منهج الفقهاء والأصوليين
١٣ فقرة، ج ١ ص ٤٢٨
- ج ١ ص ٤٢٨
ومن ذلك قول النووي: «زيادات الثقة مقبولة مطلقا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول ... » (١) .
- (١)«شرح صحيح مسلم» ١: ٣٢.
-
وقال أيضا لما ذكر تعارض الوصل والإرسال وتعارض الرفع والوقف: «فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين، وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وصححه الخطيب البغدادي: أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ، لأنه زيادة ثقة وهي مقبولة ... » (٢) .
- (٢)«شرح صحيح مسلم» ١: ٢٣.
-
وقال النووي أيضا في كلامه على انتقاد الدارقطني لـ «الصحيحين» : «ذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدا، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، ولقواعد الأدلة، فلا تغتر بذلك» (٣) .
- (٣)«ما تمس إليه حاجة القاري لصحيح البخاري» ص ٦٧.
-
كذا قال النووي، نسب القواعد التي مشى عليها الدارقطني في انتقاده إلى بعض المحدثين، ثم ضعفها جدا، وليست المناقشة في الأمر الثاني، فهذا اختياره، وإنما في الأمر الأول، إذ تلك القواعد متفق عليها بين أئمة أهل الحديث، وقد يقع بينهم اختلاف في تطبيقها بحسب اجتهاد الواحد منهم، لا سيما عند تعارضها، ولا إشكال في ذلك كما سيأتي التنبيه عليه، ولذا فقد نقد ابن حجر كلمة النووي هذه، لكنه أجمل ذلك (٤) .
- (٤)«هدي الساري» ص ٣٤٦.
- ج ١ ص ٤٢٩
الثاني: وجود مناهج مختلفة تناولت نقد مرويات السنة النبوية، فيها مخالفة من بعيد أو قريب لمنهج أئمة النقد، وهذه المناهج يجمعها شيء واحد هو المحك في هذا الموضوع، وهو النظر إلى الأسانيد مفردة، وعدم الالتفات إلى تأثير بعض الأسانيد على بعضها الآخر، لا سيما حين يقع اختلاف.
-
ولا شك أنه من العسير جدا في هذه الدراسة المختصرة الإلمام بهذه المناهج، ودراسة جذورها، وبيان أثرها على الدراسات الحديثية، ونقد المرويات بصفة عامة, وأهم من ذلك أثرها في الغرض المهم من نقد المرويات، وهو التطبيق العملي، إذ لها أثر خطير جدا في الدراسات الفقهية، والعقدية، والنحوية، وغيرها، ففي النحو مثلا ذهب جماعة من النحويين ومنهم ابن مالك يستشهدون لقواعد نحوية -وقد تكون موضع اختلاف بين النحاة- بروايات مجردة في «صحيح البخاري» (١) ، وقد اعترض عليهم في بعضها الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ، مستخدما منهج أئمة النقد في مقارنة الروايات (٢) ، فهذا في النحو فما الظن بأثر ذلك في العلوم الشرعية؟ ، ولذا سأكتفي هنا بذكر ما يفي بالغرض دون إطالة.
- (١)انظر: «شرح التسهيل» لابن مالك ١: ٣٩١، ٢: ١١٦، ٣: ٥٢، ١٠١، ٣٣٤، ٣٤١، ٣٧٤، و «شرح الكافية» لابن مالك ٣: ١٥٨٦، و «تكملة شرح التسهيل» لابنه ٤: ٩١.
- (٢)انظر: «فتح الباري» شرح الأحاديث (٣٥)، (٥٥٥)، (٤١١٢)، (٣٦٧٧)، (٥٧٤٦)، (٦٥٧٩)، (٦٧٢١).
-
ومن أهم ما يذكر هنا ما يعرف بمنهج (الفقهاء والأصوليين) ، فهو مشهور
ج ١ ص ٤٣٠عن جمهورهم، وذلك في مسائل مهمة متفرعة عما نحن فيه، مثل (تعارض الوصل والإرسال) ، و (تعارض الرفع والوقف) ، و (زيادات الثقات) ، و (اشتراط انتفاء العلة في تصحيح الحديث) ، ونحو ذلك، فإن للفقهاء والأصوليين منهجا معروفا في هذا، وهو أن الإسناد إذا اجتمعت فيه شروط الصحة الظاهرة وهي: عدالة الرواة، وضبطهم، واتصال الإسناد، فهو إسناد صحيح، وإن خولف بعض رواته، بأن رواه غيره من الثقات مرسلا مثلا، أو موقوفا، أو بحذف راو من الإسناد، أو بدون الزيادة.
-
وقد تقدم آنفا نسبة هذا إليهم عن الخطيب البغدادي، والنووي.
-
وممن نسبه إليهم أيضا: الحاكم أبو عبدالله، فقد قال في معرض حديثه عن أقسام الصحيح المختلف فيه: «القسم الثالث: خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه جماعة من الثقات فيرسلونه» ، وذكر مثالا له ثم قال: «وهذا قسم مما يكثر، ويستدل بهذا المثال على جملة من الأخبار المروية هكذا، هذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم قول من زاد في متن الإسناد إذا كان ثقة، فأما أئمة الحديث، فإن القول فيها عندهم قول الجمهور الذين أرسلوه، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد ... » (١) .
- (١)«المدخل في أصول الحديث» ص ٦٥.
-
وابن الصلاح، فقال بعد أن ذكر اختيار الخطيب في مسألة (تعارض الوصل والإرسال) الآنف الذكر: «وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله» (٢) .
- (٢)«مقدمة ابن الصلاح» ص ١٦٣.
- ج ١ ص ٤٣١
وابن دقيق العيد، فقد قال في كلامه على الحديث الصحيح: «مداره
-بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين- على صفة عدالة الراوي، العدالة المشترطة في قبول الشهادة على ما قرر في الفقه، ومن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك: أن يكون مسندا، وزاد أصحاب الحديث: ألا يكون شاذا ولا معللا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء» (١) .
- (١)«الاقتراح في بيان الاصطلاح» ١: ٣.
-
وقال ابن دقيق العيد أيضا في إيضاح شرطه في الأحاديث التي أودعها كتابه «الإلمام بأحاديث الأحكام» ، مفرقا بين منهج أئمة الحديث، ومنهج أهل الفقه والأصول: «شرطي فيه ألا أورد إلا حديث من وثقه إمام من مزكي رواة الأخبار، وكان (يعني الحديث) صحيحا على طريقة أهل الحديث الحفاظ، أو أئمة الفقه النظار، فإن لكل منهم مغزى قصده وسلكه، وطريقا أعرض عنه وتركه، وفي كل خير» (٢) .
وقال أبو الحسن بن الحصار الأندلسي: «للمحدثين أغراض في طريقهم احتاطوا فيها, وبالغوا في الاحتياط, ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك, كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفا أو مرسلا» (٣) .
- (٢)«الإلمام بأحاديث الأحكام» ص ٣.
- (٣)«النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي ص ٤٧.
-
ولو كان المطاف انتهى بهذا المذهب عند الفقهاء والأصوليين لهان الخطب،