الناظر في الاختلاف له نظر في أصحاب المختلف عليه، والنظر يقوده إلى أحد ثلاثة احتمالات
١٣ فقرة، ج ١ ص ٤٩٤
- ج ١ ص ٤٩٤
الرواة المختلفون ركيزة أساس في النظر في الصواب عن المختلف عليه، فإذا اختلف أصحاب قتادة، أو الزهري، أو الأعمش، أو شعبة، أو الثوري عليه على وجهين أو أكثر، فالناظر في هذا الاختلاف له نظر في أصحاب المختلف عليه، الرواة لهذه الأوجه.
-
والنظر فيهم قد يقود إلى أنه لا يصح شيء من هذه الأوجه عن المختلف عليه.
-
فمن ذلك قول ابن الجنيد: «قلت ليحيى بن معين: مبارك، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس قال: «الذبيح إسحاق» ، ح، وحماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذبيح إسحاق» ، قلت ليحيى: أيهما أصح عندك؟ قال: لا تبالي أيهما كان، كأنه ضعفهما جميعا، قلت ليحيى: مبارك مثل علي بن زيد؟ قال: ما أقربه» (١) .
وروى عبدالحميد بن جعفر، عن حسين بن عطاء بن يسار، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: سألت أبا ذر عن صلاة الضحى، فقال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى سجدتين لم يكتب من الغافلين ... » الحديث (٢) .
- (١)«سؤالات ابن الجنيد لابن معين» ص ٤٥٦.
- (٢)«التاريخ الكبير» ٢: ٣٩٢، و «الآحاد والمثاني» حديث (٩٨٧)، و «مسند البزار» حديث (٣٨٩٠)، و «المجروحين» ١: ٢٤٣.
- ج ١ ص ٤٩٥
ورواه موسى بن يعقوب الزمعي، عن الصلت بن سالم، عن زيد بن أسلم، عن عبدالله بن عمرو، عن أبي الدرداء (١) .
- (١)«التاريخ الكبير» ٢: ٣٩٢، و «الضعفاء الكبير» ٢: ٢٠٩، و «سنن البيهقي الصغرى» حديث (٨٥٦).
-
سئل عنهما أبو حاتم، فقال: «جميعا مضطربين، ليس لهما في الرواية معنى» (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٤.
-
وسئل الدارقطني عن حديث عطاء الخراساني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه نهى أن يتطوع الرجل في مكانه الذي صلى فيه» ، فذكر الاختلاف فيه على عطاء، ثم قال: «وجميع من يرويه عن عطاء ضعيف، لا يمكن الحكم بقوله» (٣) .
- (٣)«العلل» ٧: ١١٧، وانظر في طرقه أيضا: «سنن أبي داود» حديث (٦١٦)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٤٢٨)، و «الأفراد» للدارقطني (أطرافه حديث ٤٣٧٥).
-
وسئل أيضا عن حديث سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حَلَّ بها البلاء ... » الحديث، فقال: «يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه، فرواه عبدالرحمن بن سعد بن سعيد، عن عمه يحيى بن سعيد، عن عائشة، وخالفه فرج بن فضالة، فرواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي، وكلاهما غير محفوظ» (٤) .
- (٤)«العلل» ١٤: ٣٢٩، وانظر في طرقه: «سنن الترمذي» حديث (٢٢١٠)، و «ذم الملاهي» ص ٢٧، و «المعجم الأوسط» حديث (٤٦٩).
- ج ١ ص ٤٩٦
وسئل الدارقطني أيضا عن حديث مصعب بن سعد، عن سعد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد» ، فقال: «يرويه أبو إسحاق، واختلف عنه، فرواه يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قاله إسماعيل بن عياش، عن يونس، وخالفه يزيد بن عطاء، رواه عن أبي إسحاق، عن عروة بن الجعد، عن سعد، وكلاهما غير ثابت» (١) .
- (١)«العلل» ٤: ٣٢٥.
-
ويونس بن أبي إسحاق ليس بذاك في حديث أبيه، والراوي عنه إسماعيل بن عياش ضعيف الحديث عن غير الشاميين، ويزيد بن عطاء راوي الوجه الثاني ضعفه الجمهور.
-
وقد يقوده النظر في الرواة عن المختلف عليه إلى صحة المروي عنه كله، وذلك بالنظر لحال هؤلاء الرواة، فكلهم ثقات، وهذا كثير، تقدمت له أمثلة في المبحث الأول، وذلك في بيان تحميل المختلف عليه عهدة الاختلاف بالنظر إلى حاله هو، إذ لا يتم ذلك إلا إذا كانت الأوجه الواردة عنه أسانيدها إليه قوية، وحاله أوجبت تحميله عهدة الاختلاف.
-
وقد تكون الأوجه الواردة عنه من القوة بحيث تصحح عنه، وإن لم تكن حاله توجب تحميله عهدة الاختلاف، وهذا كثير أيضا.
-
ومن ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه محمد بن مسلم، عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، عن
ج ١ ص ٤٩٧أبي موسى الأشعري، قال: «لما نزلت هذه الآية: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ، أومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أبو موسى: بشيء كان معه- قال: هم قوم هذا» .
قال أبي: حدثنا أبو الوليد، عن شعبة، عن سماك، عن عياض، قال: لما نزلت هذه الآية: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ، ليس فيه: عن أبي موسى، وقد روى عن شعبة جماعة مرسلا، قال: «لما نزلت ... » ، وكذا حدثنا أبو الوليد مرسلا.
قلت: فترى غلط فيه محمد بن مسلم؟ قال: لا، إن بندارا كان يحدث به أيضا عن أبي الوليد أيضا كذا، ويشبه أن يكون أبو الوليد كان يغلط فيه، فلما قيل له: إنه غلط، ترك أبا موسى من الإسناد ... » (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٥٧. وقد رواه عن أبي الوليد موصولا كذلك محمد بن المثنى، وأبو قلابة الرقاشي، انظر: «تفسير ابن جرير» ٦: ٢٨٤، و «تاريخ دمشق» ٣٢: ٣٤، ٤٧: ٢٥٣، وكذا روي من طريق عبدالصمد بن عبدالوارث، عن شعبة، انظر: «تفسير ابن أبي حاتم» حديث (٦٥٣٥)، و «تاريخ دمشق» ٢: ٣٤، ٤٧: ٢٥٣. وأما الرواية المشهورة عن شعبة بالإرسال فقد رواها جمع كثير من أصحابه، منهم عفان بن مسلم، ومحمد بن جعفر، وسليمان بن حرب، وحفص بن عمر، وغيرهم، انظر: «الطبقات الكبرى» ٤: ١٠٧، و «مصنف ابن أبي شيبة» ١٢: ١٢٣ حديث (١٢٣١١١)، و «تفسير ابن جرير» ٦: ٢٨٤، و «المعجم الكبير» ١٧: ٣٧١ حديث (١٠١٦)، و «المستدرك» ٢: ٣١٣، و «تاريخ بغداد» ٢: ٣٩، و «تاريخ دمشق» ٤٧: ٢٥٢.
-
وأبو الوليد الطيالسي ثقة ثبت حافظ، ولكن لا مناص من تحميله عهدة الاختلاف بالنظر لقوة الطرق إليه.