المبحث الخامس: الحديث المدلس

٢١٨ فقرة، ج ١ ص ٩٥٢

الصفحة ٦ من ٦

  1. ورأس من يذكر مثالاً لهؤلاء المشددين شعبة بن الحجاج، فجميع من يروي عنه من المدلسين فحديثهم عمن حدثوا عنه سماع.

    ج ١ ص ٩٩٣قال يحيى بن سعيد القطان: " كل ما حدث به شعبة عن رجل، فقد كفاك أمره، فلا تحتاج أن يقول لذلك الرجل: سمع ممن حدث عنه؟ " (١) .

    1. (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٥) وإسناده صحيح.
    ج ١ ص ٩٩٢
  2. وعرف هذا التحري عن يحيى بن سعيد القطان نفسه.

  3. المسألة الرابعة: الراوي المعروف بالثقة والإتقان، يوجد له الحديث أو الأحاديث المنكرة يأتي بها معنعنة، فوجهه أن يحمل منه ذلك على التدليس، وإن لم ينص على نعته بالتدليس أحد.

  4. مثل ما حكاه الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بـ (جزرة) قال: أنكروا على الخفاف (يعني عبد الوهاب) حديثاً رواه لثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديثا في فضل العباس، وما أنكروا عليه غيره، فكان يحيى بن معين يقول: " هذا موضوع وعبد الوهاب لم يقل فيه: حدثنا ثور، ولعله دلس فيه، وهو ثقة " (٢) .

    وقال البخاري: " يكتب حديثه " ، قيل له: يحتج به؟ قال: " أرجو، إلا أنه كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير " (٣) .

    1. (٢)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١١/ ٢٣ _ ٢٤) بإسناد صحيح إلى صالح .......
    2. (٣)تهذيب التهذيب، لابن حجر (٢/ ٦٤٠).
  5. المسألة الخامسة: الراوي يروي الحديث عن ثقة ومجروح أو مجهول، فيسقط غير الثقة، فهذا ليس من التدليس.

  6. كحديث يرويه الراوي عن الليث بن سعد وابن لهيعة عن شيخ لهما، فيسقط الراوي ذكر ابن لهيعة لما فيه من الجرح، ويقتصر على الليث لثقته.

  7. فهذه الصورة لأهل العلم بالحديث فيها قولان:

    أولهما: لا يحسن فعل ذلك، قال الخطيب: " خوفاً من أن يكون في

    ج ١ ص ٩٩٤حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر وحمله عليه " (١) .

    1. (١)الكفاية (ص: ٥٣٧).
  8. وهذا قول الإمام أحمد بن حنبل، فقد روى حرب بن إسماعيل، أن أبا عبد الله قيل له: فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتاً وأترك أباناً؟ قال: " لا، لعل في حديث أبان شيئاً ليس في حديث ثابت "، وقال: " إن كان هكذا فأحب أن يسميهما " (٢) .

    1. (٢)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٣٧) وإسناده صحيح.
  9. وثانيهما: جواز ذلك.

  10. وفعله البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".

  11. فمثاله عند البخاري، قوله: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس، أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (وذكر الحديث) (٣) .

    1. (٣)صحيح البخاري (رقم: ٤٣٢٠).
  12. ومثاله عند مسلم، قوله: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن الليث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يذر " (٤) .

    ج ١ ص ٩٩٥قلت: فهذا (الغير) في الموضعين هو عبد الله بن لهيعة، وليس على شرطهما، فكنيا عنه.

    1. (٤)صحيح مسلم (رقم: ١٤١٤) .......
  13. بين ذلك في حديث البخاري أن ابن أبي حاتم الرازي أخرجه في " تفسيره " (١) وغير من رواية ابن لهيعة.

    1. (١)تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٤٥).
  14. والحديث معروف من روايته ورواية حيوة بن شريح والليث بن سعد، فأما رواية حيوة فهي التي احتج بها البخاري، وأما رواية الليث فعلقها بعدها، فدل على أن ذلك (الغير) ليس سوى ابن لهيعة.

  15. وأما حديث مسلم، فإن أبا نعيم في " المستخرج " أخرجه من طريق الحسن بن سفيان، قال: حدثنا أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، عن الليث وابن لهيعة، عن يزيد، به (٢) .

    1. (٢)المستخرج على صحيح مسلم (رقم: ٣٢٩٥) .......
  16. فدل صنيع الشيخين أن الحديث إذا رواه الراوي عن رجلين عن شيخ لهما، فأسقط أحدهما لكونه مجروحاً، أو أبهمه، فلا أثر لذلك، بناء على اعتبار أصل ما تفيده المتابعة من الاتفاق في اللفظ، أو في المعنى، وكون من جمع بينهما من الثقات، فالأصل أنه يعلم اتفاقهما، ولو اختلفا لوجب عليه البيان.

  17. وكذلك فإنه لو سماهما جميعاً: الثقة والمجروح، فإن الحديث ثابت صحيح، اعتماداً على الثقة منهما، وأن رواية المجروح جاءت على وفاقه.

  18. وبهذا يتضح رجحان طريقة الشيخين، وضعف المظنة التي ذكرها الخطيب وسبقه إلى معناها الإمام أحمد بن حنبل، وأن الأمر على أي حال كان فليس هو من باب التدليس.