قرينة الكثرة هي أكثر القرائن تداولا، بالتصريح أو التلميح، والترجيح بها أمر بدهي، فالعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد كما قال الشافعي

١٦٠ فقرة، ج ١ ص ٤٩٨

الصفحة ٤ من ٤

  1. وهذه الجوانب لا يمكن حصرها في جميع الرواة، فكل راو له أحواله، والحكم عليه له ملابسات تخصه، وقد رأيت بعض الباحثين يعدد هذه الجوانب، ويذكرها على أنها قرائن للموازنة بين الرواة، وفي رأيي أنها عبارة عن قرينة واحدة، وتحتها صور وتفاصيل، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» (١) الحديث عن بعض هذه الجوانب إما في الراوي مفردا أو مقارنا بغيره، مثل ضعف الراوي في روايته من حفظه، وقوته في كتابه، وضعف روايته عن أهل بلد معين، وقوته عن بقية البلدان, أو العكس، وضعف الراوي إذا جمع بين عدد من شيوخه، وقوته في أول

    ج ١ ص ٥٣٦عمره إلى أن تغير واختلط فضعف في الرواية، أو عكس ذلك لظرف من الظروف.

    1. (١)«الجرح والتعديل» ص ١٠٨ - ١٥٧، ١٧٥ - ١٧٧.
    ج ١ ص ٥٣٥
  2. والباحث مطالب بالتنقيب والبحث في تراجم الرواة، للوقوف على ما يمكن أن يسخره في الموازنة بين الرواة حين يختلفون، وهو مجال واسع لظهور الفروق بين الباحثين، وتفاوت قدراتهم وصبرهم وتتبعهم، فإن كلام النقاد في هذه الجوانب قد لا يتوافر في كتب التراجم المعروفة، فمظنته في كتب السؤالات، وكتب العلل، والتواريخ، وكثير منها يفتقر للفهرسة العلمية الدقيقة، وقد ذكر ابن رجب وهو يتكلم على ما هو الأهم في معرفة علم (العلل) ، واختلاف الرواة، والموازنة بينهم، أن ذلك مبني على معرفة مراتب الثقات، وتفاوتهم، وأيضا على ما يوجد في بعضهم من كلام في بعض الجوانب، وقال عن الأخير: «معرفة قوم من الثقات لا يوجد ذكر كثير منهم أو أكثرهم في كتب الجرح، قد ضعف حديثهم، إما في بعض الأماكن، أو في بعض الأزمان، أو عن بعض الشيوخ دون بعض» (١) .

    1. (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٦٤.
  3. وسأذكر الآن نماذج من صنيع النقاد في استخدام صور من هذه القرينة في النقد والموازنة بين الرواة.

  4. فمن أمثلة ذلك أن أحمد يذكر أن وكيع بن الجراح، وعبدالرحمن بن مهدي, اختلفا في أحاديث عن سفيان الثوري، أحصاها أحمد فوجدها تزيد على ستين موضعا، وأن الصواب فيها في الغالب مع عبدالرحمن بن مهدي، وبعضها رجع

    ج ١ ص ٥٣٧فيها وكيع إلى قول عبدالرحمن، بعد مراجعته لكتابه، وقد علَّل ذلك أحمد -أي كثرة صواب عبدالرحمن بن مهدي- بقوله: «إذا اختلف وكيع، وعبدالرحمن بن مهدي، فعبدالرحمن أثبت، لأنه أقرب عهدا بالكتاب» (١) .

    1. (١)«مسند أحمد» ٥: ١٥٣، ١٥٨، و «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٤٢٧، ٣: ٢٤٦، و «سؤالات أبي داود» ص ١٦٠، و «المعرفة والتاريخ» ٢: ١٧٠ - ١٧١، و «الجرح والتعديل» ٥: ٢٨٩، و «تاريخ بغداد» ١٠: ٢٤٢ - ٢٤٤، والجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١١.
  5. وروى الأعمش، وسفيان الثوري، والمسعودي -من رواية خالد بن الحارث، والنضر بن شميل عنه-، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين قال: «جاء نفر من بني تميم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا بني تميم أبشروا ... » الحديث (٢) .

    1. (٢)«صحيح البخاري» حديث (٣١٩٠ - ٣١٩١)، (٤٣٦٥)، (٤٣٨٦)، (٧٤١٨)، و «سنن الترمذي» حديث (٣٩٥١)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٢٤٠)، و «مسند أحمد» ٤: ٤٢٦، ٤٣١، ٤٣٣، ٤٣٦، و «تفسير الطبري» ١٢: ٤.
  6. ورواه روح بن عبادة، ويزيد بن هارون، وعبدالله بن يزيد المقرئ، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن بريدة الأسلمي، هكذا في رواية روح، وفي رواية يزيد: عن جامع بن شداد، عن ابن بريدة، عن أبيه، وفي رواية المقرئ: عن جامع بن شداد، عن رجل، عن بريدة (٣) .

    1. (٣)«التوحيد» حديث (٥٩٣) وحاشيته، و «العظمة» حديث (٢٠٨)، (٢١١)، و «المستدرك» ٢: ٣٤١.
  7. سئل أحمد عن هذا الاختلاف، وذكر له رواية الأعمش، وسفيان، ورواية

    ج ١ ص ٥٣٨المسعودي فيما رواه عنه يزيد بن هارون، فقال: «الصواب ما رواه الأعمش، وسفيان، وسماع يزيد من المسعودي بآخره» (١) .

    1. (١)«العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٠٢، و «منتخب علل الخلال» ص ٢٦٤, وانظر: «الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات» ص ٢٨٢ - ٢٩٨.
  8. وهناك جوانب أخرى في الرواة تفيد في الموازنة والترجيح غير مشهورة لدى كثير من الباحثين، فمن هذه الجوانب أن يعرف الراوي بكونه يخطئ في أسماء الرواة، وممن عرف عنه ذلك شعبة بن الحجاج، كما تقدم في المبحث الأول من هذا الفصل، وعرف عن غيره أيضا مثل هشيم فقد نص أحمد على أن هشيما يتابع شعبة كثيرا (٢) .

    1. (٢)«منتخب علال الخلال» ص ٢٧٨ - ١٧٩, وانظر: «العلل الكبير» ١: ١٣٥.
  9. ومن أمثلة خطأ شعبة ما نقله إسحاق بن هانئ، قال: «وسئل (يعني أحمد) عن حديث حدث به أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، فقال: كان شعبة حدث به عن خالد بن عرفطة، فلما أخبر أبو عوانة تابع شعبة، فقال: خالد بن عرفطة، وقال: لعل شعبة أحفظ له مني، فلما قيل له: إن شعبة أخطأ فيه، رجع إلى قوله الأول، فقال: خالد بن علقمة.

  10. وسمعت أبا عبدالله يقول: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال، وذكر حديث عبد ربه، عن عمران بن أبي أنس، حديث: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع، وتضرع، وتمسكن» ، فقال هو: أنس بن أبي أنس، وإنما هو الصحيح: عمران بن أبي أنس.

  11. وقيل له: إن ابن لهيعة وافق الليث بن سعد (يعني في تسميته عمران) فقال كلمة، ولم يلتفت إلى قول ابن لهيعة.

    ج ١ ص ٥٣٩
  12. وسمعته -وذكر خطأ شعبة في الأسماء- فقال: جعل سلم بن عبدالرحمن: عبدالله بن يزيد، قيل له: حديث الشكال؟ قال: نعم» (١) .

    1. (١)«مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ٢٤٥.
  13. ونحو هذا رواه أيضا ابنه عبدالله، إلا أنه لم يذكر حديث عمران بن أبي أنس، وفي روايته أيضا أن شعبة يسمي خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة، وليس خالد بن عرفطة، كما ورد في رواية إسحاق، وهذا هو المعروف عن شعبة، فالظاهر أن ما في رواية إسحاق خطأ في النسخة، فإنها كثيرة التحريف.

  14. وزاد عبدالله في روايته: «وأخطأ شعبة في اسم أبي الثورين، فقال: أبو السوار، وإنما هو أبو الثورين، قلت لأبي: من هذا أبو الثورين؟ فقال: رجل من أهل مكة مشهور، اسمه محمد بن عبدالرحمن، من قريش، قلت لأبي: إن عبدالرحمن بن مهدي زعم أن شعبة لم يخطئ في كنيته، فقال: هو السوار (كذا) ، قال أبي: عبدالرحمن لا يدري -أو كلمة نحوها-» (٢) .

    1. (٢)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥١٥، وانظر أيضا: ٢: ١٨١ - ١٨٢، و «مسند أحمد» ٢: ٤٥٧.
  15. وروى الفضل بن زياد أيضا عن أحمد تخطئته لشعبة في حديث أنس بن أبي أنس، وفي حديث الشكال، وفيه قول أحمد: «إنما وهم شعبة في الأسماء» (٣) .

    1. (٣)«المعرفة والتاريخ» ٢: ٢٠٢.
  16. وحديث خالد بن علقمة الذي أشار إليه أحمد تقدم ذكره في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب، وهو حديث يرويه خالد، عن عبد خير الهمداني، عن علي، في صفة الوضوء، وقد رواه جماعة كثيرون عنه فسموه كذلك: خالد بن علقمة، منهم زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وشريك، وقد توارد النقاد على تخطئة شعبة في تسميته (١) .

    1. (١)«سنن أبي داود» حديث (١١١ - ١١٣)، و «سنن الترمذي» بعد حديث (٤٩)، و «سنن النسائي» حديث (٩١ - ٩٤)، و «مسند أحمد» ١: ١٢٣، ١٢٥، ١٣٥، ١٣٩، ١٥٤، و «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥١٥، و «التاريخ الكبير» ٣: ١٦٣، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٦، ٢: ٢٩، و «سنن الدارقطني» ١: ٦٣، و «تهذيب التهذيب» ٣: ١٠٨.
    ج ١ ص ٥٤٠
  17. وأما حديث عمران بن أبي أنس، فيرويه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس -هكذا يسميه شعبة- عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

    1. (٢)«سنن أبي داود» حديث (١٢٩٦)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦١٦)، (١٤٤١)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٣٢٥)، و «مسند أحمد» ٤: ١٦٧.
  18. ورواه الليث بن سعد، وابن لهيعة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، عن الفضل بن عباس (٣) .

    1. (٣)«سنن الترمذي» حديث (٣٨٥)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦١٥)، (١٤٤٠)، و «مسند أحمد» ١: ٢١١، ٤: ١٦٧، و «شرح مشكل الآثار» حديث (١٠٩٦).
  19. وقد توارد النقاد على تخطئة شعبة في هذا الإسناد في مواضع منه، أحدها

    ج ١ ص ٥٤١ما ذكره أحمد، منهم البخاري، وأبو حاتم، والترمذي (١) .

    1. (١)«سنن الترمذي» حديث (٣٨٥)، و «مسند أحمد» ٤: ١٦٧، و «التاريخ الكبير» ٣: ٢٨٣، و «العلل الكبير» ١: ٢٥٨، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ١١٩، ١٣٢، و «الجرح والتعديل» ٢: ٢٨٩.
  20. وأما حديث الشكال فيرويه شعبة، عن عبدالله بن يزيد النخعي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكره الشكال من الخيل» (٢) .

    1. (٢)«صحيح مسلم» حديث (١٨٧٥)، و «سنن النسائي» حديث (٣٥٦٨)، و «مسند أحمد» ٢: ٤٥٧، ٤٦١.
  21. وتابع شعبة سفيان الثوري، لكنه خالف شعبة في اسم شيخه، فسماه سلم بن عبدالرحمن النخعي (٣) ، وهو الذي صوبه أحمد.

    1. (٣)«صحيح مسلم» حديث (١٨٧٥) و «سنن أبي داود» حديث (٢٥٤٧)، و «سنن الترمذي» حديث (١٦٩٨)، و «سنن النسائي» حديث (٣٥٦٩)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٢٧٩٠)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٥٠، ٤٣٦، ٤٧٦.
  22. وأما حديث أبي الثورين فيرويه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عنه, عن ابن عمر: «أنه نهاه عن صيام يوم عرفة» .

  23. ورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عبدالرحمن القرشي -وهو اسم أبي الثورين-.

  24. ورواه شعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي السَّوَّار، وخطأه في ذلك أحمد، وكذا خطأه ابن معين، والبخاري، وأبو حاتم، وغيرهم، وقال يعقوب بن سفيان: «إن لم يكن لقب فقد أخطأ شعبة، إلا أن يكون كان يكنى بكنيتين» (٤) .

    ج ١ ص ٥٤٢وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه شعبة، عن منصور، عن الفيض [عن] ابن أبي حثمة، عن أبي ذر: «أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي عافاني، وأذهب عني الأذى» ، فقال أبو زرعة: وهم شعبة في هذا الحديث، ورواه الثوري فقال: عن منصور، عن أبي علي عبيد بن علي، عن أبي ذر، وهذا الصحيح، وكان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال ... » (١) .

    1. (٤)«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٨٢٣)، و «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٥٢٨، و «التاريخ الكبير» ١: ١٥٠، و «المعرفة والتاريخ» ٢: ٢١١، وكأن في النسخة سقطا، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٢٥، و «الجرح والتعديل» ٧: ٣٢٣، و «كنى الدولابي» ١: ١٣٣، و «تصحيفات المحدثين» ١: ٤٤، و «المؤتلف والمختلف» للدارقطني ١: ٣٣٤، و «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٣٣٩.
    2. (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧، وانظر طرق الحديث في «مصنف ابن أبي شيبة» ١٠: ٤٥٤، و «عمل اليوم والليلة» لابن السني حديث (٢٢)، و «الدعاء» للطبراني حديث (٣٧٢)، و «علل الدارقطني» ٦: ٢٣٥، و «تحفة الأشراف» ٩: ١٩٤، و «جامع المسانيد» ٩: ٤٨٨. وانظر نماذج أخرى لشعبة في «مسند أحمد» ٤: ٣٩٧ حديث (١٩٥٥٠) , طبعة مؤسسة الرسالة, و «مسند الطيالسي» حديث (٥١٣) , و «مسائل أبي داود» ص ٤٤٠، و «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ١٥٧, ١٦٠, ١٧١ - ١٧٢، ١٨٠، ٢٨٧ - ٢٨٨، ٣: ٣٣٦، و «علل المروذي» ص ٥٤، و «مسائل إسحاق بن هانئ» ١: ٤٤، و «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٥٦، و «علل ابن أبي حاتم» (٢٤٢) , (١١٩٢) , (٢٢٩٦)، (٢٨٣١)، (٢٨٣٨)، و «علل الدارقطني» ١١: ٣١٤، و «سنن البيهقي» ٨: ٩٢، و «منتخب علل الخلال» ص ٢٧٨، ٣١٠.
  25. ومن الجوانب أيضا أن يعرف عن الراوي خطؤه في صيغ التحديث, فيبدل العنعنة بالتصريح, ونحو ذلك, فإذا كان الاختلاف من هذا النوع قدمت رواية غيره على روايته, وقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» ذكر بعض هؤلاء (٢) .

    1. (٢)«الاتصال والانقطاع» ص ١١٩, ٢٩٩, وانظر أيضا «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٦٧, (٣٩٨) و«علل ابن أبي حاتم» (٣٤٣)، (٤٠٤) , (٤٠٦) , (١٣٢٤).
  26. ومن الجوانب كذلك أن جماعة من الرواة اشتهر عنهم التصرف في متن الحديث، إما بالاختصار، أو بروايته على المعنى، وقد تقدم في نهاية المبحث الذي قبل مبحثنا هذا ذكر بعضهم وأسباب فعلهم هذا، فإذا خالف من عرف عنه هذا غيره في متن الحديث فالقول قول مخالفه، وتكون قرينة على خطئه.

    ج ١ ص ٥٤٣
  27. وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول أمثلة كثيرة على الرواية بالمعنى, ومن الأمثلة أيضا أن سليمان بن حرب روى عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزقن عن يمينه، ولا عن يساره، ولا بين يديه، ولكن تحت قدمه اليسرى ... » .

    قال ابن أبي حاتم: «أخطأ سليمان بن حرب فيما روى من متن هذا الحديث، بأن لا يبزق عن يساره، فقد حدثنا أبي، عن أبي الوليد، وآدم العسقلاني، عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره تحت قدمه» هكذا متن حديث أبي الوليد، وآدم، عن شعبة ... »، ثم ذكر رواية هشيم للحديث عن القاسم بن مهران كذلك (١) .

    1. (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩١، وقد رواه أيضا جماعة آخرون عن شعبة كرواية أبي الوليد، وآدم، ورواه أيضا إسماعيل بن علية، وعبدالوارث بن سعيد، عن القاسم بن مهران، انظر: «صحيح مسلم» حديث (٥٥٠)، و «سنن النسائي» حديث (٣٠٨)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٠٢٢)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٥٠، ٤١٥، و «مستخرج أبي عوانة» ١: ٤٠٣، و «سنن البيهقي» ٢: ٢٩١.
  28. ويلتحق به ما عرف عن جماعة من الرواة أهل نظر وفقه، أنهم إذا رأوا في الحديث شيئا مشكلا لمعارضته دليلا أقوى منه حذفوه من روايتهم، لاعتقادهم أن هذا الجزء لا يثبت، وربما فعلوه لأسباب أخرى، كوجود علة في بعض الحديث، أو يكون الجزء المسقط ليس من غرضه, كأن يكون موقوفا، وعرف ذلك عن مالك بن أنس، والبخاري، وغيرهما.

    ج ١ ص ٥٤٤
  29. ويوجد هذا الصنيع في الأسانيد، يتصرف الراوي في الإسناد إذا رأى فيه ما يوجب ذلك.

  30. والتصرف في الإسناد والمتن موجود بكثرة، إما ليستقيم الإسناد أو المتن بحسب رأي فاعله، أو لاستضعافه أحد رواته, أو دفاعا عن الراوي الذي يرونه قد أخطأ، وهو ما يعرف بـ (الستر على الواهم) (١) .

    1. (١)ينظر: «صحيح البخاري» حديث (١)، (٤١)، (٤٤٧)، (١١٧٠)، (١٣٩٦)، (١٨٣٨)، (١٦١٦ - ١٦١٧) , (٣٣٦٣ - ٣٣٦٥) , (٥٨٠٥)، (٥٩٨٣)، (٧١٦٥)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٣٣)، (١١٦٢)، و «مسند أحمد» ١: ٣١٥ حديث (٢٨٨٨)، ٦: ١٠٦، ١٧٩ حديث (٢٥٤٦٠ - ٢٥٦٢) ترقيم طبعة مؤسسة الرسالة، و «مسند الحميدي» حديث (١٧)، (٥٤٥)، (٦٨٠) و «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٧٩، و «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٧٦٧ - ٧٦٨، و «المعرفة والتاريخ» ٢: ١٣٧ - ١٣٨، و «المراسيل» ص ١١٥، و «صحيح ابن حبان» حديث (١٨٥١)، و «علل الدارقطني» ٢: ٩، ٦: ٦٣، ١٣: ٤٤٥، و «الفصل للوصل» ١: ٤٥٨ - ٤٦٣, و «منتخب علل الخلال» ص ٢٣٤، و «تقييد المهمل» ١: ٢١٦، ٨١٣، ٢: ٥٩١، ٦٠٥، ٦٧٠، ٧٥٢، ٨١٨، ٨٢٣، ٨٨٠، و «هدي الساري» ص ٣٨١.
  31. فمتى خولف من عرف عنه ذلك فالراجح قول مخالفه، وكذلك إذا عرفنا

    ج ١ ص ٥٤٥هذا في حديث بعينه.

  32. وهذه مسألة دقيقة جدا، أعني تصرف الراوي في الإسناد أو المتن عمدا، بالزيادة، أو النقصان، أو التعديل، بحاجة إلى من يخصها ببحث مستقل، لطرافتها، وعمقها، يوضح في هذا البحث أنواع تصرفاتهم، والأغراض التي دفعتهم لارتكاب هذا الصنيع، ومن يكثر منه، وغير ذلك.

  33. وكذلك ما يعرف عن الراوي من تقصيره بالإسناد, وهو في الأصل تام, كوقف المرفوع, وإرسال الموصول، فيراعى هذا الجانب عند النظر في روايته ورواية مخالفه, وقد تقدم في المبحث الذي قبل هذا ذكر جماعة منهم وأسباب صنيعهم.

    وقال المروذي: «سألته (يعني أحمد) عن هشام بن حسان, فقال: أيوب, وابن عون, أحب إليّ, وحَسَّن أمر هشام, وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها, وقد كان مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه» (١) .

    وقال يعقوب بن شيبة: «حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة, وكل ثقة, غير أن ابن زيد معروف بأنه يقصر في الأسانيد, ويوقف المرفوع, كثير الشك بتوقيه, وكان جليلا, ولم يكن له كتاب يرجع إليه فكان أحيانا يذكر فيرفع الحديث, وأحيانا يهاب الحديث ولا يرفعه» (٢) .

    1. (١)«علل المروذي» ص ٧١.
    2. (٢)«إكمال تهذيب الكمال» ٤: ١٣٩.
  34. وذكر ابن رجب حديثا اختلف في رفعه ووقفه على أبي هريرة, ثم قال: «وليس وقف هذا الحديث مما يضر، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرا ولا يرفعها, والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها» (١) .

    1. (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٠٠.
    ج ١ ص ٥٤٦
  35. ومن دقائق جوانب الترجيح بين الرواة أن يعرف عن الراوي أنه يخطئ في جهة ما في الإسناد أو المتن، فإذا خالف غيره وأتى بضد ما كان يعرف به من الخطأ ترجحت روايته حينئذ، كأن يعرف بوصل المراسيل، أو برفع الموقوفات، فإذا أرسل هو أو وقف ترجحت روايته.

    روى بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: «قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكني أردت كثرة زيارة البيت ... » الحديث (٢) .

    قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه بشر بن بكر ... ، قال أبي: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد، قال: قال علي ... ، قال أبي: لم يذكر عبيد بن عمير، قال أبي: تدل رواية الوليد على أن الصحيح كما رواه، بلا عبيد بن عمير، لأن الوليد رفاع.

    قلت: فإذا لم يوصله الوليد فهو مرسل أشبه، بلا عبيد بن عمير؟ قال: نعم» (٣) .

    1. (٢)«سنن البيهقي» ٥: ٢١.
    2. (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧٨. وقد وصف الوليد بن مسلم بأنه كان رفاعا أيضا أحمد، انظر: «تهذيب الكمال» ٣١: ٩٦، و «تهذيب التهذيب» ١١: ١٥٥.
  36. هذا ما ظهر لي من قرائن في الموازنة والترجيح بين الرواة المختلفين، وهي أربع قرائن، ذكرتها على سبيل الإجمال، ليسهل تصورها وفهمها، مع أن بعضها يمكن تفصيله -كما أسلفت- فتكثر هذه القرائن، والخطب سهل.

    ج ١ ص ٥٤٧
  37. والقرائن الأربع واحدة منها ترجع إلى العدد، أي عدد من روى هذا الوجه، وعدد من روى الوجه الآخر، وثلاث منها ترجع إلى القوة، وهي: الحفظ، والمرتبة في الشيخ المختلف عليه، وما في الراوي من جوانب القوة والضعف.

  38. سلسلة نقد المرويات (٣)

    ج ٢ ص ١
  39. مقارنة المرويات

    بقلم

    إبراهيم بن عبد الله اللاحم

    الجزء الثاني

    مؤسسة الريان ناشرون

  40. جميع الحقوق محفوظة

    الطبعة الأولى

    ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

    ج ٢ ص ٤