هل يحمل الراوي تبعة الاختلاف دون أن ينص الناقد على اختلاف حال الراوي اختلافا يصلح أن يلحق به هذا الحديث؟
٨ فقرات، ج ١ ص ٤٩١
- ج ١ ص ٤٩١
فهذا الاختلاف يمكن إرجاعه إلى عبدالرزاق، بالنظر إلى حاله، وأنه تغير حفظه في الآخر، وصار يتلقن، وفي كلام ابن معين إشارة لهذا.
-
والإشكال فيما إذا ترجح للباحث بناء على قرائن اعتمد عليها أن الاختلاف من الراوي، وأنه حدث بهذا مرة، وهذا مرة، هل له أن يذهب إلى ذلك دون أن ينص النقاد على اختلاف حال الراوي اختلافا يصلح أن يلحق به هذا الحديث؟
-
الظاهر أنه له ذلك، متى أفرغ جهده في البحث في هذا الحديث، وأطال النظر فيه، وقد وقفت على ما يؤيد هذا من صنيع النقاد، فيلتمسون سببا للاختلاف، وينسبونه إلى الراوي، وأنه اختلفت روايته لهذا الحديث، ولا نقف على كلام لهم يصلح أن يكون قاعدة في هذا الراوي يندرج تحتها حديثه المعين هذا.
-
ومن أمثلة ذلك أن جماعة من أصحاب هشيم رووا عنه، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحياء من الإيمان ... » الحديث، ورواه آخرون عن هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وقد قيل عنه بجمعهما (١) .
ج ١ ص ٤٩٢روى أبو داود عن أحمد قوله: «هذا جاء من هشيم -يعني اضطرب فيه- فحدث به مرة عن الحسن، عن أبي بكرة، ومرة عن الحسن، عن عمران ... » (١) .
- (١)«سنن ابن ماجه» حديث (٤١٨٤)، و «الأدب المفرد» حديث (١٣٢٠)، و «العلل الكبير» ٢: ٨٠٢، و «شرح مشكل الآثار» حديث (٣٢٠٦)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٥٧٠٤)، و «المعجم الصغير» حديث (١٠٩١)، و «المستدرك» ١: ٥٢، و «حلية الأولياء» ٣: ٥٩ - ٦٠، و «تاريخ بغداد» ٤: ٣٣٨، ٦: ١٩٢.
- (١)«مسائل أبي داود» ص ٤٣٧.
-
وروى الخلال هذا عن أبي داود، ثم قال: «وأخبرني المروذي عنه (يعني عن أحمد) قال: أما أهل واسط فيقولون: عن عمران بن حصين، وأما غيرهم فيقول: عن أبي بكرة، فقلت: أيهما الصحيح؟ قال: لا أدري» (٢) .
وقال أبو نعيم: «هكذا حَدَّث به هشيم ببغداد عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، وبواسط عن عمران بن حصين» (٣) .
- (٢)«منتخب علل الخلال» ص ٢٤٦.
- (٣)«حلية الأولياء» ٣: ٦٠.
-
وليس في ترجمة هشيم ذكر للفرق بين روايته بواسط، وروايته ببغداد.
-
وروى الدارقطني عن جماعة من شيوخه، عن أبي الأشعث أحمد بن المقدام، عن عمرو بن صالح الزهري قاضي رامهرمز، عن عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن مجاهد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي حديث (التسبيح) ، ثم قال: «وحدث بهذا الحديث أبو الأشعث مرة ببغداد عن محمد بن عبدالرحمن الطفاوي، عن عبدالملك بن أبي سليمان، ثم رجع عنه، فحدث به عن عمرو بن صالح، عن عبدالملك» ، ثم أسنده إليه (٤) .
- (٤)«علل الدارقطني» ٣: ٢٨٣ - ٢٨٥.
- ج ١ ص ٤٩٣
فالذي يظهر أن الباحث متى ظهر له بعد تمعنه في الروايات عن المختلف عليه أن الاختلاف منه، وأن مرده إلى اختلاف حال الراوي في هذا الحديث المعين -كاختلاف الزمان، أو المكان- فله أن يرجح ذلك، والله أعلم.