قرينة الكثرة هي أكثر القرائن تداولا، بالتصريح أو التلميح، والترجيح بها أمر بدهي، فالعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد كما قال الشافعي
١٦٠ فقرة، ج ١ ص ٤٩٨
الصفحة ١ من ٤
- ج ١ ص ٤٩٨
فهذان احتمالان، والاحتمال الثالث أن يقوده النظر في الرواة عن المختلف عليه إلى ترجيح بعض الأوجه على الأوجه الأخرى، قاده إلى ذلك استخدامه لقرائن الموازنة والترجيح بين الرواة المختلفين، وهي قرائن كثيرة، ترجع في جملتها إلى حصول غلبة الظن بأن راوي الوجه الراجح قد حفظ ما حدث به عن شيخه المختلف عليه، وسأذكر ما وقفت عليه منها، على سبيل الإجمال، بضم النظير إلى النظير، وهي هذه:
[الأولى: الكثرة]
-
استخدم النقاد هذه القرينة على نطاق واسع جدا، ويمكن القول بأنها أكثر القرائن تداولا، بالتصريح أو التلميح، والترجيح بها أمر بدهي، فـ «العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد» ، كما قال الشافعي (١) .
وقال ابن المبارك: «الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به، وتركنا قول الآخر» (٢) .
وقال ابن معين: «أصحاب سفيان الثوري ستة: يحيى بن سعيد، ووكيع بن الجراح، وابن المبارك، والأشجعي، وعبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، ليس أحد من هؤلاء يحدث عن سفيان فيخالفه بعض هؤلاء الستة، فيكون القول قوله -
ج ١ ص ٤٩٩حتى يجيء إنسان فيفصل بينهما، فإذا اتفق من هؤلاء اثنان على شيء كان القول قولهما» (١) .
وقال البرديجي في كلامه عن أصحاب قتادة: «أحاديث شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها صحاح، وكذلك سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، إذا اتفق هؤلاء الثلاثة على الحديث فهو صحيح، وإذا اختلفوا في حديث واحد فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة ... » (٢) .
- (١)«اختلاف الحديث» ص ١٢٧, و «شرح علل الترمذي» ١: ٤٢٥، و «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦٨٨، وانظر: «اختلاف الحديث» ص ٢٩٤, و «الأم» ٨: ٥٦٣.
- (٢)«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٠٧٢)، و «العلل الكبير» ١: ٤٠٥، وفي النسخة سقط.
- (١)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢١٣.
- (٢)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩٧، وانظر أيضا: «التعديل والتجريح» للباجي ١: ٣٠١، ففيه كلام البرديجي بمعناه، ولم ينسبه إليه.
-
وقال مسلم في كلامه عن اختلاف أصحاب الراوي عليه, وانفراد واحد منهم عن الجماعة: «أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثا عن مثل الزهري, أو غيره من الأئمة، بإسناد واحد, ومتن واحد, مجتمعين على روايته في الإسناد والمتن, لا يختلفون فيه على معنى, فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه, فيخالفهم في الإسناد, أو بقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ, فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد, وإن كان حافظا, على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث, مثل شعبة, وسفيان بن عيينة, ويحيى بن سعيد, وعبدالرحمن بن مهدي, وغيرهم من أئمة أهل العلم» (٣) .
ج ١ ص ٥٠٠وقال الخطيب: «ويرجح بكثرة الرواة لأحد الخبرين, لأن الغلط عنهم والسهو أبعد، وهو إلى الأقل أقرب» (١) .
- (٣)«التمييز» ص ١٧٢.
- (١)«الكفاية» ص ١٣٦.
-
ولا شك أنه إذا كان الأقل شخصا واحدا فالوهم إلى روايته أقرب، إذ التفرد بحد ذاته -ولو لم يخالف- مظنة الخطأ، كما تقدم شرح ذلك في الباب الثاني، فإذا خولف المنفرد كان أدل على وهمه وغلطه في الموضع الذي غلط فيه، وإن كان استفاد من رواية مخالفه في أصل الرواية، كما تقدم شرحه هناك.
-
وتقدم هناك أيضا أن الراوي المنفرد هو نفسه يتخوف من تفرده، ويخشى أن يكون غلط فيه، وكذلك هنا، إذا خولف المتفرد فيما تفرد به خشي أن يكون أخطأ.
-
روى عبدالله بن محمد النفيلي، عن أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبدالله بن سرجس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «في الحجم شفاء» (٢) .
- (٢)«حلية الأولياء» ٣: ١٢١، و «الأحاديث المختارة» حديث (٣٨٠ - ٣٨١).
-
قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر هذه الرواية لأبيه: «قال أبي: حلف لي النفيلي أنه سمعه، ولم يحدثني به، قال: أجبن عنه. قال أبي: هذا خطأ، يمكن أن يكون دخل له حديث في حديث، إنما رواه أبو معاوية، عن الشيباني، عن يُسَيْر بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في الحجم شفاء» ، وليس لذاك أصل، وذكر لي أن يحيى بن معين كتب إليه أن لا يحدث به» (٣) .
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣١١. وحديث يسير بن عمرو أخرجه ابن أبي شيبة ٧: ٤٤١ حديث (٣٧٣٠) عن أبي معاوية.
- ج ١ ص ٥٠١
وروى النفيلي أيضا عن مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيدالله، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة» (١) .
- (١)«المعجم الأوسط» حديث (١٠٥٠)، (٣٣٤٣).
-
سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: «رواه بعض أصحاب الأوزاعي، عن الأوزاعي، عمن سمع يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يسم أحدا، فكان النفيلي يمتنع من تحديث حديث مسكين هذا، ويقول: لم أتابع عليه، والذي يرويه الدمشقيون، عن الأوزاعي، عمن سمع يزيد بن الأصم، أشبه، لأن الأوزاعي لو كان سمع من إسماعيل بن عبيدالله لم يكن عنه» (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣١١.
-
ويعبر النقاد عن الترجيح بالكثرة بعبارات مختلفة فيقولون: هذا الوجه هو المحفوظ، اتفق عليه اثنان، أو ثلاثة، أو يقولون: المحفوظ رواية الجماعة، أو ما رواه الجماعة هو المحفوظ، أو أولى أن يكون محفوظا، أو يقولون: الناس يروونه عن فلان هكذا، أو أصحاب فلان يروونه هكذا، أو خالف فلان الناس، ونحو هذه العبارات التي تفيد بنصها أو بإشارتها إلى أن سبب الترجيح هو كثرة رواة الوجه الراجح بالنسبة للمرجوح.
ومن أمثلة ذلك حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «إن للصلاة أولا وآخرا ... » الحديث (٣) .
ج ١ ص ٥٠٢ورواه جماعة عن الأعمش -منهم زائدة بن قدامة، وأبو إسحاق الفزاري، وعبثر بن القاسم- عن مجاهد قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا ... » الحديث (١) .
قال ابن معين في تضعيف رواية محمد بن فضيل: «رواه الناس كلهم عن الأعمش، عن مجاهد مرسلا» (٢) .
وقال أبو حاتم عن حديث محمد بن فضيل: «هذا خطأ، وهم فيه ابن فضيل، يرويه أصحاب الأعمش، عن الأعمش، عن مجاهد قوله» (٣) .
وقال الدارقطني: «هذا لا يصح مسندا، وهم في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش، عن مجاهد مرسلا» (٤) .
وروى سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أردفه من عرفة ... » الحديث (٥) .
- (٣)«سنن الترمذي» حديث (١٥١)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٣٢.
- (١)«سنن الترمذي» حديث (١٥١)، و «سنن الدارقطني» ١: ٢٦٢، و «سنن البيهقي» ١: ٣٧٦.
- (٢)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٤: ٦٦، وانظر: ٢: ٥٣٤.
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠١.
- (٤)«سنن الدارقطني» ١: ٢٦٢.
- (٥)«مسند أحمد» ٥: ٢٠٠، و «أخبار مكة» للأزرقي، ٢: ١٩٧، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٨٤٧)، و «مسند أسامة» للبغوي حديث (٣٨ - ٣٩)، (٤٥).
-
ورواه سفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وعبدالله بن المبارك، وحماد بن زيد، ومحمد بن إسحاق، ومعمر، وغيرهم، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب،
ج ١ ص ٥٠٣عن أسامة بن زيد، ليس فيه ابن عباس (١) .
قال ابن معين في كلامه على رواية ابن عيينة: «أخطأ فيه ابن عيينة، إنما هو عن كريب سمعه من أسامة نفسه، كذا حدث به سفيان الثوري، وزهير، والناس كلهم» (٢) .
- (١)«صحيح مسلم» حديث (١٢٨٠)، و «سنن أبي داود» حديث (١٩٢١)، و «سنن النسائي» حديث (٣٠٢٤ - ٣٠٢٥)، (٣٠٣١)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٠١٩)، و «مسند أحمد» ٥: ٢٠٠، ٢١٠، و «مسند أسامة» حديث (٤٠ - ٤١)، و «مستخرج أبي عوانة» حديث (٣٤٨٦)، و «المعجم الكبير» حديث (٤٥٠)، و «سنن البيهقي» ٥: ١٢٠.
- (٢)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢١٨.
-
وروى إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن مروان بن الحكم، عن عبدالله بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من الشعر حكمة» (٣) .
- (٣)«مسند أحمد» ٥: ١٢٥ و «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٩، و «الآحاد والمثاني» حديث (١٨٥٨)، و «شرح معاني الآثار» ٤: ٢٩٧.
-
ورواه يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر، وغيرهم، عن الزهري، بهذا الإسناد، غير أنهم سموا شيخ مروان بن الحكم: عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث (٤) .
- (٤)«صحيح البخاري» حديث (٦١٤٥)، و «سنن أبي داود» حديث (٥٠١٠)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٧٥٥)، و «مسند أحمد» ٥: ١٢٥، ١٢٦.
-
وعقب ابن معين على رواية إبراهيم بن سعد بعد أن ساقها بقوله: «إلا أن
ج ١ ص ٥٠٤يونس، ومعمرا، والناس أجمعين قالوا: عن الزهري ... ، عن عبدالرحمن بن الأسود، وهو الصواب، ولكن إبراهيم بن سعد قال كذا: عبدالله بن الأسود» (١) .
- (١)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٩.
-
وقال عبدالله بن أحمد معقبا على رواية إبراهيم بن سعد أيضا: «هكذا يقول إبراهيم بن سعد في حديثه: عبدالله بن الأسود، وإنما هو عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، كذا يقول غير إبراهيم بن سعد» (٢) .
وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه صلى في نعليه، ثم خلع نعليه، فخلع الناس نعالهم ... » الحديث.
قال أبو حاتم: «رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ، مرسلا، [و] أيوب أحفظ، وقد وهن أيوب رواية هذا الحديث، حديث حماد بن سلمة.
- (٢)«مسند أحمد» ٥: ١٢٥.
-
ورواه إبراهيم بن طهمان، عن حجاج الأحول، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
والمتصل أشبه، لأنه اتفق اثنان: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» (٣) .
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٢١، وانظر طرق هذا الحديث في: «سنن أبي داود» حديث (٦٥٠)، و «مسند أحمد» ٣: ٢٠، ٩٢، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٥١٦)، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (٧٨٦)، و «علل الدارقطني» ١١: ٣٢٨، و «سنن البيهقي» ٢: ٤٠٣.
- ج ١ ص ٥٠٥
فذكر أبو حاتم أولا أن رواية أيوب ضعفت رواية حماد بن سلمة، فحماد يصله، وأيوب يرسله، فرواية أيوب إذن علة لرواية حماد، ثم عدل أبو حاتم عن هذا حين وجد راويا آخر غير حماد يصله، وهو حجاج بن حجاج الأحول، فحكم لهما، ورجح الموصول.
وروى إسماعيل بن علية، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق رأسه بمنى قال هكذا بشقه الأيمن، فأعطاه أبا طلحة ... » الحديث.
-
هكذا رواه إسماعيل مرسلا، وسئل عنه أبو حاتم فقال: «الناس يروون هذا الحديث عن هشام، عن محمد، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» (١) .
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة، وأسامة بن زيد الليثي، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر: «أنه طاف بالبيت بعد الصبح، ثم سار حتى أتى ذي طوى، ثم انتظر حتى طلعت الشمس ... » ، فقال أبي: أخطآ في هذا الحديث، روى كل أصحاب الزهري، عن الزهري هذا الحديث، عن حميد بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر، وهو الصحيح» (٢) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٣، ورواية الجماعة عن هشام بالوصل أخرجها مسلم حديث (١٣٠٥)، وأبو داود حديث (١٩٨١ - ١٩٨٢)، والترمذي حديث (٩١٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» حديث (٤١٠٢)، (٤١١٦)، وأحمد ٣: ١١١، ٢٠٨، ٢١٤، ٢٥٦، و «مسند أبي يعلى» حديث (٢٨٢٧).
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨٢، وانظر طرق هذا الحديث في «موطأ مالك» ٢: ٣٦٨، و «مصنف عبدالرزاق، حديث (٩٠٠٨)، و «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٩٠، و «أخبار مكة» حديث (٥٢٠)، و «شرح معاني الآثار» ٢: ١٨٧.
- ج ١ ص ٥٠٦
وروى أبو عامر العقدي، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا» .
-
سئل أبو زرعة عن هذه الرواية، فقال: «رواه شعبة، وحماد بن زيد، ومحمد بن مسلم، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهو الصحيح، والوهم ينبغي أن يكون من زكريا» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨٣، وانظر في الروايات التي ذكرها أبو زرعة: «صحيح البخاري» حديث (٥٤٣)، (٥٦٢)، و (١١٧٤)، و «صحيح مسلم» حديث (٧٠٥)، و «سنن أبي داود» حديث (١٢١٤)، و «سنن النسائي» حديث (٥٨٨)، و «مسند أحمد» ١: ٢٢١، ٢٧٣، ٢٨٥، و «مسند الطيالسي» حديث (٢٧٣٥)، و «المعجم الكبير» حديث (١٢٨٠٧)، وممن رواه عن عمرو كذلك: ابن جريج، ومعمر، انظر: «سنن النسائي» حديث (٦٠٢)، و «مسند أحمد» ٢: ٣٦٦، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٤٤٣٦).
-
وروى خالد الحذاء -في الراجح عنه- عن أبي نعامة، عن أنس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر، وعمر، لا يقرؤون -يعني لا يجهرون-» (٢) .
قال الدارقطني: «وروى هذا الحديث الجريري، وعثمان بن غياث، وراشد الحماني، عن أبي نعامة -واسمه قيس بن عباية- عن ابن عبدالله بن مغفل، عن
ج ١ ص ٥٠٧أبيه، وهو أشبه بالصواب، لأنهم ثلاثة، وقد خالفوا خالدا في الإسناد» (١) .
- (٢)«مسند أحمد» ٣: ٢١٦، و «صحيح ابن حبان» حديث (١٨٠٢)، و «علل الدارقطني» ١٢: ٢٤٦.
- (١)«علل الدارقطني» ١٢: ٢٤٧، وحديث عبدالله بن مغفل أخرجه الترمذي حديث (٢٤٤)، والنسائي حديث (٩٠٧)، وابن ماجه حديث (٨١٥)، و «مسند أحمد» ٤: ٨٥، ٥: ٥٤، ٥٥.
-
وهذه القرينة -كما أسلفت- كثر جدا من النقاد الترجيح بها، فالظن الغالب أن ما يرويه العدد الكثير هو المحفوظ، ولهذا فإن النقاد يتسامحون في سرد الرواة، فإذا كثروا ربما ذكروا فيهم الضعيف ومن دونه، اعتمادا على رواية الثقات منهم، وربما صرح الناقد بذلك، فيقول مثلا: حدث به عن فلان جماعة من الثقات الحفاظ، وغيرهم (٢) .
- (٢)ينظر مثلا: «علل الدارقطني» ٣: ١١٥.
-
ورأيت بعض الباحثين يلتزم بيان أحوال الرواة الضعفاء ومن دونهم، مع ظهور الترجيح برواية غيرهم، ولعل ذلك منهم على سبيل زيادة البيان في تحديد من عليه الاعتماد في الترجيح.
- الثانية: الحفظ والتثبت:
-
استخدم الأئمة في الموازنة بين الرواة حين اختلافهم هذه القرينة بكثرة أيضا، فيقول الناقد مثلا: القول قول فلان لأنه أحفظ، أو المحفوظ رواية فلان فهو أحفظهم، أو فلان أحفظ من فلان، أو لا يقارن فلان بفلان، ونحو ذلك.
-
وقد تقدم في «الجرح والتعديل» موضوعان لهما تعلق كبير بهذه القرينة، أحدهما موضوع (مراتب الجرح والتعديل) (٣) ، فالرواة على مراتب متفاوتة في
ج ١ ص ٥٠٨القوة والتثبت، وأهم ما يستفاد من معرفة هذه المراتب هو معرفة الصواب من رواياتهم حين يختلفون على شيخ لهم.
- (٣)«الجرح والتعديل»، ص ٢٩٠ - ٣٠٣.
-
والثاني موضوع (مقارنة الراوي بغيره) (١) ، فقد قام النقاد بالمقارنة بين الرواة، كقولهم: إن فلانا أحفظ من فلان، وإنما تظهر أهمية الوقوف على هذه النصوص، وحسن الاستفادة منها، حين يقع اختلاف بين بعض هؤلاء الرواة الذين قارن الأئمة بينهم في الجملة.
قال الخطيب البغدادي: «والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط» (٢) .
وقال أيضا: « ... وقد يرجح أيضا بضبط راويه وحفظه وقلة غلطه, لأن الظن يقوى بذلك» (٣) .
- (١)«الجرح والتعديل» ص ١٥٨ - ١٨٦.
- (٢)«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٥.
- (٣)«الكفاية» ص ٤٣٥.
-
ومن أمثلة صنيع النقاد في هذه القرينة ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة مرفوعا في قطع يد السارق بربع دينار، ثم قال سفيان: «وحدثناه أربعة عن عمرة، عن عائشة لم يرفعوه: عبدالله بن أبي بكر، ورزيق بن حكيم الأيلي، ويحيى بن سعيد، وعبد ربه بن سعيد،
ج ١ ص ٥٠٩والزهري أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما دل على الرفع: «ما نسيت ولا طال علي: القطع في ربع دينار فصاعدا» ، » (١) .
وقال أبو داود: «سمعت أحمد وذكرت له ما زاد هشيم في حديث عبيد بن عمير، عن عمر في (المفقود) على يحيى بن سعيد، فقال: يحيى أحفظ من هشيم» (٢) .
- (١)«مسند الحميدي» حديث (٢٨٠).
- (٢)«سؤالات أبي داود» ص ٣٤٥.
-
ونقل إسحاق بن هانئ أن أحمد ذكر حديث حذيفة أنه تزوج مجوسية، ثم قال: «هذا رواه الداناج، وأبو وائل يقول: إنما تزوج بيهودية -كأنه (يعني أحمد) يبطل أن تكون مجوسية-، والداناج ثقة، وأبو وائل أوثق منه» (٣) .
- (٣)«مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ١٦٨.
-
وروى ابن جريج، عن خصيف الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس، قصة عمر بن الخطاب، مع سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، في المسح على الخفين (٤) .
- (٤)«مسند أحمد» ١: ٣٦٦، و «تحفة الأشراف» ٤: ٢٤٦.
-
وخالفه عتاب بن بشير، فرواها عن خصيف، عن سعيد بن جبير بالقصة (٥) .
- (٥)«المعجم الكبير» حديث (١٢٢٣٧).
-
ورواه عثمان بن ساج، عن خصيف، عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس (٦) .
- (٦)«المعجم الكبير» حديث (١١١٤٠).
- ج ١ ص ٥١٠
سئل أبو زرعة عن هذا الاختلاف وذكر له رواية ابن جريج، وعتاب بن بشير، فقال: «ابن جريج عندي أحفظ من عتاب بن بشير» (١) .
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبدالوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «لا تكتنوا بأبي عيسى، فإن عيسى لا أب له» ، قلت: وروى هذا الحديث هشام الدستوائي، عن أيوب، قال: قال عمر ... ، مرسلا.
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٤.
-
فقالا: «هشام أحفظ، ومرسل أصح» (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٥١، ورواه معمر، عن أيوب، عن نافع، عن عمر بمعناه، أخرجه عبدالرزاق حديث (١٩٨٥٧)، وهذا يؤيد رواية هشام.
-
وروى حصين بن عبدالرحمن، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: «أن رجلا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد» (٣) .
- (٣)«سنن الترمذي» حديث (٢٣٠)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٠٠٤)، و «مسند أحمد» ٤: ٢٢٨.
-
ورواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (٤) .
قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ» (٥) .
وقال ابن أبي حاتم أيضا: «وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة،
ج ١ ص ٥١١عن عاصم، عن زر، عن أبي موسى، قال: «عرش إبليس على البحر وحوله الحيات ... » وذكر الحديث، ورواه أبو عوانة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى.
قال أبي: أبو عوانة أحفظ من حماد» (١) .
وروى أبو أحمد الزبيري، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن يزيد، عن عمر قوله في قصة فاطمة بنت قيس: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت ... » الحديث (٢) .
قال الدارقطني: «رواه يحيى بن آدم -وهو أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه- عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر، لم يقل فيه: وسنة نبينا، وهو الصواب» (٣) .
وروى عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبدالله بن الأشج، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا لم يؤد المرء حق الله -أو الصدقة- في إبله ... » الحديث (٤) .
- (٤)«سنن أبي داود» حديث (٦٨٢)، و «سنن الترمذي» حديث (٢٣١)، و «مسند أحمد» ٤: ٢٢٨.
- (٥)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠٠.
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٥٠.
- (٢)«صحيح مسلم» حديث (١٤٨٠).
- (٣)«علل الدارقطني» ٢: ١٤١، و «سنن الدارقطني» ٤: ٢٦, وانظر: «مسائل أبي داود» ص ٢٥٢, ٤٠٨.
- (٤)«صحيح مسلم» حديث (٩٨٧).
-
ورواه ابن لهيعة، عن بكير، عن صالح بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ج ١ ص ٥١٢سئل الدارقطني عن هذا الاختلاف، فقال: «عمرو بن الحارث أثبت ... » (١) .
- (١)«علل الدارقطني» ١٠: ١٥٦.
-
والأمثلة على هذه القرينة كثيرة جدا، فقد استخدمها النقاد -كما تقدم- في الموازنة بتوسع، وهو أمر بدهي، فإن القرائن كلها تعود إلى معرفة الحافظ المتثبت في هذه الرواية بعينها، فأول ما يتبادر من ذلك درجات المختلفين في أنفسهم، ومعرفة طبقاتهم.
- الثالثة: القوة في الشيخ: