١٠ - أن الباحث يتعود على تحليل النصوص، والتمعن فيها، وفحصها، ويتربى على تقبل الرأي المخالف

١٢١ فقرة، ج ٢ ص ٤٤٢

الصفحة ٢ من ٤

  1. الأمر الثالث: يتأنى الباحث كثيرا حين يريد نقل نص ناقد في الاختلاف، ويحذر من أن ينسب قولا لغير قائله، ويوصى الباحث بالتدقيق والنظر في سياق النص، خشية أن يقع في الخطأ، فيجمع بين تقويل أحد قولا لم يصدر عنه، وتفويت نسبة قول لصاحبه بنسبته لغيره، وقد يكون أمكن في هذا العلم، أو أقدم طبقة.

    ج ٢ ص ٤٥١
  2. ولا سبيل إلى تفادي الوقوع في الخطأ إلا بالتدقيق والتأني، والبعد عن الاستعجال، وأيضا التعرف على طبيعة المصادر، وخصائص كل منها.

  3. فهناك بعض المصادر يروي التلميذ جل مادته عن شيخ له، لكنه يورد فيه أيضا عن شيوخ آخرين كلاما، أو يروي عمن تقدمه من غير طريق شيخه، كما في «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية ابنه عبدالله، فعبدالله يروي جله عن والده،

    ج ٢ ص ٤٥٢ومن شيوخ والده يحيى القطان، وربما روى عبدالله عن يحيى بن معين، وربما روى عن يحيى القطان بواسطة بعض شيوخه غير أبيه، كأبي بكر بن خلاد، فيقع الاشتباه على الباحث.

  4. وبعض المصادر جرى فيه مؤلفه على سرد النصوص، فيختلط ما يرويه بإسناده عن شيوخه أو من فوقهم، بما يقوله هو، فيشق أحيانا تمييز صاحب القول، ويحتاج إلى التمعن في السياق، وقد يحتاج الباحث إلى الاستعانة بأمر خارجي، كما في «المعرفة والتاريخ» ليعقوب بن سفيان.

  5. وجرى بعض المؤلفين على أن يذكر قبل كلامه اسمه، أو كنيته، وقد يكون هذا من الراوي للكتاب عنه، وذلك عوضا عن قوله: (قلت) ، أو (قال المؤلف) ، وربما راوح بين الاسم والكنية، كما يفعل ابن حزم في «المحلى» ، تارة يقول: قال علي، وتارة يقول: قال أبو محمد، فيشتبه على الباحث، ويظن أن المؤلف ينقل عن غيره، خاصة إذا وافق الاسم أو الكنية اسم أو كنية ناقد آخر.

  6. ومن هؤلاء ابن خزيمة يسبق كلامه عبارة: قال أبو بكر، فربما قال الباحث: ونقل ابن خزيمة عن شيخه أبي بكر كذا، وابن خزيمة هو أبو بكر، فهو صاحب القول.

  7. ومن هؤلاء أيضا: ابن حبان، يسبق كلامه بقوله: قال أبو حاتم، وهي كنيته، فيظن الباحث أنه ينقل عن أبي حاتم الرازي.

  8. وكذلك البيهقي، كثيرا ما يرد عنده: قال أحمد، أو: قال الشيخ أحمد، فيظن أنه ينقل عن أحمد بن حنبل، والكلام للبيهقي، فاسمه أحمد بن الحسين.

  9. والباحث ينبه على هذا في النقل عن النقاد في جميع مسائل هذا العلم، وذكرته هنا لمناسبة الحديث عن ضرورة الاهتمام بكلام النقاد في الاختلاف، ومن الاهتمام به: التدقيق في صاحب القول من هو؟

    ج ٢ ص ٤٥٣
  10. ونبهت عليه أيضا لما رأيت من خطأ بعض الباحثين في نسبة الأقوال إلى أصحابها.

  11. فمن ذلك أن أبا نعيم الفضل بن دكين روى عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، عن عبدالله بن موهب، قال: سمعت تميما الداري يقول: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما السنة في الرجل من أهل الكفر يسلم على يدي الرجل من المسلمين ... » (١) .

    قال أحد الباحثين في دراسة هذا الإسناد: «قول عبدالله بن موهب هنا: سمعت تميما الداري، خطأ، خطأه فيه أبو نعيم نفسه راوي الحديث، فقال -فيما نقله عنه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٤٣٩ - : وهذا خطأ، ابن موهب لم يسمع تميما، ولا لحقه».

    1. (١)«مسند أحمد» ٤: ١٠٣، و «المعرفة والتاريخ» ٢: ٤٣٩، و «شرح مشكل الآثار» حديث (٢٨٥٢)، و «معرفة الصحابة» لأبي نعيم حديث (١٢٦٦)، و «سنن البيهقي» ١٠: ٢٩٦.
  12. كذا نقل الباحث، ولم يحكم هذا النقل، فصاحب القول هو يعقوب بن سفيان، يوازن بين ما رواه أبو نعيم، عن عبدالعزيز بن عمر، بذكر تصريح عبدالله بن موهب بالسماع من تميم، وبين ما رواه يحيى بن حمزة الدمشقي، عن عبدالعزيز بن عمر، بإدخال واسطة بين عبدالله بن موهب، وتميم، وهو قبيصة

    ج ٢ ص ٤٥٤بن ذؤيب، وقد قال يعقوب بعد أن ذكر رواية يحيى بن حمزة: «الحديث حديث يحيى بن حمزة» .

  13. وقد كان أبو نعيم إذا ذكر له تخطئة بعض النقاد للتصريح بالتحديث يغضب ويقول: أنا سمعت عبدالعزيز بن عمر يذكر هذا، ويقول: من يحيى بن حمزة حتى يحتج علي بروايته؟ .

  14. وقد روى الحديث مع أبي نعيم جماعة كثيرون، وافقوه على إسقاط قبيصة بن ذؤيب، ووافقه وكيع على التصريح بالتحديث، غير أن جمهور النقاد على أن عبدالله بن موهب لم يسمع من تميم، وإن لم يعتمدوا رواية يحيى بن حمزة في تسمية الواسطة، وكأن غضب أبي نعيم لظنه أن من يخطئ التصريح بالتحديث يحمله هو الخطأ (١) .

    1. (١)ينظر: «سنن أبي داود» حديث (٢٩١٨)، و «سنن الترمذي» حديث (٢١١٢)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٤١٢، ٦٤١٣)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٢٧٥٢)، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٩٨٧٢)، و «سنن سعيد بن منصور» حديث (٢٠٣)، و «مصنف ابن أبي شيبة» ١١: ٤٠٨، (١٦٢٧١)، و «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٥٣١، و «التاريخ الكبير» ٥: ١٩٨، و «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٥٧٠، و «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٥٢، و «مسند أبي يعلى» حديث (٧١٦٥)، و «الجرح والتعديل» ٥: ١٧٤، و «المعجم الكبير» حديث (١٢٧٢)، (١٢٧٣)، و «سنن الدارقطني» ٤: ١٨١، و «سنن البيهقي» ١٠: ٢٩٧، و «تاريخ بغداد» ٧: ٥٣.
  15. وقصة الاختلاف في هذا الحديث، وكلام النقاد في معالجته طويلة، والشاهد هنا خطأ الباحث فيما نقله عن أبي نعيم، فصار أبو نعيم عنده يخطئ روايته، وذلك لأن الباحث هجم على النص، ولم يتمعن في سياقه، وأيضا لم يقف على

    ج ٢ ص ٤٥٥المصدر الذي ذكر رأي أبي نعيم صراحة.

  16. ونقل أحد الباحثين عن أبي حاتم رأيه في الحديث الماضي في «الاتصال والانقطاع» (١) ، وهو حديث: «الإمام ضامن ... » ، وقد رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، وترجيح أبي حاتم لرواية الأعمش، ثم ذكر الباحث نقلا عن «إتحاف المهرة» ١٦/ ١٠٧٠، ١٧/ ٦٥١، أن أبا حاتم قال: «سمعه أبو صالح من عائشة، وأبي هريرة» ، وذكر الباحث أن رأي أبي حاتم هذا يخالف رأيه الأول.

    1. (١)«الاتصال والانقطاع» ص ٣٥٠.
  17. كذا صنع الباحث، لم يتمعن في سياق النص الموجود في «الإتحاف» ، فابن حجر ذكره بعد عزو الحديث إلى «صحيح ابن حبان» ، فأبو حاتم عنده إذن هو أبو حاتم بن حبان، وليس أبا حاتم الرازي، والنص موجود في «صحيح ابن حبان» .

    وتعرض أحد الباحثين لما رواه جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «قيل لعائشة: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع في بيته؟ ... » (٢) ، ورواه آخرون عن هشام، عن رجل، عن عائشة (٣) .

    قال الباحث: «ورجح يحيى القطان هذه الرواية، فيما نقله عنه ابن معين في «تاريخه» ١/ ٢٨٧ (١٢٢٠) ، فقال: هو مرسل، هشام، عن رجل ... ».

    ج ٢ ص ٤٥٦والمرجح هو يحيى بن معين نفسه، وليس القطان، ففي «التاريخ» : «سألت يحيى عن حديث هشام بن عروة ... » ، فالسائل هو الدوري، والمسؤول هو ابن معين.

    1. (٢)«مسند أحمد» ٦: ١٠٦، ١٢١، ١٦٧، ٢٦٠، و «طبقات ابن سعد» ١: ٣٦٦، و «مسند أبي يعلى» حديث (٤٦٥٣).
    2. (٣)«مسند أحمد» ٦: ٢٤١، و «أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -» حديث (١١).
  18. وتعرض باحث آخر لحديث عائشة في قصة زيارته - صلى الله عليه وسلم - لأهل البقيع، وقد اختلف فيه على ابن جريج، وعلى بعض من دونه، في تسمية شيخه، وفي إسقاطه (١) ، وقال: «وقد رجح المزي في «تحفة الأشراف» ١٢/ ٣٠٠، رواية حجاج، على رواية ابن وهب، فقال: حجاج في ابن جريج أثبت عندنا من ابن وهب».

    1. (١)«صحيح مسلم» حديث (٩٧٤)، و «سنن النسائي» حديث (٢٠٣٦)، (٣٩٧٣ - ٣٩٧٤)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢١٦٤)، (٧٦٨٥)، (٨٩١١ - ٨٩١٢)، و «مسند أحمد» ٦: ٢٢١، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٧١٢)، و «الدعاء» للطبراني حديث (١٢٤٦)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٧١١٠)، و «مستخرج أبي نعيم» حديث (٢١٨٧ - ٢١٨٨).
  19. وهذا الكلام إنما هو للنسائي، ينقله عنه المزي، قاله النسائي بعد أن أخرج الحديث (٢) .

    1. (٢)وانظر: «السنن الكبرى» للنسائي طبعة مؤسسة الرسالة، حديث (٨٨٦٢).
  20. ومما له صلة بهذا أن يتقن الباحث الإسناد إلى صاحب النص، إن أراد ذكره، أو ذكر جزء منه، والخطأ في هذا وإن لم يكن بقدر الخطأ في نسبة القول إلى غير صاحبه، غير أنه مؤشر -إذا كثر من الباحث، أو انضم إلى غيره من الأخطاء- على عجلة الباحث، وعدم إنعامه النظر فيما يثبته من معلومات.

  21. ذكر أحد الباحثين في كلامه على حديث الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان الكلابي: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا ضحاك ما طعامك؟ ... » الحديث (١) ، ما لفظه: «نقل ابن المبارك، عن يحيى بن صاعد قوله: وقد روي هذا الحديث عن أبي بن كعب، ووقفه بعض، ورفعه بعض» ، نقل هذا من «الزهد» لابن المبارك (٢) .

    1. (١)حديث الضحاك أخرجه أحمد ٣: ٤٥٢.
    2. (٢)وهو في «الزهد» حديث (٤٩٢). وحديث أبي أخرجه أحمد ٥: ١٣٦، ومداره على الحسن أيضا.
    ج ٢ ص ٤٥٧
  22. وابن المبارك مات قبل أن يولد يحيى بن صاعد بزمن طويل، وإنما اشتبه على الباحث، لكون يحيى بن صاعد يروي كتاب «الزهد» لابن المبارك، عن الحسين بن الحسن المروزي، عن ابن المبارك، وللحسين بن الحسن في أثناء الأحاديث زوائد كثيرة يرويها من غير طريق ابن المبارك، ولابن صاعد زوائد كذلك، يرويها من غير طريقهما، وله أيضا كلام على بعض الأحاديث، فالذي نقل كلام ابن صاعد هما راويا الكتاب عن ابن صاعد: أبو عمر بن حيويه، وأبو بكر الوراق.

  23. وذكر أحد الباحثين ما رواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: «جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» (٣) .

    1. (٣)«صحيح البخاري» حديث (٢٢١٣ - ٢٢١٤)، (٢٢٥٧)، (٢٤٩٥ - ٢٤٩٦)، (٦٩٧٦)، و «سنن أبي داود» حديث (٣٥١٤)، و «سنن الترمذي» حديث (١٣٧٠)، و «سنن ابن ماجه» (٢٤٩٩)، و «مسند أحمد» ٣: ٢٩٦، ٣٧٢، ٣٩٩.
  24. ثم ذكر الباحث كلام أبي حاتم على هذا الحديث، وأنه يرى إدراج آخر الحديث: «فإذا وقعت الحدود ... » ، ثم قال الباحث: «روى ابن عبدالبر في «التمهيد» (٧/ ٤٥) بإسناده إلى أبي زرعة، قال: قال لي أحمد بن حنبل: رواية معمر، عن الزهري، في حديث الشفعة، حسنة، قال: وقال لي يحيى بن معين: رواية مالك أحب إلي وأصح في نفسي مرسلا: عن سعيد، وأبي سلمة».

    ج ٢ ص ٤٥٨
  25. وظاهر من سياق كلام الباحث ومناسبته أنه يرى أن أبا زرعة هذا هو الرازي، وإنما هو أبو زرعة الدمشقي، والنص موجود في «تاريخه» أتم منه (١) .

    1. (١)«تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٦٣ - ٤٦٤. وفي الحديث اختلاف كثير على الزهري، ينظر فيه: «علل الدارقطني» ٤: ٢٧٦، ٩: ٣٣٧.
  26. الأمر الرابع: كلام النقاد في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين الرواة مصدره الأساس كتب العلل، سواء منها الكتب الشاملة، مثل «العلل الكبير» للترمذي، و «علل ابن أبي حاتم» ، و «علل الدارقطني» ، أو الكتب التي قصد بها أصحابها نقد كتاب معين، أو مرويات راو معين، مثل «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى الذهلي، و «علل الأحاديث في صحيح مسلم» لأبي الفضل بن عمار الشهيد، و «التتبع» للدارقطني، و «الأحاديث التي خولف فيها مالك» للدارقطني أيضا.

  27. ويوجد كذلك في كتب السؤالات الموسعة، مثل «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية ابنه عبدالله، و «مسائل أحمد» لأبي داود، و «تاريخ الدوري عن ابن معين» .

  28. وكذلك كتب الرجال التي تذكر في ترجمة الراوي شيئا مما تفرد به، أو خولف فيه، أو اختلف فيه عليه، مثل «التاريخ الكبير» للبخاري، و «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و «الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي.

    ج ٢ ص ٤٥٩
  29. كما يوجد في كتب التواريخ، مثل «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ، و «المعرفة والتاريخ» للفسوي، و «التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة.

  30. ومن مصادر كلامهم المهمة كذلك كتب الرواية التي يتعرض المؤلف فيها لشيء من نقد ما يرويه، مثل «سنن أبي داود» ، و «سنن الترمذي» ، و «سنن النسائي» ، و «مسند أحمد» ، و «مسند يعقوب بن شيبة» ، و «مسند البزار» ، و «سنن الدارقطني» و «سنن البيهقي» .

  31. وفي الجملة فليس من الممكن أن يحدد للباحث مصادر معينة في عصر الرواية أو يذكر له نوع من المصادر، تحوي أقوال النقاد في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين الرواة، فما من كتاب مؤلف في ذلك العصر إلا وهو مظنة وجود شيء من كلامهم، سواء ما ألف لنقد الراوي أو المروي، أو ما ألف لجمع المرويات، وسواء كان كتابا كبيرا، أو جزءا صغيرا.

  32. ثم بعد ذلك ما ألف بعد عصر الرواية، مثل مؤلفات ابن رجب، وابن القيم، والمزي، والذهبي، وابن كثير، والعراقي، وابن الملقن، والزيلعي، وابن حجر، وغيرهم، ففي هذه الكتب من النقول عن النقاد شيء كثير جدا، وجملة منه لا يوقف عليه فيما هو موجود من كتب الصنف الأول، فغدا الكتاب المتأخر مصدرا رئيسا من هذه الجهة.

  33. وقد تقدم في الفصل الأول من الباب الأول، الكلام عن مصادر طرق الأحاديث التي ينبغي للباحث أن يجمع منها طرق الأحاديث، وهي أيضا مصادر لكلام النقاد.

    ج ٢ ص ٤٦٠
  34. والباحث وهو بصدد جمع كلام النقاد في حديثه لن يجد الأمر دائما ميسرا، فهناك إشكالات تواجه الباحثين أثناء جمعهم لكلام النقاد للنظر فيه، وتوظيفه في دراسة الاختلاف، وسأعرج الآن على بعض هذه الإشكالات على عجل.

  35. فمنها احتمال أن يفوت الباحث كلام بعض النقاد، لسبب أو لآخر، فقد يكون الناقد سرد عددا من الأحاديث، وأخر نقدها أو نقد بعضها بعد فراغه منها، فيفوت الباحث الوقوف على كلام الناقد في حديثه المعين.

  36. ثم كلام الناقد قد يوجد في بعض روايات كتابه، ولا يوجد في أخرى، كما هو الحال في «سنن أبي داود» ، و «سنن النسائي» الصغرى والكبرى، يدرك ذلك بمقارنة ما فيها بما ينقله المتأخرون عنهم، كالمزي في «تحفة الأشراف» ، وغيره.

  37. ومن ذلك أن البيهقي قال في حديث سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصدقات (١) : «قال أبو عيسى الترمذي في كتاب «العلل» : سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظا، وسفيان بن حسين صدوق» (٢) .

    ج ٢ ص ٤٦١وذكر أبو علي الجياني، وابن القطان، أن الترمذي في «العلل» نقل عن البخاري كلاما في حديث عقبة بن عامر الجهني مرفوعا: «ما من أحد يتوضأ ... » الحديث (١) .

    1. (١)أخرجه أبو داود حديث (١٥٦٨ - ١٥٦٩)، والترمذي حديث (٦٢١)، وأحمد ٢: ١٤ - ١٥.
    2. (٢)«سنن البيهقي: ٤: ٨٨.
    3. (١)«تقييد المهمل» ٣: ٧٨٩، و «بيان الوهم والإيهام» ٢: ٣٨٢. والحديث أخرجه مسلم حديث (٢٣٤)، وأبو داود حديث (١٦٩)، (٩٠٦)، والنسائي حديث (١٤٨)، وابن ماجه حديث (٤٧٠)، وأحمد ٤: ١٤٥، ١٥٣.
  38. ولا يوجد هذان النصان في المطبوع من «ترتيب العلل الكبير» للقاضي أبي طالب (٢) .

    1. (٢)وانظر أيضاً: «معالم السنن» ١: ٨٦، و «سنن البيهقي» ١: ٣٩٠.
  39. بل قد يوجد في بعض الروايات أو النسخ جزء من النص المطبوع والنص بتمامه في رواية أو نسخة أخرى، كما في كلام النسائي على حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في قصة المرأة التي جاءت وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب.

  40. ومن الإشكالات الكبيرة في نصوص النقاد ما يواجه الباحث من اضطراب في النص، كأن يجد الباحث الترجيح مقلوبا، ففي مصدر ينسب إلى الناقد ترجيح وجه، وفي مصدر ينسب إليه ترجيح مقابله، ولا يمكن حمله على تغير الاجتهاد، أو يجد السؤال موجها إلى ناقد، والجواب لناقد آخر، أو يقع النص خطأ، إما بسبب سهو المؤلف، أو بسبب وقوع السقط والتحريف في النسخ.