صعوبة التصدي لتصحيح الحديث وتضعيفه، والحاجة إلى نفس طويل في بعض الأحاديث، وذكر أمثلة لذلك
١٠ فقرات، ج ٢ ص ٣٢١
- ج ٢ ص ٣٢١
والنظر في الاختلاف الأعلى فوق مدار الباحث ليس بالأمر اليسير في كثير من الأحيان، فالمتابعون للمدار أو من فوقه إذا وقع منهم أو من أحدهم مخالفة للراجح عن المدار، عاد الباحث بسببه إلى نقطة البداية، فأصبح أمامه اختلاف جديد قد يكون أقوى وأشد وعورة من الاختلاف على مداره الأساس، إذ عليه دراسة المتابعين للمدار أو من فوقه، ودراسة الطرق إليهم، وقد يقع عليهم أو على بعضهم اختلاف نازل، من جنس الاختلاف على المدار الأساس، أو مغاير له، فيلزم الباحث حينئذ تحرير هذا الاختلاف النازل، والوصول فيه إلى نتيجة، فإذا فرغ الباحث من ذلك كله عاد إلى النظر بين روايات هؤلاء المتابعين، وبين ما ترجح عن المدار الاساس عنده.
-
ومثل هذه القضية أنبه عليها ليدرك الباحث مدى صعوبة التصدي لتصحيح الحديث وتضعيفه، والحاجة إلى نفس طويل في بعض الأحاديث، والباحث إذا كان نفسه قصيرا وعالج قضيته الأساس، ظن أنه في حِلّ من تناول ما أمامه من قضايا لا مناص له من معالجتها، فيطلق الكلام على عواهنه، ويصل إلى نتائج حاسمة لم يحكم النظر فيها، وسيأتي لهذه القضية نظائر في مباحث لاحقة.
-
ومن الأمثلة على ذلك حديث سلمان بن عامر المتقدم آنفا، فإذا كان مدار الباحث الأساس هو شعبة، فسينتقل بعد تحرير الراجح عن مداره إلى المتابعين لشعبة، وقد خالفوا شعبة في الإسناد، فزادوا فيه الرباب بنت صليع، وعليه فسينظر الباحث في هذا الاختلاف، فإذا فرغ منه انتقل إلى المتابعين لشيخهم عاصم الأحول، وهم: ابن عون، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، وسيجد أن
ج ٢ ص ٣٢٢منهم من اختلف عليه في ذكر الرباب وحذفها، ومنهم من اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، فالباحث قبل أن ينظر بين روايتهم ورواية عاصم الأحول ملزم بتحرير الاختلاف عليهم، من جهة ذكر الرباب، ومن جهة الرفع والوقف، فإذا حرر ذلك عاد إلى الموازنة بين ما تحرر عن كل منهم، وبين ما صفى له عن عاصم الأحول، وهو الموجود في إسناده الأساس.
-
ومن أمثلة ذلك أيضا حديث جابر مرفوعا: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة ... » ، الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو هناك مثال لاستخدام البخاري للترجيح بالقدر المشترك, في نظره في الاختلاف على عمرو بن دينار في رفع الحديث ووقفه.
-
ولما فرغ البخاري من النظر في رواية عمرو بن دينار ورجح وقف الحديث مع الانقطاع في إسناده, انتقل إلى الرويات عن جابر, فذكر رواية حماد بن سلمة, عن أبي الزبير, عن جابر, وقد وقع فيها اختلاف على حماد بن سلمة, فاحتاج إلى معالجته, ورجح فيها أيضا وقف الحديث على جابر, وسيأتي قريبا في المبحث الثالث سبب ترجيح البخاري لرواية الوقف.
وروى المسعودي -وهو صدوق اختلط- عن محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله ... » الحديث.
-
فرواه الجماعة من أصحاب المسعودي -ومنهم ابن المبارك، ويزيد بن هارون،
ج ٢ ص ٣٢٣وأبو داود الطيالسي، وعبدالله بن يزيد المقرئ، وغيرهم- عن المسعودي مرفوعا (١) .
- (١)«سنن الترمذي» حديث (١٦٣٣)، (٢٣١١)، و «سنن النسائي» حديث (٣١٠٨)، و «مسند أحمد» ٢: ٥٠٥، و «مسند الطيالسي» حديث (٢٥٦٥)، و «المستدرك» ٤: ٢٦٠، و «شرح السنة» حديث (٢٦٢٠)، (٤١٦٨).
-
ورواه وكيع، ويونس بن بكير، عن المسعودي موقوفا على أبي هريرة (٢) .
- (٢)«الزهد» لوكيع حديث (٢٣)، و «الزهد» لهناد بن السري حديث (٤٦٠).
-
وقد تابع المسعودي ثلاثة رووه عن محمد بن عبدالرحمن: مسعر بن كدام، وسفيان بن عيينة, وعمر بن علي المقدمي، إلا أن مسعرا اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، فرفعه عنه سفيان بن عيينة، ووقفه عنه وكيع، ومحمد بن بشر العبدي، وجعفر بن عون.
-
وابن عيينة اختلف عليه أيضا، فمرة يرويه عن محمد بن عبدالرحمن مباشرة، وهذه رواية يعقوب بن حميد، ومرة يروي عنه بواسطة مسعر، وهذه رواية الحميدي (٣) .
- (٣)«سنن النسائي» حديث (٣١٠٧)، و «الزهد» لوكيع حديث (٢٣)، و «مصنف ابن أبي شيبة» حديث (١٦٥٥٧)، و «الترغيب في فضائل الأعمال» لابن شاهين حديث (٢٢٤)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٤٦٠٧).
-
فالباحث إذا فرغ من مداره الأساس -وهو المسعودي- وخلص إلى أن الراجح عنه رفع الحديث -مثلا- ينتقل إلى رواية المتابعين له، وسيجد أن مسعرا قد خالفه في بعض الروايات عنه وهي المشهورة عن مسعر فوقف الحديث، فارتفع