبره إلا ما قام دليل على رده، ولا يقبل فيه الجرح إلا أن يكون مفسراً.
-
ومن هذا الجرح بوصف الراوي بالتدليس، فإن إثباته في حق راو معين يجب أن يكون ببرهان، فإذا وقع من إمام من أئمة الجرح والتعديل أن أطلق كون فلان مدلساً، فهذا لا عبرة به حتى يثبت أنه دلس، فإن ثبت في خبر معين رد ذلك بما تبين من تدليسه فيه إن كان دلسه من غير ثقة.
-
وإنما يستثنى منه من كان التدليس شعاراً له، حتى كثُر فأحدث الريبة في جميع ما يقول فيه (عن) ، فهذا يرد حديثه المعنعن من أجل الريبة الغالبة لا من أجل التدليس، فإن العنعنة بمجردها لا توجبه.
- ج ١ ص ٩٨١
والعلة في تنزيل مجرد الوصف بالتدليس منزلة الجرح المجمل تعود إلى أسباب، أظهرها:
أولاً: أننا وجدنا إطلاق اسم التدليس على صور ليست منه، فأطلق على الإرسال الظاهر، وعلى الإرسال الخفي، كما أطلق على أعيان، شهد بعض النقاد ببراءتهم منه.
-
ومما يبين ذلك _ مثلاً _ أن الحسن البصري أطلق عليه وصف التدليس، لكن الدليل عليه أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، أو سمع منهم شيئاً معيناً دون سائر ما يروي عنهم، وهذا لاحق بالإرسال أو الإرسال الخفي.
-
كذلك قال أبو حاتم الرازي في (أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي) : " لا يعرف له تدلس " (١) .
- (١)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٥٨).
-
بينما قال الذهبي: " يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس " (٢) .
قلت: فكانوا يطلقون على الإرسال اسم التدليس، وأبو قلابة لم يكن يدلس بمعنى التدليس الاصطلاحي، إنما كان يرسل، وذلك منصوص عليه في رواةٍ أدركهم ولم يسمع منهم.
- (٢)ميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٦).
-
وقول أبي حاتم أولى بالاعتبار والتقديم؛ لموافقته المعنى الاصطلاحي المتميز للتدليس.
-
قال ابن حجر بعد ذكر عبارة أبي حاتم في نفي تدليس أبي قلابة: " وهذا يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء في التدليس، لا الاكتفاء بالمعاصرة " (٣) .
- (٣)تهذيب التهذيب (٢/ ٣٤٠) .......
- ج ١ ص ٩٨٢
ثانياً: وجدنا من الرواة من يتنازع في إطلاق وصف التدليس عليه، بمنزلة اختلافهم في جرح الراوي وتعديله.
قال أبو داود السجستاني في (مغيرة بن مقسم الضبي) : " مغيرة لا يدلس، سمع مغيرة من إبراهيم مئة وثمانين حديثاً " (١) .
وقال العجلي: " كان (يعني مغيرة) يرسل الحديث عن إبراهيم، وإذا أوقف أخبرهم عمن سمعه " (٢) .
قلت: وهذا من قول العجلي يثبت تدليسه عن إبراهيم، فكأن أبا داود أراد غالب أمره.
- (١)سؤالات الآجري لأبي داود (النص: ١٦٦).
- (٢)ترتيب ثقات العجلي (النص: ١٧٧٧).
-
ثالثاً: وجدنا بعض من أطلق عليه وصف التدليس استفيد ذلك فيه من جهة وقوعه منه في روايته عن بعض شيوخه دون سائرهم، فإطلاق العبارة يوهم اندراج جميعهم.
-
وذلك مثل رواية أبي حرة واصل بن عبد الرحمن البصري عن الحسن البصري، فإنه كان يدلس عنه، وضُعف فيه من أجل أنه لم يسمع منه إلا شيئاً يسيراً، وكان يقول في سائر روايته عنه: (عن الحسن) ، فكلامهم فيه بالتدليس محصور في الحسن خاصة، لا في سائر شيوخه أو حديثه.
-
فهذه الأسباب موجبة لتمييز معنى لفظ التدليس وصحته ووجهه، فأما اللفظ المجمل فلا يصح اعتماده لرد الحديث المعنعن للراوي الثقة يرويه عن شيوخه.
-
[كيف يعرف التدليس؟]
-
يعرف التدليس في الراوية بطرق:
الأولى: تفقد السماع من فم الراوي نفسه.
- ج ١ ص ٩٨٣
وذلك كثير الأمثلة من صنيع الأئمة في توقيف الراوي على ما سمع وما لم يسمع، يستكشفون به وقوع التدليس أو عدم السماع.
-
كما كان يصنع شعبة بن الحجاج في حق من ذكر من شيوخه بالتدليس، كقتادة وأبي إسحاق السبيعي، وهو أبرز من شاع عنه ذلك من الأقدمين في تتبع السماع، والحكايات الصحيحة عنه في ذلك كثيرة جداً، وكان لا يدلس أبداً، وكان شديداً جداً في إنكار التدليس.
-
فكان يقول مثلاً: " كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت، أو: حدثنا، حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركته " (١) .
- (١)أخرجه عُثمان الدارمي في " تاريخه " (النص: ٧٠٣) وابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ١٦١، ١٦٩) والبغوي في " الجعديات " (رقم: ١٠٧٤) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٥٠٧٧) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥١٧) بإسناد صحيح. وروى ابنُ أبي حاتم كذلك في " التقدمة " (ص: ١٦٩ _ ١٧٠) و " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٤، و ٢/ ١ / ٣٧٠) والبغوي أيضاً (رقم: ١٠٧٣، ١٠٧٥) وعبد الله في " العلل " (النص: ٥٠٦٨) والرامهرمزي (ص: ٥٢٢) وابنُ عدي (١/ ١٥١) والحاكم في " المدخل إلى كتاب الإكليل " (ص: ٤٣) والخليلي في " الإرشاد " (٢/ ٤٨٧) والخطيب في " الكفاية " وابنُ عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣٥) معناه من غير وجه .......
-
وكذلك ربما فعل سفيان الثوري، وإن كان ربما وقع منه التدليس في الشيء النادر.
قال عبد الرحمن بن مهدي: " كنت مع سفيان عند عكرمة (يعني ابن عمار) ، فجعل يوقفه على كل حديث على السماع " (٢) .
- (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ٦٨) بإسناد صحيح.
-
وفي رواية، قال ابن مهدي: " قال لي سفيان الثوري بمنى: مر بنا إلى عكرمة بن عمار اليمامي، قال: فجعل يملي على سفيان، ويوقفه عند كل حديث: قل حدثني، سمعت " (٣) .
ج ١ ص ٩٨٤وقال يحيى القطان: " شهدت سفيان يقول لأبي الأشهب: قل سمعت، قل سمعت " (١) .
- (٣)أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح " (ص: ١١٧) وإسناده صحيح.
- (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح " (ص: ٨٢) وإسناده صحيح.
-
وقد جرى يحيى القطان على منهاج شيخه شعبة في التشديد في التدليس، والتنقيب والبحث عن السماع، حتى جاء عن أحمد بن حنبل: لم لا تقول ليحيى بن سعيد: قل حدثنا؟ فقال: " مثل يحيى يقال له: قل حدثنا؟! " (٢) .
قلت: يعني أن مثله لا يتفقد منه السماع؛ لأنه لا يروي إلا متصلاً.
- (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٣٣ _ ٢٣٤) وإسناده جيد.
-
وعن مالك بن أنس قال: " كنا نجلس إلى الزهري وإلى محمد بن المنكدر، فيقول الزهري: قال ابن عمر كذا كذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه، فقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به؟ قال: ابنه سالم " (٣) .
- (٣)أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٤٧٦) _ ومن طريقه: ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٣٧) _ وابن سعد في " الطبقات " (ص: ١٧٩ _ القسم المتمم) وإسناده صحيح .......
-
الثانية: مقارنة الأسانيد، فيكشف بذلك من أسقط في موضع العنعنة للشيخ المعين، مع إدراك ذلك الشيخ وسماعه في الأصل ممن عنعن عنه.
-
وذلك مثل: حديث رافع بن خديج، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر " .
-
هذا الحديث رواه سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبو خالد سليمان بن حيان الأحمر ويحيى بن سعيد القطان، وهؤلاء كلهم ثقات، عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع، به.
- ج ١ ص ٩٨٥
ورواه جماعة عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة، عن عاصم بن عمر، ولم يقل في شيء من الروايات: (حدثني عاصم) .
-
وهذه متابعة لابن عجلان، هكذا أوهم ابن إسحاق بتدليسه، وكشفت رواية أخرجها الإمام أحمد (١) عن حقيقة ذلك قال فيها: حدثنا يزيد (وهو ابن هارون) ، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: أنبأنا ابن عجلان، عن عاصم، بباقي الإسناد به.
- (١)في " مُسنده " (٣/ ٤٦٥).
-
فعاد الحديث لابن عجلان، فتأمل كيف أوهم التدليس طريقاً جديداً للحديث، ولو كان ابن عجلان ضعيفاً وأسقط، وبقي في السند الثقات لأوهم القبول، وقد عهد ابن إسحاق بكثرة التدليس، وهو يدلس عن مجروحين.