القسم الثاني: الاختلافات في المتن
٩٢ فقرة، ج ١ ص ٣٩١
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ٤١٦
وهكذا يقال في مثل أبي بكر بن أبي شيبة، ومسدد, ومحمد بن أبي عمر العدني وغيرهم، فإن لهم مؤلفات, والمؤلفون في السنة بعدهم يروون كثيرا من طريقهم، ونجد هذا جليا في المصادر النازلة، مثل «مستدرك الحاكم» و «سنن البيهقي» و «السنة» للبغوي، وغيرها، مع المصادر المتقدمة عليهم زمنا.
-
والذي ينبه له الباحث هنا أن رواية مصدر نازل من طريق صاحب مصدر عال لا يلزم أن يكون يرويه عنه من هذا المصدر بعينه، فإذا روى مسلم -مثلا- أو ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة حديثا، ثم وجدناه في «المصنف» لابن أبي شيبة، فلا يلزم من هذا أن مسلما يرويه من «المصنف» ، فقد يكون يرويه من «المسند» ، وهو كتاب آخر لابن أبي شيبة، وقد يكون يرويه من أصول ونسخ ابن أبي شيبة، قبل أن ينقلها إلى مؤلفاته، وقد يكون سمع منه من حفظه، فهما روايتان مختلفتان، لا يصح تصويب إحداهما بالأخرى.
-
وقد تقدم في «الجرح والتعديل» (١) أن كثيرا من الرواة لهم أصول بها سمعوا من شيوخهم، ولهم نسخ يحدثون بها نسخوها من تلك الأصول، ولهم أيضا مصنفات جمعوها من تلك النسخ، وتقدم هناك أنه قد يحصل خطأ من
ج ١ ص ٤١٧الراوي أثناء نقله من مرحلة إلى أخرى، وقد يتعمد هو التغيير، بأن يختصر الإسناد أو المتن، وقد يقطع المتن الواحد، وذلك لحاجته إلى الاختصار حين التصنيف، أو حين يكتب أطرافا يحدث بها، وقد قال الخلال في أبي بكر بن أبي شيبة في سياق كلامه على اختصار الحديث: «وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى» (١) .
- (١)«الجرح والتعديل» ص ٧٣ - ٧٧, وانظر أيضا ما تقدم هنا في المبحث الثاني من الفصل الرابع من الباب الأول.
- (١)«فتح الباري» لابن رجب ٢: ١٠٥.
-
والخلاصة -من كل ما تقدم- أن الباحث كما هو مطالب بأن لا يثقل نظره في الحديث باختلاف صوري، حقيقته من أخطاء النساخ والطابعين، هو مطالب أيضا بأن لا يغفل اختلافا، ويفرغ منه على أنه من أخطائهم، وليس هو كذلك.
-
وفيما أرى أن هذه القضية بحاجة إلى من يتصدى لها بخصوصها، فيوسعها بحثا، ويكثر من ضرب الأمثلة لها، ويحاول استنباط قواعد تعين الباحثين، فقد اكتفيت هنا بالإشارة إليها، لا يحتمل المقام أكثر من ذلك، وهي تتعلق بعملين جليلين بينهما صلة قوية، عمل الناظر في الأسانيد واختلافها، وعمل محقق لكتاب من كتب التراث، بل هي عند التدقيق يحتاجها كل باحث وإن لم يكن ينظر في الأسانيد، كما يحتاجها كل محقق لكتاب، وإن لم تكن فيه أسانيد.
-
الثالث: إذا بذل الباحث جهده في معالجة مخالفة في مصدر، ففي الغالب سيظهر له ترجيح في المسألة، فإما أن يعده خطأ في النسخة، ويعتمد ذلك، ولا يلحقه بالاختلاف بين الرواة، وإما أن يعده اختلافا من جهة الرواية، ويطبق
ج ١ ص ٤١٨عليه قواعد الاختلاف.
-
وفي بعض الحالات يواجه الباحث تكافؤا في الأدلة والقرائن، أو ما يقرب منه, فعليه حينئذ أن يشير إلى هذا، فيذكر احتمال وجود خطأ في النسخة، ويعالج ما وجد أيضا باحتمال أن يكون اختلافا من جهة الرواية.
-
ومن أمثلة ذلك حديث عائشة الماضي آنفا، في زيارته - صلى الله عليه وسلم - لأهل البقيع، فقد ذكر ابن معين أن عبدالرزاق صحف في شيء من متنه، فكان يروي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما لك يا عائشة، حشيا رابية؟ » (١) ، هكذا: «ما لك يا عائشة؟ -حسبني رأيته-» (٢) .
- (١)أي: مالك قد وقع عليك الحشا -وهو الربو-، وكانت عائشة مسرعة فعلى نَفَسُها، انظر: «غريب الحديث» لابن الجوزي ١: ٢١٧، و «شرح صحيح مسلم» للنووي ٧: ٤٣.
- (٢)«تقييد المهمل» ٣: ٨٣٢.
-
والموجود في «المصنف» المطبوع على الصواب، كما رواه بقية أصحاب ابن جريج، فيحتمل أن يكون عبدالرزاق نبه إلى الصواب، فرجع إليه في «المصنف» ، فرواية ابن معين عنه متقدمة، وكان يروي عنه من كتابه قبل النقل إلى «المصنف» (٣) .
- (٣)انظر ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ١٢٧.
-
ويحتمل أن يكون بعض النساخ أو المحقق عدله إلى الصواب، أو يكون المحقق قرأها بمساعدة ما في المصادر على الصواب دون أن يشعر.
-
ومن ذلك أن أحد الباحثين وهو يخرج حديث ابن عمر في (صلاة الضحى)
ج ١ ص ٤١٩قال: «وأخرجه أبو يعلى في «المسند» ، كما في «المطالب العالية» لابن حجر ٤/ ٥٧٣ (٦٥٤) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٦٩ (٤٩٠٦) ، من طريق أبي رافع إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن عبيدالله بن أبي المهاجر، عن عبدالله بن عمر به».
-
وعلق عليه الباحث بقوله: «سقط من إسناد أبي يعلى عند ابن حجر في «المطالب» إسماعيل بن عبيدالله، وفيه بدل عبدالله بن عمر: عبدالله بن عمرو بن العاص، فلا أدري إن كان هو من باب الاختلاف في الإسناد، أو السقط والتحريف» (١) .
- (١)«منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى» لعادل المطرفي حديث (٢٣).