مما يعين على فهم عبارة الناقد: السياق، كلام الناقد في موضع آخر، كلام النقاد، ونماذج لذلك
٣١ فقرة، ج ٢ ص ٥٠٩
- ج ٢ ص ٥٠٩
وكذلك هم يخاطبون من هو مثلهم فلا يلتبس عليه الأمر، فالسائل هو ناقد في الأصل، يسأل من تقدم عليه زمنا.
-
والغرض من تلخيص هذا كله في هذا المبحث هو تنبيه الباحث وقد عرف أن النقاد في الغالب يتكلمون على موضع السؤال الموجه إليهم فيبقون مع مداره، ولا يتحدثون عن مدارات فوقه، أو دونه، وأنهم يصححون بعض الأوجه ومرادهم بذلك أي عن المدار، ولا يلزم منه صحة الوجه بعده، وكذلك قد يرجحون وجها، أو يصرحون بصحته، وفيه ضعف، في مقابل وجه آخر أشد ضعفا منه.
-
وعرف أيضا أنهم يرجحون بالقدر المشترك، فيرجحون وجها مع وجود خطأ فيه، ومقصودهم الاستفادة مما فيه من صواب، في مقابل وجه خطأ كما تقدم شرحه في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب.
-
وأيضا قد يقولون في وجه من الأوجه إنه الصحيح أو المحفوظ، في مقابل وجه آخر، ولكن ليس معناه أن راوي الوجه الآخر قد أخطأ، فالخطأ من المدار حين حدث بالوجه الآخر، وقد يكون فعل ذلك عمدا.
-
إذا عرف هذا كله فإن الواجب حينئذ عليه أن يتمعن كثيرا في عبارات النقاد حين يريد أن ينقلها في كلامه على الاختلاف، فلا يهجم على العبارة دون تأمل ونظر، فقد يضعها في غير موضعها، ويستدل بها على شيء لا تدل عليه.
-
والباحث قبل أن يستفيد في بحثه من عبارة لناقد ملزم بالنظر في سياق العبارة، وكيف خرجت من الناقد وفق هذا السياق، وكذلك النظر في كلام الناقد في مواضع أخرى على الحديث نفسه، وأيضا كلام النقاد الآخرين على الحديث،
ج ٢ ص ٥١٠فكل هذا -السياق، وكلام الناقد في موضع آخر، وكلام النقاد- مما يعين الباحث على فهم عبارة الناقد، وتحديد مراده بها، وربما توافر في بعض الاختلافات عوامل أخرى تساعد الباحث على تحديد مراد الناقد، فيستفيد منها كذلك.
-
وسأسوق الآن أمثلة لتدقيق النظر في كلام ناقد، وبيان مراده.
روى شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلاة مثنى، مثنى، وتشهد في كل ركعتين ... » الحديث.
-
ورواه الليث بن سعد وغيره، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن العباس.
-
وقد رجح النقاد رواية الليث بن سعد في سياقه للإسناد كما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، ومن ذلك أن الترمذي سأل البخاري عنه، فقال: «وحديث الليث بن سعد هو حديث صحيح -يعني أصح من حديث شعبة-» ، وفي بعض النسخ: « ... وهو أصح من حديث شعبة» (١) .
- (١)«سنن الترمذي» حديث (٣٨٥).
-
فاحتاج الترمذي، أو البخاري، إلى شرح المراد من قوله: «هو حديث صحيح» ، وأن مراده الصحة النسبية، أي عن المدار، وهو عبد ربه بن سعيد، يعني أن الراجح عنه هو ما حدث به الليث بن سعد، فقد يفهم من قوله: «هو حديث صحيح» ، تصحيحه للحديث، وليس هذا مراده، فالإسناد بعد المدار قد
ج ٢ ص ٥١١نقده البخاري بقوة، كما تقدم هذا في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، فذكر الحديث في ترجمة ربيعة بن الحارث، وقال: «وهو حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض» .
-
وروى شريك، عن ثابت بن أبي صفية أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا» ؟ ، قال: نعم.
-
ورواه وكيع وغيره، عن ثابت، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة» ؟ قال: نعم (١) .
- (١)«سنن الترمذي» حديث (٤٥)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٤١٠)، و «العلل الكبير» ١: ١٢٣.
-
سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث، فقال: «الصحيح ما رواه وكيع، عن أبي حمزة، وحديث شريك ليس بصحيح» (٢) .
- (٢)«سنن الترمذي» حديث (٤٦).
-
والمراد بالصحة هنا أي عن أبي حمزة الثمالي، وأما بعد ذلك فهو ضعيف، فإن أبا حمزة هذا ضعيف، أو دون ذلك، وعبارة الترمذي في هذا الاختلاف: «وهذا -يعني حديث وكيع- أصح من حديث شريك، لأنه قد روى من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع، وشريك كثير الغلط، وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي» (٣) .
- (٣)«العلل الكبير» ١: ١٢٤.
- ج ٢ ص ٥١٢
وروى جماعة عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن أبي خزامة، عن أبيه، حديث الأدوية والرقى، ورواه آخرون عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه.
-
ورجح النقاد رواية ابن عيينة الأولى، لموافقتها لرواية أصحاب الزهري، كما تقدم هذا في المبحث الثالث من الفصل الرابع من هذا الباب، ومن هؤلاء الترمذي، فقد قال بعد أن أخرج الرواية الثانية عن ابن عيينة بتسمية شيخ الزهري ابن أبي خزامة: «وقد روى غير واحد هذا عن سفيان، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح، هكذا قال غير واحد عن الزهري ... » .
-
وقول الترمذي: «وهذا أصح» قد يفهم منه أن الرواية الثانية عن ابن عيينة خطأ ممن رواها عن ابن عيينة، غير أن مراده أنها أصح من رواية ابن عيينة الثانية، أي أن ابن عيينة يخطئ حين يقول: ابن أبي خزامة، فالخطأ منه، وقد أوضح الترمذي هذا في مكان آخر، فقال بعد أن أخرج الحديث على الوجهين: «وقد روي عن ابن عيينة كلا الروايتين، وقال بعضهم: عن أبي خزامة، عن أبيه، وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة، عن أبيه، وقد روى غير ابن عيينة هذا الحديث عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح ... » (١) .
- (١)«سنن الترمذي» حديث (٢١٤٨).
-
وروى جماعة -منهم زهير بن معاوية، وخالد بن عبدالله الواسطي، ويزيد بن هارون، وغيرهم- عن حميد، عن أنس قال: «عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا قد جهد
ج ٢ ص ٥١٣حتى صار مثل الفرخ ... » الحديث (١) .
- (١)«مسند عبد بن حميد» حديث (١٣٩٩)، و «الأدب المفرد» حديث (٧٢٨ - ٧٢٨)، و «مسند أبي يعلى» حديث (٣٧٥٩)، (٣٨٠٢)، (٣٨٣٧)، و «تفسير الطبري» ٢: ٣٠٠.
-
ورواه جماعة آخرون -منهم خالد بن الحارث، وسهل بن يوسف، ومحمد بن أبي عدي، وغيرهم- عن حميد، عن ثابت، عن أنس (٢) .
- (٢)«صحيح مسلم» حديث (٢٦٨٨)، و «سنن الترمذي» حديث (٣٤٨٧ - ٣٤٨٨)، و «مسند أحمد» ٣: ١٠٧، و «شرح مشكل الآثار» حديث (٢٠٤٨)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٩٤١).
-
ذكر ابن أبي حاتم لأبي زرعة، وأبي حاتم، الوجه الأول، فقالا: «الصحيح: عن حميد، عن ثابت، عن أنس» ، ثم ذكرا بعض من رواه على الوجه الثاني.
قال ابن أبي حاتم: «فهؤلاء (يعني من رواه على الوجه الأول) أخطؤوا؟ قالا: لا، ولكن قصروا، وكان حميد كثيرا ما يرسل».
-
فقول أبي زرعة، وأبي حاتم: «الصحيح: عن حميد، عن ثابت، عن أنس» قد يفهم منه أن من رواه على الوجه الأول قد أخطأ على حميد، ولهذا سألهما ابن أبي حاتم عن هذا، فأجابا بتحميل حميد عهدة هذا الاختلاف، وأنه عرف بالإرسال عن أنس، فيروي عنه مباشرة ما سمعه عنه بواسطة، فربما ذكرها، وربما أسقطها.
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه المسيب بن واضح، عن يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن أبي المطوس،
ج ٢ ص ٥١٤عن أبيه، عن أبي هريرة، قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أفطر يوما من شهر رمضان من غير عذر لم يقضه صيام الدهر وإن صامه» .
قال أبي: إنما هو: سفيان، عن حبيب، عن أبي المطوس، وشعبة يقول: حبيب، عن عمارة، عن أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -».
ثم قال ابن أبي حاتم: «إنما أنكر عمرو بن دينار، بدل حبيب بن أبي ثابت» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٤٥.
-
ومراد ابن أبي حاتم بهذا التنبيه أن غرض والده تخطئة ما جاء عن سفيان بذكر عمرو بن دينار، بدل حبيب بن أبي ثابت، وليس غرضه الموازنة بين ما يقوله سفيان بإسقاط عمارة من الإسناد، وما يقوله شعبة بذكر عمارة، فغرض أبي حاتم من إيراد رواية شعبة التنبيه إلى أن سفيان قد خولف في الوجه الصواب عنه، فيحتاج هذا الاختلاف إلى نظر آخر، وقد تقدم شرحه في المبحث الثالث من الفصل الرابع من هذا الباب.
-
وروى جماعة عن خالد بن طهمان، عن حصين بن مالك البجلي، عن ابن عباس مرفوعا: «ما من مسلم كسا مسلما ثوبا إلا كان في حفظ من الله ما دام منه عليه خرقة» (٢) .
- (٢)«سنن الترمذي» حديث (٢٤٨٤)، و «المعجم الكبير» حديث (١٢٥٩١ - ١٢٥٩٢)، و «المستدرك» ٤: ١٩٦.
-
وقد روي عن خالد موقوفا.
- ج ٢ ص ٥١٥
سئل أبو حاتم عن هذا الاختلاف، فقال: «الناس يرفعونه، مرفوعا عندي صحيح» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٦٨.
-
فهذا التصحيح من أبي حاتم مراد به صحة المرفوع عن خالد بن طهمان، هذا هو الذي تفيده العبارة وسياقها، وأما الإسناد من خالد فمن فوقه فلا يصح تنزيل كلمة أبي حاتم عليه.
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن أبي بردة، عن أبيه: «أنه كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعنده نفر من اليهود، فعطس ... » ، فذكر الحديث.
ورواه أبو سلمة، عن حماد، فقال: عن أبي حمزة، عن أبي بردة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... » مرسلا.
-
فقيل لأبي: أيهما الصحيح؟ فقال: عن أبي موسى الصحيح، لأن الثوري رواه عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٤٩، ورواية يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة أخرجها ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١: ٣٥٣، ورواية الثوري أخرجها أبو داود حديث (٥٠٣٨)، والترمذي حديث (٢٧٣٩)، وأحمد ٤: ٤٠٠.
-
وأبو سلمة هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة ثبت، لا يقل عن يزيد بن هارون، فالظاهر أن مراد أبي حاتم أن الموصول هو الصحيح من روايتي
ج ٢ ص ٥١٦حماد، وأنه هو الذي يرسله أحيانا، فيتحمل هو عهدة الاختلاف، وحاله، وتغير حفظه في آخر عمره، وقدم سماع يزيد منه بالنسبة لأبي سلمة، يساعد على ذلك.
-
وذكر أبو حاتم ما رواه عن هلال بن العلاء، عن أبيه، عن عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن عبدالرحمن بن غنم، عن أبي ذر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله عز وجل يقول: عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت ... » .
-
ثم ذكر أبو حاتم ما رواه عن محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن زيد بن أبي أنيسة، عن موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبدالرحمن بن غنم، عن أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو حاتم: «وهو أشبه» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٣٤، والروايتان أخرجهما أيضا أبو عوانة في «مستخرجه» كما في «إتحاف المهرة» ١٤: ١٦٣. والحديث مشهور عن موسى بن المسيب، رواه عنه جماعة آخرون، انظر: «سنن ابن ماجه» حديث (٤٢٥٧)، و «مسند أحمد» ٥: ١٧٧، و «شعب الإيمان» حديث (٦٦٨٧).
-
ومراد أبي حاتم بهذا الترجيح في خصوص رواية زيد بن أبي أنيسة، وأن الصواب عنه جعل شيخه موسى بن المسيب، وقد سئل مرة أخرى هو وأبو زرعة عن رواية موسى بن المسيب، فذكرا أن علي بن زيد رواه عن شهر، عن تبيع قوله، قالا: «فكأن هذا يدفع ذاك» (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٠٤. وانظر أمثلة أخرى في: «علل ابن أبي حاتم» (٣٧٧ - ٣٧٨)، و «علل الدارقطني» ١٠: ٢٧١، ٢٧٦.