إذا لم يتمعن الباحث في كلام الناقد، وسياقه، وما يحتف به، فربما فهمه على غير مراد الناقد، بل ربما اعترض عليه، ونماذج لذلك
٥٣ فقرة، ج ٢ ص ٥١٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٥١٧
والباحث إذا لم يتمعن في كلام الناقد، وسياقه، وما يحتف به، ربما فهمه على غير مراد الناقد، بل ربما اعترض عليه، وقد يشدد في العبارة، وهو إنما أتي من قبل فهمه للنص.
-
وسأذكر الآن بعض الأمثلة على ذلك من صنيع الباحثين وغيرهم.
-
فمن ذلك حديث سلمان بن عامر الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، فقد سأل ابن أبي حاتم أباه عما رواه حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب بنت صليع، بقصة سلمان بن عامر مرسلا، ورواه هشام بن حسان، عن حفصة، عن الرباب، عن سلمان بن عامر موصولا، فقال أبو حاتم: «جميعا صحيحان، قصر به حماد، وقد روي عن عاصم أيضا نحوه» (١) .
قال ابن كثير، وابن حجر، عن هذا الحديث: «وصححه أبو حاتم الرازي» (٢) ، وقال ابن الملقن: «قال ابن أبي حاتم في «علله» : سألت أبي عنه، فقال: صحيح من طريقيه» (٣) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٧.
- (٢)«إرشاد الفقيه» ١: ٢٨٩، و «التلخيص الحبير» ٢: ٢١١.
- (٣)«البدر المنير» ٥: ٦٩٧.
-
وليس في كلام أبي حاتم تصحيح الحديث، ومراده بالتصحيح أي عن حفصة بنت سيرين، فهو يقارن بين روايتين عنها.
- ج ٢ ص ٥١٨
وروى عبدالسلام بن حرب، وزائدة بن قدامة -فيما رواه عنه معاوية بن عمرو- عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء» (١) .
- (١)«الأوسط» لابن المنذر ١: ٢٦١، و «سنن الدارقطني» ١: ٢٣، و «سنن البيهقي» ١: ٢٦٢.
-
ورواه عبدالله بن الحسين بن جابر، عن محمد بن كثير المصيصي، عن زائدة به مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢) .
قال الدارقطني عن الرواية المرفوعة: «رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير، عن زائدة، ورواه معاوية بن عمرو، عن زائدة موقوفا، وهو الصواب» (٣) .
- (٢)«سنن الدارقطني» ١: ٢٣، و «سنن البيهقي» ١: ٢٦٢.
- (٣)«سنن الدارقطني» ١: ٢٣، وقال في «العلل» ١٢: ٣٧٢: «والموقوف أصح».
-
ونقله عنه البيهقي، وأقره (٤) .
- (٤)«سنن البيهقي» ١: ٢٦٢.
-
ولما تحدث ابن القيم عن أصل حديث ابن عمر في القلتين، ذكر حجج المضعفين له، ومنها أنه معلول، وله ثلاث علل، وقال في أولها: «وقف مجاهد له عن ابن عمر، واختلف فيه عليه ... ، ورجح البيهقي في «سننه» وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب»، إلى أن قال: «ويدل على وقفه أيضا: أن مجاهدا
-وهو العلم المشهور الثبت- إنما رواه عنه موقوفا» (٥) .
- (٥)«تهذيب السنن» ١: ٦٢.
-
وكلام ابن القيم هذا مسلم به لو صح الحديث الموقوف على ابن عمر، من
ج ٢ ص ٥١٩طريق مجاهد، ولا يصح عنه، فليث بن أبي سليم راويه عن مجاهد ضعيف، وقد روى الحديث أبو إسحاق السبيعي، عن مجاهد فجعله من قوله هو (١) ، وكذلك جاء من رواية يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد (٢) ، فمراد الدارقطني، والبيهقي، من تصويب الموقوف على ابن عمر، أي في خصوص رواية الليث، عن مجاهد، فإن من رفعه من هذا الطريق قد أخطأ، ولا يلزم من ذلك صحة الموقوف وصوابه في نفسه.
- (١)«الجعديات» حديث (٢١٢٩)، و «مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٤٤، و «تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (١١٠٢)، و «سنن البيهقي» ١: ٢٦٤.
- (٢)«الطهور» لأبي عبيد (١٦٨)، «تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (١١٠٣).
-
وروى جماعة كثيرون، منهم أيوب السختياني، وعثمان بن الأسود، ونافع بن عمر الجمحي، وابن جريج، وصالح بن رستم، وغيرهم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة مرفوعا: «ليس أحد يحاسب إلا هلك» ، وفي رواية عثمان بن أبي الأسود تصريح ابن أبي مليكة بسماعه من عائشة (٣) .
قال الدارقطني بعد أن ذكر رواية هؤلاء: «وكذلك قال مروان الفزاري، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، وخالفه يحيى القطان، وعبدالله بن المبارك، فروياه عن حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد،
ج ٢ ص ٥٢٠عن عائشة ... ، والصحيح حديث يحيى القطان، وابن المبارك» (١) ، ونقل الجياني، عن الدارقطني هذا الكلام، وآخره بلفظ: «وقولهما أصح، لأنهما زادا، وهما حافظان متقنان، وزيادة الحافظ مقبولة» (٢) .
- (٣)«صحيح البخاري» حديث (٤٩٣٩)، (٦٥٣٦)، و «صحيح مسلم» حديث (٢٨٧٦)، و «سنن أبي داود» حديث (٣٠٩٣)، و «سنن الترمذي» حديث (٢٤٢٦)، و (٣٣٣٧)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٦٥٩)، و «مسند أحمد» ٦: ٤٧، ٩١، ١٠٨، ١٢٧، ٢٠٩، و «تفسير الطبري» ٣٠: ١١٦.
- (١)«علل الدارقطني» ١٤: ٣٥٩، ورواية يحيى القطان أخرجها البخاري حديث (٤٩٣٩)، ومسلم حديث (٢٨٧٦)، وظاهر صنيعهما تعليل رواية حاتم بزيادة القاسم.
- (٢)«تقييد المهمل» ٢: ٧٠٤.
-
وظاهر جدا من كلام الدارقطني أن هذا الترجيح إنما هو بالنسبة لرواية حاتم، فالراجح عنه ذكر القاسم في الإسناد، كما رواه عنه يحيى القطان، وابن المبارك، وكذلك رواه عنه روح بن عبادة، ومحمد بن أبي عدي، ومحمد بن عبدالله الأنصاري، وعبدالله بن بكر (٣) ، فقول هؤلاء أرجح من رواية مروان الفزاري بإسقاط القاسم، فهذا بخصوص رواية حاتم، على أنه لا يبعد أن يكون الاضطراب من حاتم نفسه، وأما المقارنة بين رواية الجماعة عن ابن أبي مليكة بإسقاط القاسم، وما ترجح عن حاتم بذكره، فلم يتعرض له الدارقطني صراحة، وإن كان سياق كلامه يدل على ترجيح حذف القاسم.
- (٣)«صحيح البخاري» حديث (٦٥٣٧)، و «تفسير الطبري» ٣٠: ١١٦، و «إتحاف المهرة» ١٧: ٤٩٠.
-
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في «التتبع» ، وما زاد على أن ذكر أنهما
-يعني الشيخين- أخرجا هذا الحديث بهذا الإسناد مع هذا الاختلاف فيه على ابن أبي مليكة، ولم يرجح بين الإسنادين (٤) .
- (٤)«التتبع» ص ٥٢٢.
- ج ٢ ص ٥٢١
وقد ذكر ابن حجر كلمة الدارقطني التي نقلها الجياني، لكنه اختصرها ورواها بالمعنى، فتغير مؤداها، قال ابن حجر: «قال الدارقطني: رواه حاتم بن أبي صغيرة، عن عبدالله بن أبي مليكة، فقال: حدثني القاسم بن محمد، حدثتني عائشة، وقوله أصح، لأنه زاد، وهو حافظ متقن» (١) .
- (١)«فتح الباري» ١١: ٤٠١.
-
كذا جاءت عبارة الدارقطني عند ابن حجر، يوازن فيها الدارقطني بين رواية حاتم، عن ابن أبي مليكة التي فيها زيادة القاسم، وبين رواية الجماعة عن ابن أبي مليكة بإسقاط القاسم، وعبارة الدارقطني كما نقلها الجياني لا تفيد هذا، فالمقارنة في خصوص رواية حاتم، فرجح الدارقطني قول الجماعة عنه بزيادة القاسم، وبين الأمرين فرق كبير.
-
وأخرج البيهقي حديث أبي سعيد الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو حديث: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ، وقد اختلف فيه وصلا وإرسالا، ثم قال البيهقي بعد أن ساق رواية الثوري المرسلة ورواية حماد بن سلمة الموصولة: «حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولا وليس بشيء، وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله عبدالواحد بن زياد، والدراوردي ... » (٢) .
- (٢)«سنن البيهقي» ٢: ٤٣٤.
-
ويقصد البيهقي تضعيف الموصول من طريق الثوري خاصة، لكن ابن التركماني
ج ٢ ص ٥٢٢فهم من عبارته تضعيف الموصول مطلقا، فتعقب البيهقي بقوله: «إذا وصله ابن سلمة، وتوبع على وصله من هذه الأوجه فهو زيادة ثقة، فلا أدري ما وجه قول البيهقي: وليس بشيء» (١) .
- (١)«الجوهر النقي» ٢: ٤٣٤.
-
وكذلك صنع ابن حجر، فنقل عن البيهقي أنه يرجح المرسل -هكذا بإطلاق- (٢) .
- (٢)«التلخيص الحبير» ١: ٢٩٦.
-
وتعرض أحد الباحثين للاختلاف في الحديث الماضي في الاتصال والانقطاع (٣) ، وهو ما يرويه الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر الصديق في قصة ميراث الجدة، وقد اختلف فيه على الزهري، فرواه الجلة من أصحابه
-ومنهم معمر، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة في المشهور عنه- رووه عن الزهري كما تقدم، ورواه مالك بن أنس، وأبو أويس، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر، وكذا رواه ابن عيينة في بعض الروايات عنه، إلا أنه أبهم عثمان بن إسحاق.
- (٣)«الاتصال والانقطاع» ص ٢٨٥.
-
فذهب الباحث إلى ترجيح الوجه الذي يرويه مالك ومن معه، لأنه أثبت أصحاب الزهري، فقوله الراجح، وإن كان الجماعة قد خالفوه وفيهم من عُدَّ من أوثق أصحاب الزهري، لكن مالكا مقدم عليهم عند الاختلاف، ثم نقل عن
ج ٢ ص ٥٢٣الذهلي، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، ترجيحهم رواية مالك.
-
وطريقة الباحث في معالجة الاختلاف، ثم نقله عن النقاد أقوالهم، يوهم أن النقاد يخطئون رواية الجماعة عن الزهري، وهذا بعيد جدا، فمقصودهم أن الزيادة التي ذكرها مالك ومن معه محفوظة، لم يخطئ فيها هؤلاء، فالاختلاف من الزهري نفسه، وهو ربما أرسل، فمن زاد في الإسناد عن الزهري إذا كان حافظا فروايته محفوظة، ومراد النقاد أن الإسناد بتمامه هو المحفوظ، فلم يسمعه الزهري من قبيصة بن ذؤيب، وكان يسقط الواسطة بينه وبين قبيصة، وربما ذكرها.
-
وسئل البخاري عن رواية سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس مرفوعا: «من وجد تمرا فليفطر عليه ... » الحديث، فقال: «الصحيح حديث شعبة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحديث سعيد بن عامر وهم» .
-
وقد رواه الجماعة من أصحاب عاصم -غير شعبة- فزادوا ذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان بن عامر، وقد روي عن شعبة بذكر الرباب لكنه لا يصح عنه، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الأول من الفصل الثالث، وفي المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، وذكرت في الموضعين أن الصواب عن عاصم ما رواه الجماعة بذكر الرباب، ورواية شعبة بإسقاطها مرجوحة.
-
والشاهد هنا أن أحد الباحثين جاءت عنده كلمة البخاري، ففهم منها أن البخاري يصحح بإطلاق رواية شعبة بحذف الرباب، ويقدمها على رواية الجماعة
ج ٢ ص ٥٢٤عن عاصم، فوضع داخل النص نقطا، لاحتمال أن يكون اسم الرباب سقط من نص البخاري، ثم علق الباحث بكلام تعدى فيه طوره، وأبعد جدا عن غرض البخاري الصحيح، وهو الموازنة بين روايتي أصحاب شعبة فقط، أي ما هو الصواب عن شعبة بخصوصه؟
-
ولم يرد البخاري الموازنة بين الصحيح عن شعبة، وبين ما رواه الجماعة عن عاصم، ومما قاله الباحث: «هذه الرواية فيها إشكال، والإشكال أن يصحح الإمام البخاري رواية شعبة، عن عاصم، عن حفصة، عن سلمان، دون ذكر الرباب بين حفصة، وسلمان، علما بأن شعبة رووا (كذا) أصحابه عن هذا الحديث، وذكر فيها شعبة الرباب، ما بين حفصة وسلمان، ووافقه على ذلك الحفاظ، بل هو وافقهم في هذه الرواية، كالثوري، وابن عيينة ... ، فمما لا شك فيه أن ما رواه هؤلاء الحفاظ أصح ...
-
فعلى هذا يستبعد أن يصحح البخاري رواية شعبة التي خالف فيها من هو أحفظ منه، أو مثله على أقل تقدير، وهم جماعة وهو فرد، والخطأ من الفرد أقرب منه إلى الجماعة، أو أن ذكر الرباب ما بين حفصة وسلمان قد سقط سهوا من النساخ، ولعل هذا أقرب ... ».
-
وكل هذه الإطالة وما فيها من كلام بعيد عن التحقيق لم يكن الباحث محتاجا لها لو أدرك مقصود البخاري، وعرف طريقة النقاد، وتحديد غرضهم من سياق السؤال والجواب.
-
وروى مالك بن أنس، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم بن
ج ٢ ص ٥٢٥عمر بن الخطاب، عن أبي هريرة، أو أبي سعيد، مرفوعا: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» .
-
هكذا رواه على الشك الجلة من رواه «الموطأ» عن مالك، وقد روي عن مالك على أوجه أخرى، أشهرها جعله عن أبي هريرة وحده (١) .
- (١)«موطأ مالك» (القبلة) حديث (١٠)، و «صحيح البخاري» حديث (٦٩٠٤)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٣٦، ٤٦٥، ٥٣٣، ٣: ٤، و «الضعفاء الكبير» ٤: ٧٢.
-
وقد رجح جماعة من النقاد رواية من رواه عن مالك بالشك، لكثرة من رواه على هذا الوجه.
-
تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر من رجح هذا الوجه عن مالك، ثم قال: «بينما رجح بعض الأئمة الوجه الخامس: مالك، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة وحده ... » ، وذكر الباحث في هذا السياق قول الدارقطني: «الصحيح قول من قال: عن حفص، عن أبي هريرة» (٢) ، وقول ابن عبدالبر: «الحديث محفوظ لأبي هريرة» (٣) .
- (٢)«علل الدارقطني» ١٠: ٢٧٣.
- (٣)«التمهيد» ٢: ٢٨٦.
-
هكذا صنع الباحث، مع أن عبارة الدارقطني، وابن عبدالبر، لم تأت في سياق الموازنة بين أصحاب مالك فقط، فقد ذكر الدارقطني طريق عبيدالله بن عمر الثقة الثبت، عن خبيب، وطريق شعبة، عن خبيب، لكنه ضعف طريق شعبة، وكذا ذكر ابن عبدالبر طريق عبيدالله، وله طريقان آخران إلى خبيب، لم يردا
ج ٢ ص ٥٢٦عند الدارقطني، وابن عبدالبر، وهما طريق عبدالله بن عمر أخو عبيدالله، ومحمد بن إسحاق (١) .
- (١)انظر الطرق إلى خبيب في: «صحيح البخاري» حديث (١١٣٨)، (١٧٨٩)، (٦٢١٦)، و «صحيح مسلم» حديث (١٣٩١)، و «مسند أحمد» ٢: ٣٧٦، ٣٩٧، ٤٠١، ٤٣٨، ٥٢٨، و «المعجم الصغير» حديث (١١١٠).
-
فترجيح الدارقطني، وابن عبدالبر، إذن هو في الرواية عن خبيب، فلا يصح تنزيل ذلك على الاختلاف على مالك، وعبارة ابن عبدالبر صريحة في هذا، فعبارته بتمامها: «والحديث محفوظ لأبي هريرة بهذا الإسناد، كذلك رواه عبيدالله بن عمر، عن خبيب بهذا» .
-
وروى المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري حديث استغفاره - صلى الله عليه وسلم - في اليوم مئة مرة (٢) .
- (٢)«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٢٧٥)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٨١٦)، و «مسند أحمد» ٤: ٤١٠، و «الدعاء» للطبراني حديث (١٨١١).
-
وكذا رواه موسى بن عقبة، وأشعث بن سوار، وإسرائيل بن يونس -من رواية أبي أحمد الزبيري عنه- عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى (٣) .
- (٣)«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٢٧٤)، و «مسند أحمد» ٥: ٣٩٤، و «مسند البزار» حديث (٢٩٧٠)، و «مسند الروياني» حديث (٤٦٠).
-
ورواه إسرائيل بن يونس -من رواية محمد بن يوسف الفريابي، وعبيدالله
ج ٢ ص ٥٢٧بن موسى عنه- عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، وقرن أبو إسحاق بأبي بردة: أخاه أبا بكر بن أبي موسى، مرسلا أيضا (١) .
- (١)«سنن الدارمي» حديث (٢٧٢٦)، و «شعب الإيمان» حديث (٦٧٨٨).
-
ورواه ثابت البناني، وعمرو بن مرة، وحميد بن هلال، وغيرهم، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، سوى رواية حميد، فإنه لم يسم الصحابي، بل قال: عن رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه، وكذا ثابت البناني في بعض الطرق إليه، قال: عن رجل من أصحابه، والمشهور عنه الأول (٢) .
- (٢)«صحيح مسلم» حديث (٢٧٠٢)، و «سنن أبي داود» حديث (١٥١٥)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٢٧٦ - ١٠٢٨٠)، وأحمد ٤: ٢١١، ٢٦٠، ٢٦١، ٥: ٤١١، و «شرح معاني الآثار» ٤: ٢٨٩. وهناك وجه رابع، لكنه غير مشهور، وهو جعله عن أبي بردة، سمعت الأغر المزني يحدث عن ابن عمر؛ وهذا خطأ والصواب: سمعت الأغر يحدث ابن عمر، كما تقدم ذكره في الفصل الثالث من الباب الأول.
-
وقد توارد جمع من النقاد على ترجيح رواية الجماعة عن أبي بردة، وهو جعله عن الأغر المزني، منهم البخاري، والعقيلي، والدارقطني، غير أنهم لم يذكروا المرسل، ومنهم من لم يذكر رواية أبي إسحاق الموصولة أيضا (٣) .
- (٣)«التاريخ الكبير» ٢: ٤٣، و «الضعفاء الكبير» ٤: ١٧٤، و «علل الدارقطني» ٧: ٢١٦، و «التتبع» ص ٥٤٥، و «معرفة علوم الحديث» ص ١١٥.
-
وقد تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر قول جمهور النقاد في ترجيح هذا الوجه، ثم ذكر أن أبا حاتم الرازي خالفهم، فرجح الوجه المرسل.
- ج ٢ ص ٥٢٨
هكذا صنع الباحث، وبالرجوع إلى النص الذي اعتمده الباحث في رأي أبي حاتم، وسياقه، يظهر منه بوضوح أن أبا حاتم لا يتكلم على الترجيح بين الأوجه الثلاثة، وإنما هو يوازن بين روايتي سعيد بن أبي بردة، وأبي إسحاق السبيعي، بذكر أبي موسى، وبين رواية أبي إسحاق الثانية بحذف أبي موسى، فرجح من هذه الجهة فقط.
-
فكأنه يقول: لا يصح ذكر أبي موسى الأشعري، أما من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، فلحال راويه عن سعيد، وهو المغيرة بن أبي الحر، وأما من طريق أبي إسحاق، فالراوي عنه عند أبي حاتم هو موسى بن عقبة، وروايته عن أبي إسحاق لا تصح، فهو يروي هذه الأحاديث عن رجل مجهول، يقال له: عبدالله بن علي، عن أبي إسحاق، يعني ويسقطه، هكذا قال أبو حاتم عنه في حديث آخر، خالفه فيه إسرائيل أيضا فأرسله كما في حديثنا هذا (١) ، وهذا هو الراجح عن أبي إسحاق، فتلخص أن جعل الحديث عن أبي موسى الأشعري لا يصح.
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٥٨، وانظر: «الجرح والتعديل» ٥: ١١٤.