إذا وقف الباحث على حديث يوافق حالة للراوي نص عليها الأئمة فله أن يجري حال الراوي على حديثه، وإن لم يكن هناك نص صريح في الحديث نفسه
١٣ فقرة، ج ١ ص ٤٨٨
- ج ١ ص ٤٨٨
عن مثل هؤلاء أمكن أن يقال أيضا إن العهدة عليهم.
-
وأختم هذا المبحث بالتأكيد على ما بدأته به، من ضرورة النظر في الراوي الذي عليه الاختلاف، والتأمل فيما يأتي عنه وعن أصحابه لمعرفة الصحيح عنه من هذا الاختلاف، وهل حَدَّث بالأوجه المروية عنه، أو ببعضها؟
-
وسأضرب أمثلة للخلل الذي يقع في دراسة الاختلاف، إذا أغفل الناظر ما تقدم.
-
روى سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن امرأة من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - استحمَّت من جنابة، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء» .
-
هكذا قال سماك في رواية جماعة من أصحابه، منهم سفيان الثوري في المشهور عنه، وأبو الأحوص، ويزيد بن عطاء، وأسباط بن محمد، وشعبة بن الحجاج -من رواية محمد بن بكر عنه-، وحماد بن سلمة -من رواية يحيى بن إسحاق عنه-, وإسرائيل بن يونس -من رواية عبدالرزاق عنه-.
-
ورواه جماعة آخرون عن سماك، عن عكرمة مرسلا، ليس فيه ابن عباس، منهم شعبة -من رواية أكثر أصحابه عنه-، وحماد بن سلمة -من رواية أبي داود الطيالسي، وحجاج بن منهال, عنه-.
-
ورواه شريك بن عبدالله، وإسرائيل بن يونس -من رواية فردوس عنه-، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة.
- ج ١ ص ٤٨٩
وقد روي عن سماك على غير هذه الأوجه الثلاثة أيضا، لكن هذه الثلاثة هي الأشهر عنه (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٦٨)، و «سنن الترمذي» حديث (٦٥)، و «سنن النسائي» حديث (٣٢٤)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٧٠ - ٣٧٢)، و «مسند أحمد» ١: ٢٣٥، ٢٨٤، ٣٠٨، ٦: ٣٣٠، و «مسند الطيالسي» حديث (١٦٢٥)، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٣٩٦ - ٣٩٧) و «مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٣٣، ١٤٣، ١٤: ١٦٠، و «سنن الدارمي» حديث (٧٤٠)، و «كشف الأستار» حديث (٢٥٠)، و «مسند أبي يعلى» حديث (٢٤١١)، و «المنتقى» حديث (٤٨ - ٤٩)، و «تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) الأحاديث (٢٦ - ٣١) والأخبار (١٠٣٢ - ١٠٣٩)، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (٩١)، (١٠٩)، و «الجعديات» حديث (٢٣٥٣)، و «الأوسط في السنن» حديث (١٨٧)، (٢١٢)، و «شرح معاني الآثار» ١: ١٢٦، و «صحيح ابن حبان» حديث (١٢٤١ - ١٢٤٢)، (١٢٦١)، و «المعجم الكبير» ٨: ٢٧٤ حديث (١١٧١٥ - ١١٧١٦)، ٢٣: ٤٢٥ حديث (١٠٣٠)، ٢٤: ١٨ حديث (٣٩)، و «سنن الدارقطني» ١: ٥٣، و «المستدرك» ١: ١٥٩، و «سنن البيهقي» ١: ١٨٨، و «التمهيد» ١: ٣٣٢ - ٣٣٣، ١٤: ١٦٥، و «الأسماء المبهمة» حديث (١٤٨).
-
ذكر ابن عبدالبر بعض الاختلاف على سماك، ثم قال مرحجا الموصول بذكر ابن عباس: «قد وصله جماعة عن سماك، منهم الثوري، وحسبك بالثوري حفظا وإتقانا ... ، وكل من أرسل هذا الحديث فالثوري أحفظ منه، والقول فيه قول الثوري ومن تابعه على إسناده» (٢) .
- (٢)«التمهيد» ١: ٣٣٣.
-
ولا إشكال فيما قاله ابن عبدالبر لو كان النظر مقتصرا على الرواة عن سماك، فلا شك أن أحفظهم الثوري، وقد تابعه جماعة على وصله، لكن النظر أيضا في
ج ١ ص ٤٩٠سماك نفسه، وفي روايته عن عكرمة، وقد نص الأئمة على أن سماك بن حرب يضطرب في روايته عن عكرمة، بل نقل شعبة، وشريك أن الرواة كانوا يلقنون سماكا فيما يرويه عن عكرمة، يلقنونه: عن ابن عباس، فيقول: عن ابن عباس (١) .
- (١)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٩٥، و «مسائل أبي داود» ص ٤٤٠، و «معرفة الثقات» ١: ٤٣٦، و «المعرفة والتاريخ» ٣: ٢٠٩، و «الكامل» ٣: ١٢٩٩، و «تهذيب الكمال» ١٢: ١١٩، ١٢٠، و «سير أعلام النبلاء» ٥: ٢٤٧، ٢٤٨.
-
ولهذا قال أحمد في نقده للحديث، معتبرا حال سماك بن حرب: «أتقيه لحال سماك، ليس أحد يرويه غيره، -وقال-: هذا فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه» (٢) .
- (٢)«تنقيح التحقيق» ١: ٣٦. وانظر مثالا آخر في «فتح الباري» ٤: ٢٧٤ مع «مسند أحمد» ٩: ٣٢٨ حديث (٤٧٠٥) تحقيق الأرنؤوط.
-
ولا إشكال في ضرورة متابعة الباحث لأئمة النقد إذا نصوا على سبب الاختلاف، وأنه من الراوي المختلف عليه في الحديث المعين، وكذلك إذا نصوا على حال الراوي العامة أو الخاصة، ثم وقف الباحث على حديث يوافق هذه الحالة، فله أن يجري حال الراوي على حديثه هذا، وإن لم يكن هناك نص صريح.
-
مثال ذلك ما ذكره ابن معين قال: «الحديث الذي يرويه عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: «كان يصلي قبل المغرب ركعتين» ، حدثنا به عبدالرزاق، عن معمر، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس» (٣) .
- (٣)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٣٦٣.