ممن سار على منهج الفقهاء وقد ألف في الحديث وانتسب إليه ثلاثة من الأئمة وهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم

٢٢ فقرة، ج ١ ص ٤٣٢

  1. لكنه تجاوز ذلك إلى بعض أهل الحديث المؤلفين فيه، ومن أشهر من ينسب إليه ممن ألف بالأسانيد ثلاثة أئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.

    ج ١ ص ٤٣٢
  2. أما ابن خزيمة، وابن حبان، فقد نصا على شرطهما فيما يخرجانه في «صحيحيهما» بعبارة متقاربة، فقال ابن خزيمة: «مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه - صلى الله عليه وسلم -، من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى» (١) .

    وقال ابن حبان: «نملي الأخبار بألفاظ الخطاب، بأشهرها إسنادا، وأوثقها عمادا، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها» (٢) .

    1. (١)«صحيح ابن خزيمة» ١: ٣.
    2. (٢)«صحيح ابن حبان» ١: ١٠٤.
  3. وقد علق ابن حجر على شرط ابن خزيمة وابن حبان بقوله: «حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها، لكونها دائرة بين الصحيح والحسن، ما لم يظهر في بعضها علة قادحة، وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة: أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح، فلا، والله أعلم» (٣) .

    1. (٣)«النكت على كتاب ابن الصلاح» ١: ٢٩١.
  4. وما ذكره ابن حجر ظاهر جدا، لا سيما عند ابن حبان.

  5. وأما الحاكم فقد أوضح شرطه في مقدمته أيضا، فإنه قال: «أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج بمثلها،

    ج ١ ص ٤٣٣إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك ... ، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان رضي الله عنهما أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء الإسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة» (١) .

    1. (١)«المستدرك» ١: ٢.
  6. وكرر هذا في ثنايا الكتاب، مثل قوله حين أخرج حديثا اختلف في رفعه ووقفه: «فنحن على ما شرطنا في إخراج الزيادة من الثقة في الوصل والسند» (٢) ، وقوله حين ذكر حديثا اختلف في وصله وإرساله: «وهذا من الجنس الذي نقول: إن الثقة إذا وصله لم يضره إرسال غيره» (٣) .

    1. (٢)«المستدرك» ١: ٤٢.
    2. (٣)«المستدرك» ١: ٤٩، وانظر أيضا ١: ٤٨، ٧٧، ٨٦، ١٠٩، ١١٢، وغيرها.
  7. ومثل هذا يقال فيما يصححه ابن السكن في «صحيحه» ، والضياء المقدسي في «المختارة» ، وغيرهما.

  8. فهؤلاء الأئمة كلهم ممن خصص كتابا للأحاديث الصحيحة سار فيه على طريقة الفقهاء والأصوليين، على تفاوت بين هؤلاء في درجة تطبيقها.

  9. وأما من سار عليه من المنتسبين للحديث غير هؤلاء فجمع لا يمكن حصره، فقد انتشر هذا المذهب انتشارا واسعا، في كتب التخريج وغيرها، بل تجاوز بعضهم إلى تخطئة منهج أئمة الحديث، وعيبه بعد نسبته إليهم.

  10. فممن سار عليه وطبقه ونافح عنه كثيرا ابن حزم، عند بحثه لهذا الموضوع، وفي تطبيقاته له (١) ، ومن أشد ما قاله في هذا: «وأما دعوى ابن معين أو غيره ضعف حديث رواه الثقات، أو ادعوا فيه أنه خطأ، من غير أن يذكروا فيه تدليسا - فكلامهم مطرح مردود، لأنه دعوى بلا برهان» (٢) .

    1. (١)انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» ١: ١٦٦، ٢٦٤ - ٢٧١، ٣٠٦، ٣٢٧، و «المحلى» ١: ٢٣٨، ٢: ١٠٧, ٦: ٢١٦, ٢٣٤.
    2. (٢)«المحلى» ٦: ٩.
    ج ١ ص ٤٣٤
  11. وقال أيضا بعد أن ذكر حديثا اختلف فيه على المدار بزيادة راو وإسقاطه, وجزم ابن حزم بأنه سمعه مرة هكذا, ومرة هكذا: «وإلا فأي شيء في هذا مما يقدح في الرواية؟ وددنا أن تبينوا لنا ذلك, ولا سبيل إلا بدعوى فاسدة لهج بها قوم من أصحاب الحديث, وهم فيها مخطئون عين الخطأ, ومن قلدهم أسوأ حالا منهم» (٣) .

    1. (٣)«المحلى» ١: ٢٣٨.
  12. ومنهم ابن الجوزي في بعض كتبه، فمن ذلك قوله في جواب من أعل حديثا بالوقف: «الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة ... ، ومن عادة المحدثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه - وقفوا مع الواقف احتياطا، وليس هذا مذهب الفقهاء» (٤) .

    وقال مرة في كلامه على حديث: «قد ذكرنا أن مذهب المحدثين إيثار قول

    ج ١ ص ٤٣٥من وقف الحديث احتياطا، وليس هذا بشيء» (١) .

    وقال في موضع آخر في موازنته بين مذهب الفريقين: «إن البخاري ومسلما تركا أحاديث أقوام ثقات، لأنهم خولفوا في الحديث، فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا، ولو كان ثم فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة ... ، وكل هذا سوء فهم، ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا، وقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة، ولا يقبل القدح حتى يبين سببه، وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه، فالحمد لله الذي أنعم علينا بالحالتين» (٢) .

    1. (٤)«التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (١٦٣).
    2. (١)«التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (١٩٠)، وانظر أيضا: الأحاديث (١٤١ - ١٤٣)، (١٦١ - ١٦٢)، (١٦٤ - ١٦٦)، (٢٢٣).
    3. (٢)«صيد الخاطر» ص ٢٢٤.
  13. كذا قال ابن الجوزي، وكلامه شبيه بكلام ابن حزم الآنف الذكر، وهو كلام في غاية البعد عن التحقيق العلمي والإنصاف، وابن الجوزي مع حدته في العبارة هنا فهو -سامحه الله- كثير التناقض في هذا الباب، يلجأ كثيرا إلى علل أهل الحديث حين يحتاج إليها (٣) .

    1. (٣)«التحقيق في أحاديث التعليق» الأحاديث (١٥)، (٣٩)، (٥٩)، (٦١)، (٦٣).
  14. ومنهم كذلك ابن القطان الفاسي، فإنه تبنى مذهب ابن حزم بحذافيره، وردد كثيرا من عباراته بمعناها، فمن ذلك قوله: «لا عيب على الحديث أن يروى تارة مسندا، وتارة مرسلا» (٤) ، وقوله: «إذا كان رافعه ثقة، وواقفه ثقة، فهذا

    ج ١ ص ٤٣٦لا يضره، ولا هو علة فيه ... ، فالقضاء للواقف على الرافع يكون خطأ» (١) .

    1. (٤)«بيان الوهم والإيهام» حديث (١٠٣٤).
    2. (١)«بيان الوهم والإيهام» حديث (١١٠٨).
  15. وقال مرة معقبا على كلام الترمذي في تعليل حديث بالوقف، مشيرا إلى تضعيفه مذهب المحدثين: «وهذا عند الترمذي عِلَّة، أن يروى مرفوعا وموقوفا، وليس ذلك بصحيح من قوله وقول من ذهب مذهبه» (٢) .

    وقال مرة: «وهو نظر غير صحيح، أن تعل رواية ثقة حافظ وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده ورواه مرسلا - لأجل مخالفة غيره له ... ، وهذا هو الحق في هذا الأصل، وكما اختاره أكثر الأصوليين، فكذلك أيضا اختاره من المحدثين طائفة، وإن كان أكثرهم على الرأي الأول» (٣) .

    1. (٢)«بيان الوهم والإيهام» حديث (١١٩٤).
    2. (٣)«بيان الوهم والإيهام» حديث (٢٦٠٤)، وانظر أيضا الأحاديث: (١٠٢٢)، (١٠٢٤)، (١٠٨٣)، (١١١٤)، (١٤٤٨)، (٢٤٦٢)، (٢٤٦٥)، (٢٤٦٨)، (٢٤٧٨)، (٢٤٩٣)، (٢٤٩٧)، (٢٥١٧)، (٢٥٢٦)، (٢٥٥٢)، (٢٥٥٦)، (٢٥٦٥ - ٢٥٦٦)، (٢٥٦٨ - ٢٥٦٩)، (٢٥٨٥ - ٢٦٤١).
  16. ومنهم الإمام النووي جرى على مذهب الفقهاء والأصوليين في كتبه، مثل «المجموع» ، و «رياض الصالحين» ، و «الأذكار» ، و «شرح صحيح مسلم» ، و «الأربعون» ، واعتمد على هذا المذهب في أجوبته عن الأحاديث التي انتقدها الدارقطني وغيره على مسلم، فسلك ضروبا من التجويز العقلي لتفادي تخطئة الرواة.

  17. ومن أغرب ما وقع له صنيعه في حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس ... » (١) ، فقد جاء عن ابن عمر في «صحيح مسلم» إنكاره تقديم الحج على صوم رمضان في عدها، وأنه سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هكذا بتقديم الصوم، ثم جاءت عنه روايات بتقديم الحج، فقال النووي مجيبا عن هذا: «الأظهر -والله أعلم- أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين، مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضا على الوجهين في وقتين، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج قال ابن عمر: لا ترد علي ما لا علم لك به ... ، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، ويحتمل أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا، ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي رده فأنكره، فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا» (٢) .

    1. (١)«صحيح البخاري» حديث (٨)، (٤٥١٣)، و «صحيح مسلم» حديث (١٦)، و «سنن الترمذي» حديث (٢٦٠٩)، و «سنن النسائي» حديث (٥٠١٦)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٦، ١٢٠، ١٤٣.
    2. (٢)«شرح صحيح مسلم» ١: ١٧٩.
    ج ١ ص ٤٣٧
  18. فلكي يبعد نسيان أحد الرواة، أو روايته للحديث بالمعنى، اضطره ذلك إلى ما هو أعظم منه، إذ نسب النسيان إلى صحابي الحديث وهو ابن عمر، وقد ناقشه في ذلك العلائي، ثم ابن حجر (٣) .

    1. (٣)«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧٩٩، و «فتح الباري» ١: ٥٠.
  19. وزيادة على ذلك، ففي هذا الحديث بعينه وردت رواية عند أبي عوانة في

    ج ١ ص ٤٣٨«مستخرجه» في قصة رد الرجل على ابن عمر بتقديم الصوم، وفيه قول ابن عمر للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهن، عكس ما ورد في «صحيح مسلم» ، ورد ذلك ابن الصلاح بأن ما في «الصحيح» مقدم، فقال النووي دافعا قول ابن الصلاح: «هذا (يعني ما في «مستخرج أبي عوانة» ) محتمل أيضا صحته، ويكون قد جرت القضية مرتين لرجلين» (١) .

    1. (١)«شرح صحيح مسلم» ١: ١٧٩.
  20. كذا قال النووي، وقد أوغل جدا في تطلب تصويب جميع الرواة الثقات.

  21. وذكر عمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وفي بعض الروايات: يوما (٢) ، فقال النووي جامعا بين الروايتين: «هما واقعتان، كان على عمر نذران، ليلة بمفردها، ويوما بمفرده، فسأل عن هذا مرة، وعن الآخر أخرى» (٣) ، عقب عليه العلائي بقوله: «ففي هذا الحمل من أجل تحسين الظن بالرواة - تطرق الخلل إلى عمر رضي الله عنه ... » (٤) .

    1. (٢)«صحيح البخاري» حديث (٢٠٣٢)، (٢٠٤٢ - ٢٠٤٣)، و (٣١٤٤)، (٤٣٢٠)، (٦٦٩٧)، و «صحيح مسلم» حديث (١٦٥٦)، و «سنن أبي داود» حديث (٣٣٢٥)، و «سنن الترمذي» حديث (١٥٣٩)، و «سنن النسائي» حديث (٣٨٢٩ - ٣٩٣١)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٣٤٩ - ٣٣٥٥)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٢١٢٩)، و «مسند أحمد» ١: ٣٧، ٢: ١٠، ٢٠، ٣٥، ٨١، ١٥٣.
    2. (٣)«شرح صحيح مسلم» ١١: ١٢٤.
    3. (٤)«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧٩٨.
  22. ومع التزام النووي بهذا المنهج إلا أنه ربما تركه إلى منهج نقاد الحديث,