٣١ - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت
١٢٥ فقرة، ج ١٣ ص ١٤٤
الصفحة ٣ من ٤
- ج ١٣ ص ١٥١
قَوْلُهُ: (وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ) الْكَتِيبَةُ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَزْنُ عَظِيمَةٍ، وَجَمْعُهَا كَتَائِبُ هِيَ الْجَيْشُ الْمُجْتَمِعُ الَّذِي لَا يَتَقَشَّرُ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مُبَالَغَةً كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ أَنْتُمْ مُجْتَمَعُ الْإِسْلَامِ.
-
قَوْلُهُ: (وَأَنْتُمْ مَعْشَرُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَعَاشِرُ.
-
قَوْلُهُ: (رَهْطٌ) أَيْ قَلِيلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنَّا، وَكَذَا لِمَعْمَرٍ، وَهُوَ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الرَّهْطِ وَإِنَّمَا أَطْلَقَهُ عَلَيْهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، أَيْ أَنْتُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا قَلِيلٌ، لِأَنَّ عَدَدَ الْأَنْصَارِ فِي الْمَوَاطِنِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي ضُبِطَتْ كَانُوا دَائِمًا أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ الْمُهَاجِرِينَ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُهَاجِرِينَ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِلَّا فَلَوْ أُرِيدَ عُمُومُ مَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَنْصَارِ لَكَانُوا أَضْعَافَ أَضْعَافِ الْأَنْصَارِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ أَيْ عَدَدٌ قَلِيلٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الدَّفِّ وَهُوَ السَّيْرُ الْبَطِيءُ فِي جَمَاعَةٍ.
-
قَوْلُهُ: (يَخْتَزِلُونَا) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَزَايٍ أَيْ يَقْتَطِعُونَا عَنِ الْأَمْرِ وَيَنْفَرِدُوا بِهِ دُونَنَا، وَقَالَ أَبُو
ج ١٣ ص ١٥٢زَيْدٍ: خَزَلْتُهُ عَنْ حَاجَتِهِ عَوَّقْتُهُ عَنْهَا، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْأَصْلِ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْأَمْرِ.
-
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَحْضُنُونَا) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: أَيْ يُخْرِجُونَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ حَضَنَهُ وَاحْتَضَنَهُ عَنِ الْأَمْرِ: أَخْرَجَهُ فِي نَاحِيَةٍ عَنْهُ وَاسْتَبَدَّ بِهِ أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ: يَخْتَصُّونَا بِمُثَنَّاةٍ قَبْلَ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِهَا، وَمِثْلُهُ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ لَكِنْ بِضَمِّ الْخَاءِ بِغَيْرِ تَاءٍ وَهِيَ بِمَعْنَى الِاقْتِطَاعِ وَالِاسْتِئْصَالِ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَانَ عِنْدَ الْبَزَّارِ: وَيَخْتَصُّونَ بِالْأَمْرِ أَوْ يَسْتَأْثِرُونَ بِالْأَمْرِ دُونَنَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: وَيَخْطَفُونَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ.
-
وَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا هُمْ إِلَخْ بَقِيَّةُ كَلَامِ خَطِيبِ الْأَنْصَارِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ: قَالَ عُمَرُ فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ إِلَخْ، وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ هُنَا قَالَ عُمَرُ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ كُلُّهُ كَلَامُ الْأَنْصَارِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ عُمَرَ: فَلَمَّا سَكَتَ، وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَهُ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ: رَهْطٌ أَيْ أَنَّ عَدَدَكُمْ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ لِلْأَنْصَارِ، وَقَوْلُهُ: دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ يُرِيدُ أَنَّكُمْ قَوْمٌ طُرَأَةٌ غُرَبَاءُ أَقْبَلْتُمْ مِنْ مَكَّةَ إِلَيْنَا ثُمَّ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنَا.
-
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا سَكَتَ) أَيْ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَحَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَرَادُوا أَنْ يَمْنَعُوا الْأَنْصَارَ مِنْ أَمْرٍ تَعْتَقِدُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ، وَإِنَّمَا عَرَّضَ بِذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَنْ حَضَرَ مَعَهُمَا.
-
قَوْلُهُ: (أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ) بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ هَيَّأْتُ وَحَسَّنْتُ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: رَوَّيْتُ بِرَاءٍ وَوَاوٍ ثَقِيلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ مِنَ الرِّوَايَةِ ضِدَّ الْبَدِيهَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ بَعْد فَمَا تَرَكَ كَلِمَةً، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي رَوِيَّتِي إِلَّا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ لِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ.
-
قَوْلُهُ: (عَلَى رِسْلِكَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ أَيْ عَلَى مَهَلِكَ بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الِاعْتِكَافِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ: فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ.
-
قَوْلُهُ: (أَنْ أُغْضِبَهُ) بِغَيْنٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ يَاءٍ آخِرِ الْحُرُوفِ.
-
قَوْلُهُ: (فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَتَكَلَّمَ أَبْلَغُ النَّاسِ.
-
قَوْلُهُ: (مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّا وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا نُنْكِرُ فَضْلَكُمْ وَلَا بَلَاءَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا حَقَّكُمُ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا.
-
قَوْلُهُ: (وَلَنْ يُعْرَفَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: قَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَنْزِلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ لَيْسَ بِهَا غَيْرُهُمْ، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَجْتَمِعُ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَا تُصَدِّعُوا الْإِسْلَامَ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ.
-
قَوْلُهُ: (هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُوَ بَدَلَ هُمْ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَئِذٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَسُقْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ هُنَاكَ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حُكْمِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
قَوْلُهُ: (وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ) زَادَ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ هُنَا: فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَفَاخِرَهُ، وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ.
-
قَوْلُهُ: (فَقَالَ قَائِلُ الْأَنْصَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَقَدْ سَمَّاهُ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الْبَزَّارِ فَقَالَ: حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ لَكِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مُدْرَجٌ، فَقَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ
ج ١٣ ص ١٥٣أَنَّ الَّذِي سَمَّاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ هُوَ الَّذِي قَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ. فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ.
-
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمُرَجَّبِ وَالْمُحَكَّكِ هُنَاكَ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يَتَعَلَّقَ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورَةِ مَشْرُوحًا، وَزَادَ إِسْحَاقُ بْنُ الطَّبَّاعِ هُنَاكَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: كَأَنَّهُ يَقُولُ أَنَا دَاهِيَتُهَا، وَهُوَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، زَادَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ هُنَا: وَإِلَّا أَعَدْنَا الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ خَدْعَةً، فَقُلْتُ: إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ سَيْفَان فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ مَعْمَرٍ أَنَّ رَاوِيَ ذَلِكَ قَتَادَةُ، فَقَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عُمَرُ: لَا يَصْلُحُ سَيْفَان فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ مِنَّا الْأُمَرَاءُ وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ مُرْسَلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَكَانَ بَدْرِيًّا فَقَالَ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَنْفَسُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَمْرَ، وَلَكِنَّا نَخَافُ أَنْ يَلِيَهَا أَقْوَامٌ قَتَلْنَا آبَاءَهُمْ وَإِخْوَتَهُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمُتْ إِنِ اسْتَطَعْتَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَامِلُ لِلْقَائِلِ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ السِّيَادَةَ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا لِمَنْ يَكُونُ مِنْهُمْ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبْلُغُهُ حُكْمُ الْإِمَارَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَاخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِقُرَيْشٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَمْسَكَ عَنْ قَوْلِهِ وَبَايَعَ هُوَ وَقَوْمُهُ أَبَا بَكْرٍ.
-
قَوْلُهُ: (حَتَّى فَرِقْتُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ قَافٍ مِنَ الْفَرَقِ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْخَوْفُ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: حَتَّى خِفْتُ وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ: حَتَّى أَشْفَقْنَا الِاخْتِلَافَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا أَخْرَجَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِنَبِيِّ اللَّهِ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ.
-
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ بِالنَّاسِ، فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَآخَرُ مِنْ طَرِيقِ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الطَّائِيِّ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ بِلَفْظِ: فَأَيُّكُمْ يَجْتَرِئُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لَا أَيُّنَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَسْتُ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ؟ أَلَسْتُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ؟ أَلَسْتُ صَاحِبَ كَذَا.
-
قَوْلُهُ: (فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ حَيْثُ أَطْلَقَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ حِينَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا عُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَأَنَّهُ اسْتَصْحَبَ الْحَالَ الْمَنْقُولَةَ فِي تَوَجُّهِهِمْ، لَكِنْ ظَهَرَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بَايَعْتهُ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَهُمْ جَمْعٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَكَأَنَّهُمْ تَلَاحَقُوا بِهِمْ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا بَايَعَ عُمَرُ، أَبَا بَكْرٍ وَبَايَعَهُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُ الْأَنْصَارُ حِينَ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ.
-
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا: ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ وَبَدَرَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَضَرَبَ عَلَى يَدِهِ قَبْلَ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ ضَرَبْتُ عَلَى يَدِهِ فَتَتَابَعَ النَّاسُ وَالرَّجُلُ الْمَذْكُورُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَالِدُ النُّعْمَانِ.
-
قَوْلُهُ: (وَنَزَوْنَا) بِنُونٍ وَزَايٍ مَفْتُوحَةٍ، أَيْ وَثَبْنَا.
-
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ مِنَ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ
ج ١٣ ص ١٥٤تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَصَّ قِصَّةَ الْبَيْعَةِ الْعَامَّةِ، وَيَأْتِي شَرْحُهَا هُنَاكَ.
-
قَوْلُهُ: (وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي.
-
قَوْلُهُ: (مِنْ أَمْرٍ) فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ أَيْ حَضَرْنَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أُمُورًا فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا أَقْوَى مِنْ سَابِقَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْأُمُورُ الَّتِي حُضِرَتْ حِينَئِذٍ الِاشْتِغَالُ بِالْمُشَاوَرَةِ وَاسْتِيعَابُ مَنْ يَكُونُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَجَعَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحُ مِنْهَا الِاشْتِغَالَ بِتَجْهِيزِ النَّبِيِّ ﷺ وَدَفْنِهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ إِشْعَارٌ بِهِ، بَلْ تَعْلِيلُ عُمَرَ يُرْشِدُ إِلَى الْحَصْرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِخْلَافِ.
-
قَوْلُهُ: (فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِمُثَنَّاةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ.
-
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا نَرْضَى) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: عَلَى مَا لَا نَرْضَى وَهُوَ الْوَجْهُ، وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ تُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ: (فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَمَنْ تَابَعَ رَجُلًا.
-
قَوْلُهُ: (فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ: مَنْ دُعِيَ إِلَى إِمَارَةٍ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ.
-
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: أَخْذُ الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ وَإِنْ صَغُرَتْ سِنُّ الْمَأْخُوذِ عَنْهُ عَنِ الْآخِذِ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ قَدْرُهُ عَنْ قَدْرِهِ.
-
وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُودَعُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَلَا يُحَدَّثُ بِهِ إِلَّا مَنْ يَعْقِلُهُ، وَلَا يُحَدَّثُ الْقَلِيلُ الْفَهْمِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ.
-
وَفِيهِ جَوَازُ إِخْبَارِ السُّلْطَانِ بِكَلَامِ مَنْ يُخْشَى مِنْهُ وُقُوعُ أَمْرٍ فِيهِ إِفْسَادٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ النَّمِيمَةِ الْمَذْمُومَةِ، لَكِنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ أَنْ يُبْهِمَهُ صَوْنًا لَهُ وَجَمْعًا لَهُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَلَعَلَّ الْوَاقِعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ كَذَلِكَ، وَاكْتَفَى عُمَرُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُعَاقِبِ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ وَلَا مَنْ قِيلَ عَنْهُ.
-
وَبَنَى الْمُهَلَّبُ عَلَى مَا زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مُبَايَعَةُ شَخْصٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ.
قُلْتُ: وَالَّذِي يظهَرَ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ أَنَّ إِنْكَارَ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ شَخْصٍ عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ قُرَشِيًّا أَوْ لَا، وَفِيهِ أَنَّ الْعَظِيمَ يُحْتَمَلُ فِي حَقِّهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُمَدُّ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ أَيْ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ احْتِمَالِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى بَيْعَتِهِ عَنْ غَيْرِ تَشَاوُرٍ عَامٍّ أَنْ يُبَاحَ ذَلِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ لَا يَتَّصِفُ بِمِثْلِ صِفَةِ أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَفِيهِ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
-
وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ أَوْصَى مَنْ وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْصَارِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْخِلَافَةِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ شَرْحِ بَابِ الْأُمَرَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ.
-
وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا وُجِدَتْ حَامِلًا وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الْحَمْلِ أَوْ الِاسْتِكْرَاهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِقَامَةُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ إِذَا ظَهَرَ وَلَدٌ لَمْ يَسْبِقْهُ سَبَبٌ جَائِزٌ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ مِنْ حَرَامٍ، وَيُسَمَّى قِيَاسَ الدَّلَالَةِ كَالدُّخَانِ عَلَى النَّارِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ مِنْ شُبْهَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنِ ادَّعَتْ الِاسْتِكْرَاهَ وَكَانَتْ غَرِيبَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ.
-
وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَوْلُ عُمَرَ فِي خُطْبَتِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ، وَكَذَا لَوْ قَامَتِ الْقَرِينَةُ عَلَى الْإِكْرَاهِ أَوِ الْخَطَأِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: فِي تَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ الْخَلِيَّةِ إِذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَادَّعَتِ الْإِكْرَاهَ خِلَافٌ؛ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً أَمْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ لِحَدِيثِ عُمَرَ؟
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ فِي عِدَّةِ قَضَايَا أَنَّهُ دَرَأَ الْحَدَّ بِدَعْوَى الْإِكْرَاهِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: إِنَّا لَمَعَ عُمَرَ بِمِنًى، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ حُبْلَى ضَخْمَةٍ تَبْكِي، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ فَقُمْتُ بِاللَّيْلِ أُصَلِّي ثُمَّ نِمْتُ، فَمَا اسْتَيْقَظْتُ إِلَّا وَرَجُلٌ قَدْ رَكِبَنِي وَمَضَى، فَمَا أَدْرِي مَنْ هُوَ، قَالَ: فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ.
-
وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مَنْ عُرِفَ مِنْهَا مَخَايِلُ الصِّدْقِ فِي دَعْوَى الْإِكْرَاهِ قُبِلَ مِنْهَا، وَأَمَّا
ج ١٣ ص ١٥٥الْمَعْرُوفَةُ فِي الْبَلَدِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ بِالدِّينِ وَلَا الصِّدْقِ، وَلَا قَرِينَةَ مَعَهَا عَلَى الْإِكْرَاهِ فَلَا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ مُتَّهَمَةً، وَعَلَى الثَّانِي يَدُلُّ قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْبَاجِيُّ أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ فَدَخَلَ مَاؤُهُ فِيهِ فَادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ لَا يُقْبَلُ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ إِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَحِقَ بِهِ لَمَا وَجَبَ الرَّجْمُ عَلَى حُبْلَى لِجَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ، وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْحُبْلَى بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ حَدٌّ لِاحْتِمَالِ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
-
وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: الرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى أَنَّ الْحَبَلَ إِذَا كَانَ مِنْ زِنًا وَجَبَ فِيهِ الرَّجْمُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنْ زِنًى، وَلَا تُرْجَمُ بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ فِيهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا أُتِيَ بِالْمَرْأَةِ الْحُبْلَى وَقَالُوا: إِنَّهَا زَنَتْ وَهِيَ تَبْكِي، فَسَأَلَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَأَخْبَرَتْ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ؛ فَإِنَّ عُمَرَ قَابَلَ الْحَبَلَ بِالِاعْتِرَافِ، وَقَسِيمُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ قِسْمَهُ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ مَنْ لَا يَرَى الْحَدَّ بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ قِيَامَ الِاحْتِمَالِ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ زِنًى مُحَقَّقٍ، وَأَنَّ الْحَدَّ يُدْفَعُ بِالشُّبْهَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَفِيهِ أَنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرٍ يُرِيدُ الْإِمَامُ أَنْ يُحْدِثَهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ إِجْمَالًا لِيَكُونَ إِذَا سَمِعَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، كَمَا وَقَعَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ سَعِيدٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ أُمُورَ الشَّرْعِ قَدِ اسْتَقَرَّتْ، فَمَهْمَا أُحْدِثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ تَفْرِيعًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا سَكَتَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ لَهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ عَلَى الْفَوْرِ.