المبحث الخامس: الحديث المدلس
٢١٨ فقرة، ج ١ ص ٩٥٢
الصفحة ٥ من ٦
- ج ١ ص ٩٨٥
الثالثة: معرفة قدر ما روى الراوي عن شيخه متصلاً، فإذا روى عنه غير ذلك علمنا أنه إنما تلقاه عنه بواسطة، فأسقطها.
-
لكن هذا الطريق يوجب تحريا ًشديداً قبل الجزم به.
-
فلو اعتمدت مثلاً قول يحيى بن سعيد القطان: " كان ابن جريج لا يصحح أنه سمع من الزهري شيئاً " ، قال: " فجهدت به في حديث: إن ناساً من اليهود غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم. فلم يصحح أنه سمع من الزهري. ولم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حديثاً واحداً " (فطلقوهن في قبل عدتهن) . ولم يسمع ابن جريج من ابن طاوس إلا حديثاً في محرم أصاب ذرات، قال: فيها قبضات من طعام. ولم يسمع الحجاج بن أرطاة من الشعبي إلا حديثاً: لا تجوز صدقة حتى تقبض " (٢) .
- (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٤٥) بإسناد صحيح إلى يحيى.
-
فهذا لا يسلم على إطلاقه فيمن ذكر، ولا يصلح أن يبنى عليه بمجرده
ج ١ ص ٩٨٦مثلاً أن يكون جميع ما يرويه ابن جريج عن الزهري غير هذا الحديث مما لم يسمعه منه، فيحمل على أن ابن جريج دلس فيه؛ وذلك لأننا وجدنا في أحاديث كثيرة يقول فيها ابن جريج: (أخبرني الزهري) وغير ذلك من صيغ التحمل المباشر.
-
وقد قال سفيان بن عيينة: " ابن جريج جاء إلى الزهري بأحاديث، فقال: أريد أن أعرضها عليك، فقال: كيف أصنع بشغلي؟ قال: فأرويها عنك؟ قال: نعم " (١) .
وقال أحمد بن حنبل: " ابن جريج عرض، وهو يقول: سألت ابن شهاب " (٢) .
وقال علي بن المديني: " ابن جريج لم يسمع من ابن شهاب شيئاً، إنما عرض له عليه " ، قال: " وقال يحيى (يعني القطان) : قال لي سفيان بن حبيب: بلى قد سمع منه كذا كذا، قال: فأتيته، فسألته عنه؟ فقال: ما أدري، سمعته أو قرأته " (٣) .
قلت: عرض على الزهري، وطائفة من الأئمة منهم الزهري نفسه يرون العرض كالسماع.
- (١)أثر صحيح. أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٤٥٧) من طريق مُحمد بن عباد، عن سُفيان به، وإسناده جيد. ورَوى ابن عيينة عنه معنى ذلك كذلك في قصة ابن جريج من غير هذا الوجه، أخرجه الرامهرمزي (ص: ٤٣٦) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٤٥٧).
- (٢)أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: ٢٩٦٢) عن مُحمد بن علي الجوزجاني المعروف بحمدان الوراق عن أحمد، وإسناده صحيح، الجوزجاني من أصحاب أحمد بغدادي ثقة .......
- (٣)أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (٢/ ١٣٩) _ ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٣٨٨) بأوله _ وإسناده صحيح.
-
إذاً، فلا تحمل روايته عنه لغير الحديث المذكور لو ذكر السماع على
ج ١ ص ٩٨٧الخطأ، بل هي أخبار متصلة، إلا أن تكون معنعنة، فتحمل على مظنة التدليس.
-
وكذلك، ثبت سماع ابن جريج من عبد الله بن طاوس لغير الحديث المذكور (١) .
- (١)ووجدت النص عن يحيى القطان قد حدَّث به يحيى بن مَعين عنه في " تاريخه " (النص: ٥٤٣) وفيه: (طاوس) لا (ابن طاوس)، وكذلك في نسخه من " التقدمة " لابن أبي حاتم، كما في الهامش، فإن كان كذلك فإن ابن جريج روى عن طاوس شيئاً معنعناً.
-
وأما مجاهد، فقد روى ابن جريج عنه كثيراً في التفسير، لكنها مدلسة عن ثقة معروف، كما قال ابن حبان: " ما سمع التفسير عن مجاهد غير القاسم بن أبي بزة. نظر الحكم بن عتيبة وليث بن أبي سليم وابن أبي نجيح وابن جريج وابن عيينة في كتاب القاسم، ونسخوه، ثم دلسوه عن مجاهد " (٢) .
- (٢)مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٤٦)، ونحوه في " الثقات " (٧/ ٣٣١). وعدم سماع ابن جريج التفسير من مجاهد هو قول يحيى القطان، كما نقله عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٤٩٩) .......
-
[طبقات المدلسين]
-
وباعتبار ما تقدم بيانه وترجيحه من مذاهب أهل العلم في رواية من ذكر أو اشتهر بالتدليس، فإن مما يساعد لمعرفة المدلسين اعتبار تقسيمهم إلى طبقات، بحسب من يقدح وصفه به في رواياته ومن لا بقدح.
-
وقد ذهب جماعة من متأخرين الحفاظ إلى تقسيمهم إلى خمس طبقات:
الأولى: من لم يوصف به إلا نادراً، بحيث إنه لا ينبغي عده فيهم، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة.
- ج ١ ص ٩٨٨
والثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، واحتج به أصحاب الصحيح وإن لم يبين السماع، لإمامته، أو قلة تدليسه، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل: الزهري، والأعمش، وسفيان الثوري.
قلت: الإمامة ليست معياراً لقبول حديثه لو كان كثير التدليس، فابن جريج إمام، لكن لا تقبل عنعنته لكثرة تدليسه، سوى ما يرويه عن عطاء والتفسير عن مجاهد.
-
والثالثة: من توقف فيهم جماعة من العلماء، فلم يحتجوا إلا بما بينوا فيه السماع، مثل: أبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي.
-
والرابعة: من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم، إلا بما بينوا فيه السماع، لغلبة ذلك منهم، وكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجهولين، مثل: محمد بن إسحاق، وبقية بن الوليد.
-
والخامسة: من ضعفوا بأمر آخر مع جرحهم بالتدليس، مثل: أبي سعد البقال.
-
هذه القسمة والتمثيل للحفاظ العلائي بتصرف، وهي أدق وألصق بالمذاهب المنقولة عن السلف من قسمة من جاء بعده (١) .
- (١)جامع التحصيل (ص: ١٣٠ _ ١٣١).
-
لكن محاكمة من أطلقت فيه العبارة من أولئك الرواة يحتاج إلى تحرير في حق كل راو مذكور به على سبيل الاستقلال، بمنزلة تحرير ألفاظ الجرح والتعديل فيه، لما تقدم بيانه من كون إطلاق اسم التدليس على الراوي إنما هو من قبيل الجرح المجمل.
-
وكثير من المتأخرين من العلماء وطلبة هذا العلم صاروا إلى تقليد ابن حجر فيمن سماهم في " طبقات المدلسين " من تأليفه، وسلموا له بمجرد إيراده للراوي فيما اصطلحه (الطبقة الثالثة) وما بعدها لرد حديثه بمجرد
ج ١ ص ٩٨٩العنعنة، وفي ذلك قصور ظاهر، والتقليد في هذا لا يجوز، فهذا علم بناؤه على البحث والنظر، فلا يسوغ لمنتصب له أن يقلد فيه، فيصير إلى الطعن في الحديث الصحيح بمجرد كون ابن حجر أورد هذا الراوي أو ذاك في كتابه، علماً بأن ابن حجر أورد الأسماء في غاية من الاختصار، والمتتبع لكلامه نفسه في تقوية الأحاديث يجده لا يلتزم ما التزمه هؤلاء المقلدون.
-
[فائدة في الرواة الوارد عليهم مظنة التدليس]
قال الحاكم: " أهل الكوفة منهم من دلَّس، ومنهم من لم يدلس، وقد دلس أكثرهم، والمدلسون منهم: حماد بن أبي سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهما، فأما الطبقة الثانية، فمثل أبي أسامة حماد بن أسامة، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وغيرهما، فإن أكثرهم لم يدلسوا " (١) .
وقال: أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم، وكذلك أهل خرسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا يعلم أحد من أئمتهم دلس، وأكثر المحدثين تدليساً أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة " وذكر أهل بغداد، ونفى أن يكون التدليس فيهم موجداً إلى زمان أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، فهو الذي أظهر فيها التدليس (٢) .
- (١)المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٦) .......
- (٢)معرفة علوم الحديث (ص: ١١١، ١١٢).
-
وقد صح عن شعبة بن الحجاج قال: " ما رأيت أحداً من أصحاب الحديث إلا يدلس، إلا ابن عون وعمرو بن مرة " (٣) .
قلت: وهذا عام فيمن رآه شعبة من المعروفين بالاعتناء بالحديث، وحمله على العراقيين أهل بلده أظهر، من أجل قلة ذلك في غيرهم.
- (٣)أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: ٥٢) وإسناده جيد.
- ج ١ ص ٩٩٠
وأما ما رُوي عن يزيد بن هارون أنه قال: " قدمت الكوفة، فما رأيت بها أحداً لا يدلس، إلا ما خلا مسعراً وشريكاً " ، فهذا لا يثبت عنه (١) .
- (١)أخرجه أبو نُعيم في " الحلية " (٧/ ٢٥٠ رقم: ١٠٣٩٠) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥١٥) وإسناده واهٍ بمرة، فيه الحسن بن علي بن زكريا العدوي البصري كان معروفاً بوضْع الحديث .......
-
[الصيغة التي يندفع بها التدليس عن الموصوف به]
-
كل صيغة أداء صريحة في عدم احتمال الواسطة بين الراوي وشيخه فهي دافعة لمظنة التدليس ما دامت محفوظة عنه.
-
مثل: (سمعت) و (حدثني) و (حدثنا) و (أخبرني) و (أخبرني) و (أنبأني) و (أنبأنا) و (قال لي) و (قال لنا) و (ذكر لي) و (ذكر لنا) , وما في معنى ذلك.
-
ولا يقدح في هذا استعمال بعض الرواة صيغة (أخبرنا) مثلاً فيما تحملوه بالإجازة والمكاتبة والمناولة، فإن التحمل بتلك الطرق اتصال؛ لانعدام الواسطة، كما بينته في موضعه.
-
والمعتبر في التدليس إسقاط الواسطة بين الراوي وشيخه، فكل ما لم يكن للواسطة فيه وجود فلا يقحم في التدليس، وإن لم يكن تلقيه بطريق السماع.
-
ومن ذلك الراوي من كتاب الشيخ الصحيح النسبة إليه.
-
[تتمة في مسائل في التدليس]
-
المسألة الأولى: الراوي إذا لم يكن مدلساً وقال فيما يرويه عن شيوخه: (عن) فهو اتصال، ولا يطلب ذكر السماع إلا زيادة في التوثق، لا شرطاً في الاتصال.
-
وهذا الأصل تقدم شرحه في بيان ركن الاتصال في (القسم الأول) .
- ج ١ ص ٩٩١
قيل لسعيد بن سليمان الواسطي سعدويه: لم لا تقول: (حدثنا) ؟ فقال: " كل شيء حدثتكم به فقد سمعته، ما دلست حديثاً قط، ليتني أحدث بما قد سمعت " (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٩/ ٨٥ _ ٨٦) بإسناد صحيح.
-
فالثقات الذين لا يعرفون بالتدليس إذا حدثوا عن شيوخهم فقالوا فيما يروونه عنهم: (عن فلان) ، فالأصل أنه مسموع لهم من أولئك الشيوخ.
-
المسألة الثانية: تمييز من عرف بالتدليس، لكنه لا يدلس عن بعض الرواة خاصة.
-
وهذا مراد به الراوي يرد ما لم يبين في السماع من حديثه، حتى يوقف على ما يدفع مظنة تدليسه، لكنه استثني مما يدلس فيه روايته عن بعض شيوخه بالعنعنة.
-
منهم: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فهو مدلس مشهور بذلك يدلس عن المجروحين؛ لكنه لم يكن يدلس عن عطاء بن أبي رباح، وهو كثير الحديث عنه.
-
فقد صح عنه قال: " إذا قلت: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعت " (٢) .
- (٢)أخرجه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " (ص: ٣٥٦، ٣٦٩ _ أخبار المكيين) وإسناده صحيح. قلت: وهذا نصٌّ من ابن جريج عن نفسه، مُقدم على ماجاء عن أحمد بن حنبل قال: " كلُّ شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء " (شرح علل الترمذي ١/ ٣٧٦).
-
وكذلك فيما يرويه عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي ملكية، فقد قال عمرو بن علي الفلاس، سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: " أحاديث ابن جريج عن ابن أبي ملكية كلها صحاح " ، وجعل يحدثني بها، ويقول: "
- ج ١ ص ٩٩٢
حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي ملكية "، فقال في واحد منها: " عن ابن أبي مليكة "، فقلت: قل حدثي، قال: " كلها صحاح " (١) .
وقال أحمد بن حنبل: سألت يحيى بن سعيد، قلت: هذه الأحاديث كلها صحاح _ يعني أحاديث ابن أبي خالد عن عامر _ ما لم يقل فيها: حدثنا عامر؟ فكأنه قال: " نعم "، وقال يحيى: " إذا كان _ يريد أنه _ لم يسمع أخبرتك " (٢) .
- (١)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٢٤١) وإسناده صحيح.
- (٢)العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: ١٢١٨، ٣٥٦٧، ٤٣٢٠)، وابنُ أبي خالد هوَ إسماعيل، وعامرٌ هو الشعبي .......
-
ولك أن تعد من هذا قول الذهبي في (سليمان بن مهران الأعمش) : " يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال (حدثنا) فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال " (٣) .
قلت: أراد بهذا الصنف سوى من ذكر من شيوخ الأعمش الذين اعتنى بالرواية عنهم، والتحقيق: أن رواية الأعمش على القبول في الجملة، وما أورده الذهبي من احتمال التدليس نادر لا أثر له في كثرة حديث الأعمش، غير أن التحري لدفع العلة مطلوب لتحقيق صحة الحديث.
- (٣)ميزان الاعتدال (٢/ ٢٢٤) وإبراهيم هو ابنُ يزيد النخعي، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو صالح هو ذكوان.
-
المسألة الثالثة: من عرف بالتشديد في الأخذ عمن عرف بالتدليس، فكان يوقفهم على السماع، فهذا يقبل حديث هؤلاء المدلسين من روايته عنهم.