أحوال نتيجة النظر في الاختلاف الأعلى
٢٨ فقرة، ج ٢ ص ٣٢٤
- ج ٢ ص ٣٢٤
المدار الآن إلى شيخ المسعودي، وهو محمد بن عبدالرحمن، فينشئ الباحث الآن نظرا جديدا، فيقوم بدراسة هؤلاء الثلاثة الجدد، مسعر، وسفيان بن عيينة، وعمر بن علي، يحرر درجتهم في أنفسهم، ويدرس الطرق إليهم، ومن كان عليه اختلاف منهم -وهما مسعر، وسفيان بن عيينة- يقوم بدراسة هذا الاختلاف، ويصل فيه إلى نتيجة، ثم يخلص إلى نتيجة نهائية في الاختلاف على محمد بن عبدالرحمن.
-
وعمر بن علي المقدمي شديد التدليس، مشهور به، وأما سفيان بن عيينة فالراجح عنه أنه يرويه عن محمد بن عبدالرحمن بواسطة مسعر، وذلك لجلالة راويه عنه وهو الحميدي، فهو من أخص أصحاب ابن عيينة، وأما راوي الوجه الآخر، وهو يعقوب بن حميد, فضعيف.
-
وإذ رجع الأمر إلى رواية مسعر فالأكثرون وقفوه عنه، وهم وكيع، ومحمد بن بشر، وجعفر بن عون، في مقابل رواية سفيان بن عيينة المرفوعة، فالراجح عن مسعر وقف الحديث.
-
وحينئذ فتكون المقارنة بين المسعودي الذي ترجح عنه الرفع, ومسعر الذي ترجح عنه الوقف، ولا شك في تقديم مسعر، وذلك لجلالته وإتقانه، فكان يسمى لشدة إتقانه بالمصحف.
-
والأمثلة السابقة توضح أن نتيجة النظر في الاختلاف الأعلى قد تكون متوافقة مع الترجيح في الاختلاف الأساس، فالراجح هنا هو الراجح هناك، فيكون الترجيح في الاختلاف الأساس قد ازداد قوة بما ترجح عن الراوي
ج ٢ ص ٣٢٥الأعلى الذي وقع عليه اختلاف، وقد تقدم في مبحث مستقل وهو المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، أن الباحث يستعين بالمتابعات لمداره ومن فوقه لتأكيد ترجيحه في الاختلاف الذي ينظر فيه.
-
فإذا نظر في المتابعات لمداره أو من فوقه ووجد فيها اختلافا، ونظر فيه، وانتهى إلى ترجيح متوافق مع ترجيحه في الاختلاف على مداره، صارت هذه متابعات للوجه الراجح، وكأن الخلاف فيها لم يوجد.
-
وقد يكون المرجوح في الاختلاف الأساس هو الراجح في الاختلاف الأعلى، أو يترجح وجه جديد لم يكن أصلا في الاختلاف الأساس.
-
والعبرة في كل هذا بالراجح في الاختلاف الأعلى فهو الذي يستمر الباحث في النظر فيه، ويدرس باقي إسناده، كما سيأتي في الفقرة الخامسة، وأما الوجه المرجوح فيتعامل معه على ما مضى في الحديث عن الوجه المرجوح في الاختلاف الأساس.
-
ويوصى الباحث هنا بالتأكد من تطابق نوع الاختلاف على مداره الأساس, مع الاختلاف في الطبقة العليا، إذا أراد أن يرجح به, فإنه إذا لم يكن متطابقا في النوع، فلا يستعان به في الترجيح بإطلاق، وهذا أمر قد يفوت على الباحث، خاصة في حال وجود نوعين من الاختلافات على المدار الأساس، والترجيح في الطبقة العليا موافق لأحد النوعين، لكن ليس هو الذي ينظر فيه الباحث, وهذا من المواضع الدقيقة في معالجة الاختلافات.
ج ٢ ص ٣٢٦مثال ذلك أن محمد بن عوف الحمصي روى عن الهيثم بن جميل, عن عثمان بن واقد، عن فرقد السبخي, عن مرة الطيب, عن أبي بكر الصديق, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يدخل الجنة سيئ الملكة ... » الحديث.
-
ورواه سعدان بن يزيد البزاز, عن الهيثم بن جميل, عن عثمان بن مقسم, عن فرقد السبخي, عن مرة الطيب مرسلا (١) .
ذكر لأحد النقاد رواية محمد بن عوف, فقال: «أخطأ من قال في هذا الحديث: عثمان بن واقد, إنما هو عثمان بن مقسم البُريّ ... » .
- (١)رواية سعدان أخرجها الخرائطي في «مكارم الأخلاق» حديث (٤٢٣).
-
فالمدار في هذا الاختلاف على الهيثم بن جميل, في تسمية شيخه, هل هو عثمان بن واقد, أو هو عثمان بن مقسم؟ .
-
تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف, وكلام الناقد عليه, ووجد له طرقا أخرى إلى فرقد السبخي, فرواه عنه جماعة -منهم همام بن يحيى- عن مرة الطيب, عن أبي بكر (٢) , ورواه معمر عنه, عن مرة الطيب مرسلا (٣) .
- (٢)«سنن الترمذي» حديث (١٩٤١) , و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٦٩١)، و «مسند أحمد» ١: ٤ ,٧, ١٢, و «الكامل» ٦: ٢٠٥٣.
- (٣)«مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٠٩٩٣).
-
ورجح الباحث في الاختلاف على الهيثم بن جميل ما رجحه الناقد, وهو أن شيخه عثمان بن مقسم, ولما كانت الرواية التي وقف عليها الباحث مرسلة، قال في إحدى قرائن الترجيح: «روى الحديث عن فرقد: عثمان بن مقسم, وهو وإن
ج ٢ ص ٣٢٧كان ضعيفا إلا أنه قد تابعه معمر، عن فرقد, عن مرة, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا, ومعمر مقدم على من رواه عن فرقد موصولا, فإنهم وإن كانوا أربعة فإن معمرا يفوقهم في المرتبة».
-
كذا صنع الباحث, لم يحكم النظر في الاختلاف على فرقد وصلا وإرسالا, ففرقد السبخي ضعيف جدا, والاضطراب منه, والذين رووه عنه موصولا لم يخطئوا عليه, ولو افترضنا أن الراجح عن فرقد هو المرسل لم يصح الترجيح به في الاختلاف على الهيثم بن جميل في تسمية شيخه.
-
فصنيعه فيه خلط شديد بين النظر في الاختلاف على الهيثم بن جميل في تسمية شيخه، وبين الاختلاف على فرقد وصلا وإرسالا.
-
وفي بعض الأحاديث تكون نتيجة النظر في الاختلاف الأساس رجحان وجه واحد عن المدار، فإذا انتقل الباحث إلى الاختلاف الأعلى ترجح عنده حفظ وجهين, وكثيرا ما يكون أحد الوجهين لم يمر أصلا على المدار الأساس، فهو وجه جديد.
-
فإذا وقع هذا له لم يعد ينظر في راجح ومرجوح بالنسبة لهذين الوجهين، فكلاهما محفوظ، وليس عنده وجه راجح، وعليه فطريقة النظر في هذين الوجهين لا تدخل معنا في هذا المبحث، إذ هي حالة ليس فيها وجه واحد راجح، وسيأتي كيفية النظر في حال وجود وجهين راجحين أو أكثر في المبحث التالي.
-
ومن أمثلة وجود وجهين راجحين عن مدار أعلى ما رواه المعتمر بن
ج ٢ ص ٣٢٨سليمان، عن أبيه سليمان بن طرخان، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب قال: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة» ، وقال قيس بن عباد: «وفيهم أنزلت: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة -أو أبوعبيدة- بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة» (١) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (٣٩٦٥)، (٤٧٤٤)، و «دلائل النبوة» ٣: ٧٣.
-
ورواه يزيد بن هارون، وهشيم بن بشير، وعيسى بن يونس، وحماد بن مسعدة, عن سليمان التيمي به، فذكروا قول قيس بن عباد في نزول الآية، دون قول علي (٢) .
- (٢)«مصنف ابن أبي شيبة» حديث (١٨٥٥)، و «شرح مشكل الآثار» ٤: ٣٦٤، و «علل الدارقطني» ٤: ١٠١، و «دلائل النبوة» ٣: ٧٣، و «فتح الباري» ٨: ٤٤.
-
ورواه عبدالوهاب بن عطاء، ومروان بن معاوية، وعبثر بن القاسم، وغيرهم, عن سليمان التيمي، فذكروا قول علي، دون قول قيس بن عباد.
-
وهذه الأوجه ليس بينها اختلاف حقيقي، فمنهم من جمع بين النصين، ومنهم من اقتصر على أحدهما.
وقد رواه يوسف بن يعقوب الضبعي، وعون بن كهمس، وأبو جعفر الرازي، عن سليمان التيمي، وجعلوا قصة نزول الآية من قول علي، قال: «فينا نزلت هذه الآية ... » (٣) .
- (٣)«صحيح البخاري» حديث (٣٩٦٧)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٦٥٠)، (١١٣٤٢)، و«شرح مشكل الآثار» ٤: ٣٦٠, و «الإيمان» حديث (٢٦٣) , و «المستدرك» ٢: ٣٦٨.
- ج ٢ ص ٣٢٩
والراجح قول من جعلها من قول قيس بن عباد مرسلة، فإن المعتمر بن سليمان، ويزيد بن هارون، وهشيم، وعيسى بن يونس، وحماد بن مسعدة، كل واحد منهم فوق الثلاثة الذي وصلوا الحديث، فجعلوه من قول علي، يضاف إلى ذلك أن المعتمر بن سليمان ضبطه عن والده، ففصل قول علي من قول قيس بن عباد.
-
فهذا هو النظر في الاختلاف على المدار الأساس, وهو سليمان التيمي.
-
وقد تابع سليمان التيمي في رواية قصة الآية أبو هاشم الرماني الواسطي، فرواه عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، لكن اختلف عليه أيضا في قائل هذه الجملة في نزول الآية، فقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي، وقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر، وقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد مرسلا، وقيل عنه، عن أبي مجلز مرسلا (١) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (٣٩٦٦)، (٣٩٦٨ - ٣٩٦٩)، (٤٧٤٣)، و «صحيح مسلم» حديث (٣٠٣٣)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٠٢٣)، (٨٦٤٨ - ٨٦٤٩)، (١١٣٤٣)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٢٨٣٥)، و «مسند الطيالسي» حديث (٤٨٣)، و «تفسير الطبري» ١٧: ١٣٢، و «المستدرك» ٢: ٣٦٨ و «هدي الساري» ص ٣٧٢.
-
والراجح في الاختلاف على أبي هاشم هو جعله عن أبي ذر، فهذا هو الذي رواه عنه الجماعة، ومنهم سفيان الثوري، وشعبة، وهشيم بن بشير، وغيرهم، وفي روايتهم ما يدل على حفظ ذكر أبي ذر، ففيها قول قيس بن عباد: «سمعت
ج ٢ ص ٣٣٠أبا ذر رضي الله عنه يقسم: نزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الستة ... ».
-
وهذه النتيجة في تحرير الاختلاف على سليمان التيمي، ثم على أبي مجلز، طريقة البخاري، والبزار، فيما يظهر من عرضهما للاختلاف حين أخرجا الحديث، وكذلك نص عليها الدارقطني في «العلل» .
-
وذهب الدارقطني في «التتبع» إلى القول باضطراب الحديث، بعد أن ساق بعض أوجه الاختلاف فيه، وقوله الذي وافق فيه البخاري, والبزار أولى، فالقول بحفظ وجهين عن قيس بن عباد ممكن جدا بلا تكلف، فسليمان التيمي، وأبي هاشم الرماني، ترجح عن كل واحد منهما بقوة وجه واحد، والذي يظهر أن الوجهين محفوظان عن أبي مجلز، بالنظر إلى ثقة رواييهما، وجلالتهما، وبالنظر كذلك إلى صفة روايتهما، ففي رواية أبي هاشم، عن أبي مجلز قول قيس بن عباد: سمعت أبا ذر يقسم أن هذه الآية نزلت فيهم، فهذا يدل على أن ذكر أبي ذر محفوظ، وأما رواية سليمان فإن قيس بن عباد يذكر لأبي مجلز قول علي: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة» ، ثم ذكر قيس قصة نزول الآية مرسلة، لأنه لم يسمع ذلك من علي، وإنما سمعها من أبي ذر (١) .
- (١)انظر: «علل الدارقطني» ٤: ١٠٠ - ١٠١، و «التتبع» ص ٤٧٤، و «هدي الساري» ص ٣٧٢، ورسالة «الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» حديث (٢٥).
-
والشاهد هنا أن الذي ترجح في الاختلاف الأساس -وهو الاختلاف على سليمان التيمي- وجه واحد وهو الإرسال، ثم ترجح في الاختلاف الأعلى -وهو