إذا لم توجد متابعات لأحد الوجهين، استعيض عن ذلك بالطبقة، بالنظر إلى علوها ونزولها، وبيان وجه ذلك
١١ فقرة، ج ٢ ص ١٢٤
- ج ٢ ص ١٢٤
وهذا لا يتأتى له إلا لو كان مخرج الحديث مختلفا، فأما والسند واحد متحد، فلا ريب في أنه حديث واحد اختلف لفظه، فتكون رواية وهب بن جرير شاذة بالنسبة إلى ألفاظ بقية الرواة، لاتفاقهم دونه على اللفظ الأول، لأنه يبعد كل البعد أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه سمعه باللفظين، ثم نقل عنه ذلك فلم يذكره العلاء لأحد من رواته على كثرتهم إلا لشعبة، ثم لم يذكره شعبة لأحد من رواته على كثرتهم إلا لوهب بن جرير» (١) .
- (١)«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٨٠٦، وقد وقع مثل هذا التغيير في حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، انظر: «تنقيح التحقيق» ١: ٣٧٠، ورسالة «صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - للألباني عرض ومناقشة» لسامي الخليل ص ١٢٣ - ١٢٥.
-
وفي حال عدم وجود متابعات لأحد الوجهين, يستعيض الناظر في الاختلاف عن ذلك بالطبقة, فإذا كان مدار الاختلاف عالي الطبقة كالتابعين, أمكن أن يقال بحفظ الوجهين, كالوصل والإرسال, والرفع والوقف, وأن الراوي قد ينشط وقد يفتر, إذا كانت القرائن تساعد على ذلك, ومثله في زيادات الألفاظ, يترجح قبولها إذا كانت الزيادة على مدار عالي الطبقة.
-
أما إذا وقع ذلك والمدار نازل الطبقة, في الثالثة وما دونها, فيضعف حفظ الوجهين, أو حفظ الزيادات في المتون, وكلما نزلت طبقة المدار زاد استبعاد ذلك.
-
ووجه ما تقدم أن الرواية في الزمن المتأخر عن عصر الصحابة, وعصر التابعين, صارت مقصودة لذاتها, لها قواعدها وأحكامها, والشيخ يقصد من أجل الرواية, وربما سمع بعض أصحابه منه الحديث الواحد عدة مرات،
ج ٢ ص ١٢٥فإذا خالف بعضهم وأتى بشيء ليس عند أصحابه ترجح أنه غير محفوظ, قال ابن معين في علي بن الحسن بن شقيق: «كان عالما بابن المبارك, قد سمع الكتب مرارا, حدث يوما عن ابن المبارك, عن عوف, عن زيد بن شراجة, فقيل له: شراحة, فقال: لا, ابن شراجة, سمعته من ابن المبارك أكثر من ثلاثين مرة» ، ثم قال ابن معين: «وهو الصواب: ابن شراجة» (١) .
- (١)«تاريخ بغداد» ١١: ٣٧١.
-
ومثال ذلك زيادة أبي معاوية, وزيادة وكيع, في حديث عائشة في غسل الجنابة المتقدم آنفا, يبعد جدا أن يفوت هذا الجلة من أصحاب هشام, وينفرد هذان بحفظ ذلك.
-
ومثال ذلك أيضا أن إبراهيم بن طهمان روى عن حسين المعلم, عن عبدالله بن بريدة، عن عمران بن حصين, قال: «كان بي الناصور, فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة, فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا, فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢) .
- (٢)«صحيح البخاري»، حديث (١١١٧) , و «سنن أبي داود» حديث (٩٥١) , و «سنن الترمذي» حديث (٣٧١) , و «سنن ابن ماجه» حديث (١٢٢٣) , و «مسند أحمد» ٤: ٣٢٦.
-
ورواه يحيى القطان, وعبدالوارث بن سعيد, وروح بن عبادة, وعيسى بن يونس, وسفيان بن حبيب, ويزيد بن زريع, وسعيد بن أبي عروبة, وعبدالوهاب الخفاف, وإسحاق الأزرق, ويزيد بن هارون, وأبو خالد الأحمر, وأبو أسامة حماد بن أسامة, وغيرهم, عن حسين المعلم بلفظ: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل قاعدا, فقال: إن صلى قائما فهو أفضل, ومن صلى قاعدا فله نصف
ج ٢ ص ١٢٦أجر القائم, ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد»، ومنهم من ذكر قصة الناصور (١) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (١١١٥ - ١١١٦) , و «سنن أبي داود» حديث (٩٥١) , و «سنن الترمذي» حديث (٣٧١) , و «سنن النسائي» حديث (١٦٥٩) , و «سنن ابن ماجه» حديث (١٢٣١) , و «مسند أحمد» ٤: ٤٣٣, ٤٣٥, ٤٤٢, ٤٤٣, و «مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٥٢, و «تاريخ بغداد» ١١: ٣٧١.
-
فالذي يظهر أن إبراهيم بن طهمان قد رواه بالمعنى, لانفراده بهذا اللفظ وعدم روايته للفظ الآخر, إذ يبعد جدا أن يكون اللفظان عند حسين المعلم, فيروي لإبراهيم بن طهمان أحدهما, ويروي الآخر لسائر أصحابه, على اختلاف بلدانهم ولقيهم له, ووجودهم في زمن تقنين الرواية, والحرص على تتبع الألفاظ.
-
وقد أشار إلى ذلك الترمذي, فقال بعد أن أخرج رواية إبراهيم بن طهمان, وعيسى بن يونس: «ولا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان, وقد روى أبو أسامة وغير واحد عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس» .
-
وكذا أشار إلى هذا ابن الجارود, فإنه أخرجه من طريق إسحاق الأزرق, عن حسين المعلم, ثم قال: «وهكذا حدثنا به محمد بن يحيى, عن يزيد بن هارون, عن حسين المعلم» ، ثم ساق رواية إبراهيم بن طهمان.
-
وذكر الطحاوي عن قوم لم يسمهم أن الحديث مضطرب, لاختلاف لفظيه, ثم دفع الاضطراب بأنهما حديثان مختلفان, لكن الطحاوي لم يذكر في