القسم الثاني: الاختلافات في المتن

٩٢ فقرة، ج ١ ص ٣٩١

الصفحة ٢ من ٣

  1. وهذا الأمر له صلة قوية بتخريج الحديث وعزوه، فقد يكون مع الباحث لفظ، ثم يجد هذا اللفظ في حديث مطول، ويجد أيضا هذا الحديث المطول أو بعض أجزائه في مواضع أخرى دون اللفظ الذي يقوم بتخريجه، فهل يستوفي ذلك كله في التخريج؟ يكثر ورود هذا السؤال لدى الباحثين، وسأعرض له بشيء من التفصيل في بابه الخاص به وهو (عرض التخريج والدراسة) ، يسر الله تعالى الوصول إليه.

    ج ١ ص ٤٠٣
  2. هذه أبرز الاختلافات في متون الأحاديث، ولا بد من العودة إلى التأكيد على أنه لا يمكن حصرها وضبطها، فقد يقع تغيير في كلمة, أو تقديم جملة على أخرى, أو اختلاف في الأعداد والمقادير, ونحو ذلك, فتكثر أنواعه جدا، وكل باحث له غرض في متن الحديث الذي يقوم بتخريجه، سيتنبه لموضع الاختلاف فيه إن وجد، وقد لا يتنبه لغيره لكونه ليس من غرضه.

  3. ويشار هنا أيضا إلى أن الاختلاف في المتن قد يصاحبه اختلاف في الإسناد، كما تقدم آنفا في حديث أنس في (الخاتم) .

    ج ١ ص ٤٠٤
  4. ومن أمثلته أيضا ما رواه جماعة -منهم الثوري، وشعبة- عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه» (١) .

    1. (١)«صحيح البخاري» حديث (٣٥٤٩)، (٣٥٥١)، (٥٨٤٨)، (٥٠٩١)، و «صحيح مسلم» حديث (٢٣٣٧)، و «سنن أبي داود» حديث (٤٠٧٢)، (٤١٨٣)، (٤١٨٤)، و «سنن الترمذي» حديث (١٧٢٤)، (٢٨١١)، (٣٦٣٥) و «سنن النسائي» حديث (٥٠٧٥)، (٥٠٧٧)، (٥٢٤٧ - ٥٢٤٨)، (٥٣٢٩)، وسنن ابن ماجه» حديث (٣٥٩٩)، و «مسند أحمد» ٤: ٢٨١، ٢٩٠، مطولا ومختصرا.
  5. ورواه أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق, عن جابر بن سمرة قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فهو عندي أحسن من القمر» (٢) .

    1. (٢)«سنن الترمذي» حديث (٢٨١١)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٦٤٠).
  6. وروى سفيان الثوري، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، قال: «بعث علي وهو باليمن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذهيبة في تربتها، فقسمها بين زيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان، وبين الأقرع بن حابس الحنظلي ... » الحديث في قصة التأليف (٣) .

    1. (٣)«صحيح البخاري» حديث (٣٣٤٤)، (٤٦٦٧)، (٧٤٣٢)، و «سنن أبي داود» حديث (٤٧٣١)، و «سنن النسائي» حديث (٤١١٢)، و «مسند أحمد» ٣: ٦٨، ٧٢، ٧٣.
  7. ورواه عمر بن سعيد الثوري -أخو سفيان- عن أبيه، عن عباية بن رافع بن خديج، عن رافع بن خديج، قال: «أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مئة من الإبل ... » الحديث في قصة التأليف أيضا، وفيه أن ذلك في غزوة حنين (١) .

    1. (١)«صحيح مسلم» حديث (١٠٦٠)، و «مسند الحميدي» حديث (٤١٢).
    ج ١ ص ٤٠٥
  8. وتابع سفيان الثوري على روايته جماعة (٢) ، وكذا رواه عمارة بن القعقاع، عن عبدالرحمن بن أبي نعم (٣) .

    1. (٢)«صحيح مسلم» حديث (١٠٦٤)، و «سنن النسائي» حديث (٢٥٧٧)، و «مسند أحمد» ٣: ٣١، و «مسند الطيالسي» حديث (٢٣٤٨)، و «مستخرج أبي نعيم» حديث (١٣٧٣).
    2. (٣)«صحيح البخاري» حديث (٤٣٥١)، و «صحيح مسلم» حديث (١٠٦٤)، و «مسند أحمد» ٣: ٤.
  9. وقد تقدم في النوع الثالث من أنواع الاختلافات في المتن وهو الاختلاف في لفظ الحديث بما يتغير به معناه، أن هذه القضية من دقائق ما يمر بالباحث وهو ينظر في طرق الحديث وألفاظه، بغرض المقارنة بينها ودراستها، أو بغرض العزو المجرد، وينبه هنا إلى أن المقام يزداد غموضا إذا كان مع التغيير في المتن تغيير في الإسناد، بإبدال بعض رواته، ولهذا أكثرت آنفا من سوق الأمثلة له (٤) ، وهو أساسا يعتمد على الوقوف على كلام للنقاد حول الحديث، ويعتمد كذلك على حِسِّ الباحث ونباهته.

    1. (٤)وينظر أيضا من أمثلته: «مسائل أبي داود» (١٨٥٩) , و «علل ابن أبي حاتم» (٤٩١)، (٧٣٠) , (٢٨٣٢).
  10. وهذه المسألة بتفرعاتها بحاجة إلى من يتصدى لها، ويجمع أمثلتها، مما نص عليه النقاد، ومما يقاس عليه، والتأكيد على أنها أساسا جزء من (الاختلافات) بين الرواة، أو ما يعرف بـ (علم العلل) ، تطبق عليه قواعده الآتية في الفصول اللاحقة.

    ج ١ ص ٤٠٦
  11. وفي ختام هذا الفصل المتعلق بأنواع اختلاف الرواة أود أن أشير إلى أن الباحث وهو يدقق في أسانيد الحديث وألفاظه في مصادرها سيواجه اختلافات في الأسانيد والمتون، من تغيير في اسم راو، إلى إسقاطه تماما، إلى تغيير في لفظ الحديث، ونحو ذلك، وعند تدقيقه ينكشف له أن هذا الاختلاف سببه ما يقع في المخطوطات والمطبوعات من تحريف وسقط، فمثل هذا ينحيه الباحث عن أن يكون اختلافا بين الرواة، ثم الباحث بعد ذلك بحسب منهجه، فقد يكون من منهجه التنبيه على ذلك في كل ما يصادفه، وقد يكون من منهجه إغفال ذلك تماما، والاكتفاء بإثبات الصواب، خشية إثقال البحث وحواشيه بكثرة التنبيهات، وقد يكون من منهجه أن يفعل ذلك مع كتب هي مظنة الضبط والإتقان، ولكن يقع فيها على سبيل الندرة ما يحسن التنبيه عليه، ويغفل ما عدا ذلك.

  12. وقد تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول أمثلة للتحريف والسقط في المصادر، ونبهت هناك إلى أن قضية التحريف والسقط في المصادر قد ألقت بظلالها على بحوث السنة النبوية، فالجميع يدرك صعوبة قيام الباحث بتحقيق مخطوط لكتاب واحد، فكيف بالنظر في الصواب والخطأ في كل مصدر يخرج منه، مخطوطا كان أو مطبوعا، فالباحث مسؤول عما يثبته في بحثه من أسانيد

    ج ١ ص ٤٠٧ومتون, لا يجوز لأحد أن يعفيه من مسؤلية ذلك أبدا، ومن فعل هذا فأول من يجني عليه الباحث نفسه.

  13. ومن مارس جمع طرق الأحاديث وألفاظها والنظر فيها، والتزم ما ذكرته آنفا سيرى بوضوح ما يعانيه الباحث من مشقة تصويب الأخطاء، وإكمال السقط، بحيث يمكن القول إن ما يعادل خمس وقت الباحث يذهب بهذا الاتجاه، والذي أقوله الآن هو أن هذا الجهد محفوظ للباحث، بل سيجني ثمرته أضعافا مضاعفة، فهو أولا -وهذا سبب الحديث عن القضية هنا- سيختصر أوجه الاختلاف على المدار، إذ سيتبين أن بعضها ليس اختلافا عليه، وإنما هو سقط وتحريف في مصدر أو أكثر، بل ربما انتهى الاختلاف تماما، فهو معقود أصلا بسبب ما صورته اختلاف في مصدر، ثم تبين أنه تحريف وقع فيه.

  14. فإذا لم يبذل الباحث جهده في التحقق مما وقع في بعض المصادر طال عليه النظر في الاختلاف لاحقا، وفوق ذلك أنه سيضطر إلى عده اختلافا ينظر فيه، وربما أدى به إلى تخطئة بعض الرواة، مع براءتهم من الوقوع في الخطأ.

  15. والأمر الآخر أن الباحث وهو يعالج ما يقف عليه مما يشتبه فيه أن يكون خطأ في النسخة - يتدرب على مواجهة مشكلات البحث، وتقليب النظر فيها، والبحث عن الاحتمالات الممكنة، والخلوص برأي فيها.

  16. يضاف إلى هذا كله ما يكتسبه الباحث من خبرة في المصادر، وما هو منها محل الثقة من ناسخه، أو محققه، وما ليس كذلك، ويعرف أهمية الوقوف على

    ج ١ ص ٤٠٨نسخ متعددة للمصدر الواحد، مخطوطة أو مطبوعة, ويتدرب كذلك على تصويب الأخطاء بالاستعانة بالمصادر المنقول عنها، والمصادر الناقلة، ويعرف أهمية كتب الأطراف بالنسبة لمصادرها الأصلية.

  17. وفي هذه القضية أنبه على ثلاثة أمور:

    الأول: حين يقال بأن الأخطاء في النسخ المخطوطة لا يعدها الباحث اختلافا يقصد بذلك النسخ بعد عصر الرواية، أي نسخ الكتب المصنفة، مثل الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمصنفات، والمعاجم، والأجزاء، وغيرها، وهي التي كتبت بأيدي نساخ بعد عصر الرواية، وفي أزمان متأخرة، أما كتب الرواة أنفسهم، سواء كانت أصولا، أو فروعا، أو مصنفاتهم نفسها، إذا تحقق أن المصنف كتب النص هكذا، فهذه الأخطاء جزء من الاختلافات في الرواية، لا بد من معالجته وعده اختلافا، فكتب الرواة بأنواعها في عصر الرواية هي جزء من الرواية، فإنما هو الحفظ أو الكتاب، وقد يقع الاختلاف بين حفظ الراوي وكتابه، كما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول, ويأتي أيضا له أمثلة في الأبواب اللاحقة من هذا الباب فهو اختلاف إذن.

  18. فما يقع في «صحيح البخاري» -مثلا- من مخالفة لغيره من المصادر متى تحقق أن البخاري رواه هكذا فيعتمد كما رواه، وهذا وأمثاله هو الذي تعامل معه أئمة النقد في معالجتهم للاختلافات، وما يقع من ذلك في بعض النسخ والروايات لـ «الصحيح» بعد البخاري من أخطاء النساخ فهذا هو الذي لا يدخل

    ج ١ ص ٤٠٩في الاختلاف، وهكذا يقال في «صحيح مسلم» ، و «السنن الأربعة» ، و «مسند أحمد» ، و «مصنف عبدالرزاق» وغيرها من مصادر السنة، ويمكن الوقوف على أمثلة للنوعين في كتاب أبي علي الجياني «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو خاص بدراسة «الصحيحين» (١) .

    1. (١)ينظر ٢: ٥٦٥ وما بعدها، و ٣: ٧٦٣ وما بعدها.
  19. وسأضرب هنا بعض الأمثلة للنوعين، فأما الخطأ في عصر الرواية فمثاله ما أخرجه مسلم بن الحجاج في كتاب «التمييز» عن الحسن بن علي الحلوني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي، عن صالح بن كيسان, عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبدالرحمن بن المسيب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: «قم فأذِّن: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن» .

    ثم قال مسلم: «قال الحلواني: قلنا لأبي يوسف يعقوب: من عبدالرحمن بن المسيب؟ قال: كان لسعيد بن المسيب أخ يقال له: عبدالرحمن بن المسيب، وكان رجل من بني كنانة يقال له: عبدالرحمن بن المسيب، فأظن هذا هو الكناني» .

    قال مسلم: «وليس الذي قال يعقوب في هذا بشيء، وذلك أن هذا إسناد سقطت منه واو واحدة، ففحش خطؤه، وإنما قال الزهري: أخبرني عبدالرحمن، وابن المسيب، يريد سعيد بن المسيب، وعبدالرحمن بن عبدالله بن كعب ... ، كذلك يحدثه ابن أخي الزهري، وحدث به موسى بن عقبة، ويونس، عن الزهري كذلك، ولعل هذا ممن دون صالح» (٢) .

    1. (٢)«تقييد المهمل» ٢: ٦٨٧.
  20. فالخطأ في إسناد إبراهيم بن سعد هو خطأ في عصر الرواية، يدخل في الاختلاف على الزهري، وإن كان قد تبين وجه الخطأ في الإسناد، وهو سقوط الواو.

    ج ١ ص ٤١٠
  21. وروى ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبدالله بن كثير بن المطلب، عن محمد بن قيس، عن عائشة الحديث الطويل في زيارته - صلى الله عليه وسلم - لأهل البقيع (١) .

    1. (١)«صحيح مسلم» حديث (٩٧٤)، و «سنن النسائي» حديث (٣٩٧٣).
  22. وكذا رواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج، إلا أنه قال: أخبرني عبدالله

    -رجل من قريش-، ولم يسمه، هكذا رواه أحمد بن حنبل، عن حجاج (٢) ، ورواه يوسف بن سعيد، عن حجاج، عن ابن جريج: أخبرني عبدالله بن أبي مليكة (٣) ، وخطؤوا يوسف بن سعيد في ذلك (٤) .

    1. (٢)«مسند أحمد» ٦: ٢٢١، وانظر: «صحيح مسلم» حديث (٩٧٤).
    2. (٣)«سنن النسائي» حديث (٢٠٣٦)، و (٣٩٧٤).
    3. (٤)«تقييد المهمل» ٣: ٨٢٩.
  23. ورواه روح بن عبادة، عن ابن جريج، عمن سمع محمد بن قيس، عن محمد بن قيس (٥) .

    1. (٥)«تقييد المهمل» ٣: ٨٣١، و «تحفة الأشراف» ١٢: ٣٠٠.
  24. ورواه عبدالرزاق، عن ابن جريج، كرواية ابن وهب، سمى شيخ ابن جريج: عبدالله بن كثير، هكذا رواه عن عبدالرزاق محمد بن عبدالله العصار (٦) ، ويظهر

    ج ١ ص ٤١١أن ابن معين يرويه كذلك عن عبدالرزاق، وفيه الواسطة بين ابن جريج، ومحمد بن قيس بن مخرمة (١) .

    1. (٦)«صحيح ابن حبان» حديث (٧١١٠)، لكن جاء إسناد ابن حبان هذا في «إتحاف المهرة» ١٧: ٥٢٨ هكذا: عبدالله رجل من قريش.
    2. (١)«تقييد المهمل» ٣: ٨٣٢.
  25. ورواه عبدالرزاق في «المصنف» عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة (٢) ، هكذا بلا واسطة بين ابن جريج، ومحمد بن قيس.

    1. (٢)«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٧١٢).
  26. ورواية عبدالرزاق التي في «المصنف» ليست خطأ من النساخ، بل هي رواية مستقلة، أخطأ فيها عبدالرزاق حين أثبته في «المصنف» ، أو أخطأ عليه راوي «المصنف» إسحاق الدبري، وقد أخرجه الطبراني من طريق الدبري كما هو في «المصنف» (٣) ، وقال أبو علي الجياني: «هكذا روي لنا هذا الإسناد من طريق الدبري مقطوعا، لم يذكر فيه عبدالله بن كثير» (٤) .

    1. (٣)«الدعاء» حديث (١٢٤٦).
    2. (٤)«تقييد المهمل» ٣: ٨٣١.
  27. ومحمد بن عبدالله العصار الذي رواه عن عبدالرزاق على الصواب متقدم السماع من عبدالرزاق، وكان مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في الرحلة إلى عبدالرزاق (٥) .

    1. (٥)«تاريخ جرجان» ص ٤٢٤.
  28. وبناء على ما تقدم فقول بعض المشايخ عن رواية عبدالرزاق في «المصنف» : «وقد سقط من سنده (يعني المصنف) عبدالله بن كثير، فيستدرك من رواية

    ج ١ ص ٤١٢محمد بن عبدالله العصار»، هذا القول فيه قصور، ولا ينبغي أن يستدرك، فهذه رواية، وهذه رواية.

  29. وأما الخطأ بعد عصر الرواية فمثاله ما رواه مسلم أيضا في مقدمة «صحيحه» عن عبدالله بن معاذ العنبري، عن أبيه، وعن محمد بن المثنى، عن عبدالرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (١) .

    1. (١)«صحيح مسلم» ١: ١٠.
  30. هكذا جاء الإسناد في معظم النسخ والروايات لـ «صحيح مسلم» ، قال الجياني: «وفي نسخة أبي العباس الرازي وحده في هذا الإسناد: عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة، مسندا، ولا يثبت هذا، وقد أسنده مسلم بعد ذلك من طريق علي بن حفص المدائني، عن شعبة» (٢) .

    1. (٢)«تقييد المهمل» ٣: ٧٦٥.
  31. وما وقع في نسخة أبي العباس الرازي هو الموجود في طبعات «صحيح مسلم» ، وهو خطأ ممن بعد مسلم، فرواية معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، بالإرسال، ليس فيها أبو هريرة، وكذا رواه حفص بن عمر، وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حرب، ومحمد بن جعفر غندر، عن شعبة، وما وقع من زيادة (أبي هريرة) في رواية معاذ بن معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، لا يصح أن يدرج على أنه اختلاف عليهما, فقد تبين أن الخطأ ممن بعد مسلم، وهو خطأ في إحدى النسخ.

    ج ١ ص ٤١٣وأخرج أبو عوانة من طريق وهب بن جرير, عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق رأسه بمنى قال هكذا بشقه الأيمن ... » الحديث (١) .

    1. (١)«مستخرج أبي عوانة» حديث (٣٢٢٩).
  32. هكذا هو في النسخة, وقد ذكره ابن حجر عن «مستخرج أبي عوانة» بذكر أنس فيه, فهو موصول (٢) ، وهكذا جاء من طرق عن وهب بن جرير (٣) , فالظاهر أن ما وقع في «مستخرج أبي عوانة» خطأ في النسخة, وليس رواية.

    1. (٢)«إتحاف المهرة» ٢: ٢٨٠.
    2. (٣)«مسند أحمد» ٣: ٢١٤, و «مسند عبد بن حميد» حديث (١٢١٩) , و «المنتقى» حديث (٤٨٤).
  33. الثاني: تنبيه الباحث إلى أن بعض ما يواجهه مما صورته اختلاف، وحقيقته ليست كذلك، إذ هو تحريف أو سقط في النسخ المخطوطة أو المطبوعة، لا ينبغي أن يتخذه الباحث ملاذا يتهرب به من معالجة الاختلافات الحقيقية، وعلى الباحث أن يبذل ما في وسعه للوصول إلى رأي راجح، ذلك أن بعض الباحثين يكثر أثناء التخريج من قوله -مثلا- وقد سقط من المصدر الفلاني اسم فلان، أو وقع في المصدر الفلاني اسم فلان كذا، وهو تحريف، أو أبدل اسم فلان في المصدر الفلاني باسم فلان، وهو خطأ من النساخ، أو خطأ مطبعي، وهكذا، وحقيقة الأمر أنه ليس كذلك، فهذه هي رواية هذا المصدر، فهو اختلاف في الرواية، وليس خطأ من النساخ، ويلزم على ذلك عده اختلافا، وتطبيق قواعد الاختلاف عليه.

  34. وقد نبهت فيما مضى في الفصل الثالث من الباب الأول إلى ضرورة انتباه الباحث لتصرفات المحققين للكتب، والناشرين لها، فإن كثيرا منهم لا يبالي بتغيير ما يجده في الكتاب الذي يحققه إذا كان ما فيه يخالف ما في مصادر أخرى، فيزيد وينقص، ويعدل، ظنا منه أن ما وقع عنده من خطأ النساخ، وليس هو كذلك، إنما هو اختلاف رواية، وهنا ينبه الباحث أن لا يقع فيما يقع فيه هؤلاء، فيتخلص من بعض الاختلافات على أنها أخطاء نساخ.

    ج ١ ص ٤١٤
  35. تعرض أحد الباحثين للنظر في الاختلاف الواقع على قتادة، في الحديث الذي يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي مرفوعا: «يغسل من بول الجارية، ويصب على بول الغلام» ، وقد اختلف فيه على قتادة كثيرا, ومما ذكره الباحث رواية سعيد بن أبي عروبة، وهو يرويه عند الباحث عن قتادة موقوفا على علي، قال الباحث في تخريجها: «ورواية سعيد أخرجها عبدالرزاق كتاب الصلاة / باب بول الصبي (١/ ٣٨١) ومسدد في المسند كما في الإتحاف (٧٢٠ - المسندة) وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الطهارات / باب في بول الصبي ... (١/ ١١٤) وأبو داود (٣٧٧) والبيهقي (٢/ ٥٨٢) ، وسقط من سند عبدالرزاق وابن أبي شيبة (أبو الأسود) .».

  36. كذا صنع الباحث، ذكر أن عدم ذكر أبي الأسود سقط في سند عبدالرزاق، وابن أبي شيبة, وفرغ منه هكذا، وعبدالرزاق، وابن أبي شيبة، يرويانه من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، وهذان الطريقان غير الطريق الذي جاء فيه ذكر أبي الأسود، فهو إذن اختلاف على سعيد بن أبي عروبة، أغفله الباحث، وعده

    ج ١ ص ٤١٥سقطا في «المصنفين» .

    وتعرض باحث آخر لتخريج ودراسة ما رواه جماعة عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر مرفوعا: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ... » الحديث، وقد قيل عن ثوير بالوقف على ابن عمر.

  37. وممن يرويه عن ثوير بالوقف: سفيان الثوري، لكنه يذكر فيه مجاهدا بعد ثوير، وربما لم يسم ثويرا، فخرج الباحث في الوجه الموقوف رواية سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد، عن ابن عمر، وقال في تخريجها: «وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٧ ح ٤٢١) ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٥/ ٢٣٣ ح ٤٣٩٧) ، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد به (يعني عن ابن عمر) بنحوه».

  38. وعلق الباحث في حاشية بحثه على تخريجه من «الزهد» لابن المبارك بقوله: «في الزهد موقوف على مجاهد، وهو خطأ، والتصحيح من السنة للبغوي، فقد روى من طريقه» .

  39. كذا قال الباحث، وهو يريد أنه خطأ في النسخة، وما قاله فغير لازم، فإن ما في «الزهد» رواية نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، وما في «السنة» للبغوي رواية إبراهيم بن عبدالله الخلاف، عن ابن المبارك، فهي رواية أخرى إذن.

  40. والسبب الرئيس لوقوع الباحثين والمحققين في مثل هذا هو مرور مصدر نازل على صاحب مصدر عال، فـ «الصحيحان» ، و «السنن الأربع» ، و «مسند أحمد» وغيرها، يروي مؤلفوها كثيرا من طريق عبدالرزاق، وعبدالرزاق له كتابه

    ج ١ ص ٤١٦«المصنف» ، فيقوم الباحث أو المحقق بالاستعانة بالمصدر الأصل للنظر فيما جاء عن مصنفه في المصادر اللاحقة، أو العكس.