أمثلة على اختلاف النقاد بسبب تعارض القرائن
٩٦ فقرة، ج ٢ ص ٢١٧
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ٢١٧
وقد نص أحمد وابن معين, على أن الليث بن سعد أصح الناس حديثا عن المقبري، وقدمه أحمد على ابن أبي ذئب (١) .
- (١)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٣٤، ٣٥٠، و «علل الدارقطني» ١٠: ٣٦٤، و «تاريخ بغداد» ١٣: ١٢.
-
وابن أبي ذئب ثبت فيه، كما قال ابن المديني: «الليث، وابن أبي ذئب ثبتان في حديث سعيد المقبري» (٢) .
- (٢)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧٠.
-
وسئل يحيى بن معين عنهما مرة أيهما أثبت في سعيد فقال: «كلاهما» (٣) .
- (٣)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٥٠١.
-
ولعل هذا هو سبب تردد الدارقطني في الترجيح (٤) .
- (٤)وانظر مثالا آخر للدارقطني في الاختلاف على سعيد المقبري أيضا: «علل الدارقطني» ١٠: ٣٦١ - ٣٦٢, و «التتبع» ص ١٨١.
-
وأما أمثلة ما وقع فيه الاختلاف بين النقاد بسبب تعارض القرائن، وربما نص الناقد على مبررات ما ذهب إليه، أو عرف ذلك بالنظر في الاختلاف، وتطبيق قرائن النظر والموازنة, فكثيرة جدا لا تدخل تحت الحصر, وسيأتي شيء منها في الفصل الخامس (النظر في الاختلاف وكلام النقاد) , وأذكر الآن أمثلة لذلك مختصرة.
-
روى سفيان الثوري, عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود في قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ}
ج ٢ ص ٢١٨قال: ليس بخاتم، ولكن خلط» (١) (يعني أن شرابهم ممزوج بالمسك، لا أن المسك يجعل في آخر شرابهم) .
- (١)«تفسير ابن جرير» ٣٠: ١٠٦، و «المستدرك» ٢: ٥١٧.
-
وخالفه جماعة كثيرون، فرووه عن أشعث بهذا الإسناد موقوفا على علقمة (٢) .
- (٢)«تفسير ابن جرير» ٣٠: ١٠٦، من طريق أيوب، والجراح بن مليح، عن أشعث، إلا أن أيوب لم يُسَمِّ زيد بن معاوية.
-
سئل عن ذلك إمامان جليلان، وأجابا بجوابين مختلفين، فروى عمرو بن علي الفلاس, قال: «سمعت سفيان بن زياد يقول ليحيى بن سعيد في حديث أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبدالله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} : يا أبا سعيد خالفه أربعة، قال: من؟ قال: زائدة، وأبو الأحوص، وإسرائيل، وشريك، قال يحيى: لو كانوا أربعة آلاف مثل هؤلاء لكان سفيان أثبت منهم» .
قال عمرو: «وسمعت سفيان بن زياد يسأل عبدالرحمن بن مهدي عن هذا، فقال عبدالرحمن: هؤلاء أربعة قد اجتمعوا، وسفيان أثبت منهم, والإنصاف لا بأس به» (٣) .
- (٣)«المجروحين» ١: ٥١.
-
فبقي يحيى بن سعيد القطان مع حفظ سفيان الثوري وقلة غلطه، وهي مسألة إجماع، وجنح عبدالرحمن بن مهدي إلى ترجيح ما رواه الجماعة، وقد رواه غير هؤلاء الأربعة أيضا.
- ج ٢ ص ٢١٩
وروى شعبة، عن عبدالله بن يزيد النخعي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكره الشكال من الخيل» .
-
ورواه سفيان الثوري، عن سلم بن عبدالرحمن النخعي، عن أبي زرعة به.
-
وقد تقدم هذا الحديث في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وتقدم هناك أن أحمد يخطئ شعبة في تسميته الشيخ: عبدالله بن يزيد النخعي، وأن الصواب ما رواه الثوري, وكذا خطأه يحيى بن معين، قال: «يخطئ فيه شعبة، يقول: عن عبدالله بن يزيد» (١) .
- (١)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٢٣.
-
وخالفهما جماعة من النقاد، فذهبوا إلى تصويب الروايتين، وأن شعبة لم يخطئ، فهو راو آخر، منهم مسلم، فتقدم هناك أنه أخرجه من الوجهين.
-
وكذلك البخاري، والترمذي، قال الترمذي بعد أن ساق رواية شعبة: «سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى سفيان، عن سلم بن عبدالرحمن، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، وكان أحمد بن حنبل يرى أن حديث شعبة وهم، ويقول: إنما أراد شعبة حديث سلم بن عبدالرحمن، قال محمد: وأرى حديث شعبة صحيحا» .
ثم قال الترمذي: «حديت سلم بن عبدالرحمن هو صحيح عندهم ليس فيه كلام, وقد يحتمل أن يكونا روياه جميعا عن أبي زرعة» (٢) .
- (٢)«العلل الكبير» ٢: ٧١٩.
- ج ٢ ص ٢٢٠
وحجة أحمد, وابن معين, ظاهرة، فإن شعبة عرف عنه الخطأ في أسامي الرواة، وفيهم من هو من شيوخه، كما تقدم في المبحث المشار إليه، ومخالفه سفيان الثوري أحفظ منه.
-
وأيضا قد تفرد شعبة بالرواية عن هذا الرجل بهذا الاسم، وتفرد هو بالرواية عن أبي زرعة، وأما سلم بن عبدالرحمن فقد روى عن جماعة، وروى عنه أيضا غير سفيان الثوري (١) .
- (١)«تهذيب الكمال» ١١: ٢٢٧، ١٦: ٣٠٨.
-
ثم إن شعبة روى عن عبدالله بن يزيد النخعي في هذا الحديث زيادة «تسمو باسمي ولا تكنوا بكنيتي» (٢) ، وهذه الزيادة رواها شريك بن عبدالله النخعي أتم منها عن سلم بن عبدالرحمن (٣) , فهذا مخالف آخر لشعبة في التسمية, موافق لسفيان الثوري.
- (٢)«مسند أحمد» ٢: ٤٥٧.
- (٣)«مسند أحمد» ٢: ٣١٢, ٤٥٤.
-
والثوري, وشريك, كوفيان, وأما شعبة فهو بصري, والراوي الذي وقع الاختلاف في تسميته كوفي.
-
وأما حجة البخاري ومن معه فالظاهر أنهم اعتمدوا على أن سفيان وشعبة ثقتان حافظان، ولا يبعد أن يروي الحديث عن أبي زرعة اثنان, يلقى أحدهما الثوري وغيره, ويلقى أحدهما شعبة، وهما جميعا غير مشهورين, رواياتهما قليلة جدا.
- ج ٢ ص ٢٢١
وروى ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم: «أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان يمشي أمام الجنازة» ، قال: «وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك، وأبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، رضي الله عنهم ... » .
ورواه محمد بن بكر البرساني، وأبو زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس, عن الزهري، عن أنس بن مالك: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ... » الحديث.
-
وقد تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وتقدم هناك قول أحمد في نقد حديث أنس، وذكر له رواية محمد بن بكر البرساني: «هذا -يعني الوهم- من يونس، لعله حدثه حفظا» .
-
ففي كلام أحمد أن هذا الوجه محفوظ أيضا عن يونس, وإن كان يهم فيه، وقرينة ذلك أن يونس بن يزيد يخطئ إذا حدث من حفظه، وكتابه صحيح، فلما حدث بالحديث على وجهين ترجح أن ما أصاب فيه كان من كتابه، وما أخطأ فيه كان من حفظه.
-
وأما البخاري فقد سئل أيضا عن رواية محمد بن بكر البرساني فقال: «هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة» ، قال الزهري: «وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة» ، هذا أصح» (١) .
- (١)«سنن الترمذي» حديث (١٠١٠)، وانظر: «العلل الكبير» ١: ٤٠٦.
-
ورأي البخاري هذا معناه أن المحفوظ عن يونس وجه واحد، وهو كونه
ج ٢ ص ٢٢٢عن الزهري مرسلا، وأما كونه عن الزهري عن أنس فخطأ عليه ممن رواه عنه، وهو محمد بن بكر البرساني، وقرينة ذلك ظاهرة، فإن محمد بن بكر هذا صدوق، وقد خالف من هو فوقه بدرجات، خاصة في يونس، وهو عبدالله بن وهب.
-
ويتأيد قول أحمد بأن محمد بن بكر قد توبع، تابعه أبو زرعة وهب الله بن راشد المصري، وهو لا بأس به.
-
وروى وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينام حتى ينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ» (١) .
- (١)«سنن ابن ماجه» حديث (٤٧٤)، و «مسند أحمد» ٦: ١٣٦.
-
ورواه أبو حمزة السكري، ومنصور بن أبي الأسود، وعبدالله بن عبدالقدوس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود (٢) .
- (٢)«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٣٣، و «العلل الكبير» ١: ١٤٩، و «مسند البزار» حديث (١٥٢٠)، و «مسند أبي يعلى» حديث (٥٣٧٠)، و «علل الدارقطني» ٥: ١٦٧.
-
قال الترمذي بعد أن ساق روايتي وكيع وأبي حمزة السكري: «سألت محمدا عن هذا الحديث فقلت: أي الروايات أصح؟ فقال: يحتمل عنهما جميعا، ولا أعلم أحدا من أصحاب الأعمش قال: عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، إلا وكيعا.
-
وسألت عبدالله بن عبدالرحمن (هو الدارمي) فقال: حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله أصح» (٣) .
- (٣)«العلل الكبير» ١: ١٤٩.
-
فقد تعارض هنا قرينتان: الكثرة، والحفظ، فإن وكيعا أحفظ من كل واحد
ج ٢ ص ٢٢٣من الثلاثة المخالفين له، فرأى البخاري أن الأقرب حفظ الوجهين عن الأعمش، وأما الدارمي فرجح بالكثرة.
-
ووافقه الدارقطني، فساق الاختلاف على الأعمش، وعلى من فوقه، ثم قال: «وأشبهها بالصواب حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله» (١) .
- (١)«علل الدارقطني» ٥: ١٦٧.
-
وروى قتادة، عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صوم الدهر، قال: «لا صام ولا أفطر» (٢) .
- (٢)«سنن النسائي» حديث (٢٣٧٩ - ٢٣٨٠)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٧٠٥)، و «مسند أحمد» ٤: ٢٤، ٢٥، ٢٦.
-
ورواه الجريري، عن يزيد بن عبدالله بن الشخير، عن أخيه مطرف، عن عمران بن حصين (٣) .
- (٣)«مسند النسائي» حديث (٢٣٧٨)، و «مسند أحمد» ٤: ٤٢٦، ٤٣١، ٤٣٣.
-
سئل البخاري عن هذا الاختلاف، فقال: «يحتمل عنهما جميعا» (٤) .
- (٤)«العلل الكبير» ١: ٣٥٨.
-
وسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة عن هذا الاختلاف، فأما أبو حاتم فقال: «قتادة أحفظ» ، وأما أبو زرعة فقال: «ما أقف من هذا الحديث على شيء، يحتمل أن يكونا جميعا صحيحين، ومطرف، عن أبيه، ما أدري كيف هو؟ والجريري بآخره ساء حفظه, وليس هو بذاك الحافظ» (٥) .
- (٥)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٣.
- ج ٢ ص ٢٢٤
فهذه ثلاثة آراء في هذا الاختلاف، ترجيح حفظ الوجهين، وهذا للبخاري، وترجيح رواية قتادة وذكر قرينة الترجيح، وهذا لأبي حاتم، والتوقف فيه، مع ذكر احتمال صحة الوجهين، واحتمال ضعفهما جميعا, وبيان سبب ذلك، وهذا لأبي زرعة.
-
وروى إبراهيم بن موسى الرازي، عن عبدالوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب» (١) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (٣٩٩٥)، (٤٠٤١)، و «المعجم الكبير» حديث (١١٩٥٢)، و «دلائل النبوة» ٣: ٥٤، إلا أنه في الموطن الثاني عند البخاري ذكر أحدا بدل بدر، ولابن حجر كلام في إيضاح الوهم الواقع في هذا الإبدال، وفي وجود الحديث كله في الموضع الثاني، فليس موجودا في الروايات المتقنة لـ «صحيح البخاري»، انظر: «فتح الباري» ٧: ٣٤٩.
-
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبدالوهاب الثقفي مرسلا لم يذكر ابن عباس (٢) .
- (٢)«مصنف ابن أبي شيبة» حديث (١٨٥١٤).
-
فأخرج البخاري الإسناد الموصول في «صحيحه» .
-
وأما أبو زرعة فسئل عنه فساق المرسل عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قال: «هذا الصحيح، ولا أدري من أين جاء إبراهيم بن موسى بابن عباس؟ » (٣) .
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٧.