شرح نظم اللؤلؤ المكنون (٣)
١٠٠ فقرة، ج ٣ ص ١
الصفحة ١ من ٣
- ج ٣ ص ١
شرح نظم (اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون) (٣)
-
الكلام على: المتواتر والآحاد (المشهور والعزيز) .
-
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
كلهم عرف بالحفظ والضبط والإتقان، وكلهم ممن جوز له جمهور أهل العلم أن يروي الحديث بالمعنى، هل يهمنا أو يؤثر على لفظ الحديث أن يكون لقتيبة أو لإسحاق أو لأبي بكر بن أبي شيبة؟ يعني لو كان مسلم يُعنى باللفظ النبي ودون ذلك خرطُ القتاد؛ لأن بينه وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- وسائط، وجمهور أهل العلم جوزوا رواية الحديث بالمعنى، إذاً الصحابي يجوز له أن يروي الحديث بالمعنى، لا نجزم بأن هذا اللفظ النبوي، التابعي إذا تلقى الحديث من الصحابي يجوز له أن يروي الحديث بالمعنى، من بعده يجوز له أن يروي الحديث بالمعنى بالشرط المعتبر عند أهل العلم، ما هي المسألة فوضى لا، هناك شروط وضوابط لمن يجوز له الرواية بالمعنى، فهل لبيان الإمام مسلم لصاحب اللفظ أثر على اللفظ النبوي؟ بمعنى أننا نجزم أن هذا هو اللفظ النبوي لنعنى به، يعني ما الفائدة في أن نعنى بلفظ قتيبة دون لفظ أبي بكر أو العكس لنقدم صحيح مسلم في هذا الباب على صحيح البخاري؟ أنتم عرفتم حجة من يقدم مسلم في هذا الباب ويقول: يحفظ مسلم ثم تحفظ زوائد البخاري، وقد سلك هذا في التطبيق عند جمعٍ من الإخوان؛ لأن مسلم يعتني بالألفاظ بألفاظ شيوخه، لكن هل يعنى باللفظ النبوي؟ اللفظ النبوي عناية من فوقه من شيوخ شيوخه ومن فوقهم من الصحابة، وقد جوز للجميع أن يرووا بالمعنى بشرطه، إذاً لا نجزم بأن هذا اللفظ الذي نص على أنه لفظ قتيبة أنه هو اللفظ النبوي، ويستوي في ذلك أن يكون اللفظ لقتيبة أو لإسحاق أو لأبي بكر بن أبي شيبة ولو لم ينبه على ذلك، المقصود أن كلهم ممن اتصف بالحفظ والضبط والإتقان مع تمام العدالة.
- ج ٣ ص ٢
الإشكال فيما لو روى الإمام عن ثقة وغير ثقة، هنا لا بد أن يبين ما رواه الثقة مما رواه غير الثقة، لماذا؟ لأن غير الثقة لا يدخل فيمن تجوز روايته بالمعنى، وأيضاً روايته لا تقبل، فلا بد من تمييز ما يرويه الثقة، إذا كان بعض الحديث عن واحد والبعض الآخر عن الثاني، أما إذا كان الحديث كامل مروي عن الثقة، وكامل مروي عن الضعيف ما يضر، العمدة في ذلك الثقة ولا التفات للضعيف وجوده كعدمه، ولذا يجوز إبهامه وعطفه على الثقة، يجوز أن يروي البخاري عن مالك وغيره إذا كان مالك إذا كان الحديث كاملاً عند مالك يجوز، وليس هذا من تدليس التسوية؛ لأن عمدته في ذلك على الثقة دون الضعيف، فنحفظ البخاري نبدأ بالبخاري.
-
فلا شك أن من عنده فضل حفظ ويحفظ الكتاب على وضعه وأسانيده ومتونه وموصولاته ومعلقاته بصيغ الأداء بتراجم الإمام هذا نورٌ على نور، قد يقول قائل: هذا مستحيل، نقول: ليس بمستحيل، إذا وجد في الأمة من يحفظ المستدرك والبيهقي على طول أسانيدها فحفظ البخاري سهل، إذا وجد من بين المسلمين من يكون من فضول محفوظاته كتاب الأغاني حفظ البخاري سهل.
-
المقصود أنه صعب على كثيرٍ من الناس، يعني لا ينكر هذا أن كثير من الناس صعب عليهم، فالذي لا يستطيع أن يحفظ الكتاب كما هو يحفظ المتون من غير تكرار، ويضيف إليها زوائد مسلم، ثم زوائد أبي داود على الطريقة المتبعة عند الإخوان -وفقهم الله-، ولا شك أن هذه سنة حسنة، من سنها له أجرها وأجر من عمل بها، وكان الناس إلى وقتٍ قريب يرون أن هذا من المستحيلات، بل ضربٌ من الخيال، وإذا قرؤوا في تراجم المتقدمين وسمعوا محفوظاتهم ظنوه مبالغة، لكن هذا موجود.
-
يقول: نريد مثالاً لطالب العلم في تطبيقه على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً؟
-
مسألة دراسة الأسانيد، وتصحيح الأحاديث وتضعيفها لا شك أنه في البداية نظري له قواعده التي سيأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى-، لكنه في الجملة عملي أكثره تطبيقي عملي، ولا يثبت ولا يرسخ ولا يتبين وجهه على حقيقته إلا بالعمل والتطبيق.
-
يقول: ما رأيكم في تضعيف بعض المتأخرين بعض حديث في صحيح البخاري؟
- ج ٣ ص ٣
صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله -عز وجل-، وما رواه البخاري على ما سيأتي فيما يفيده خبر الواحد عند ابن الصلاح ومن يقول بقوله، وسيأتي تفصيل المسألة مقطوعٌ بصحته، مفيدٌ للعلم سوى أحرف يسيرة تكلم فيها بعض الحفاظ كالدارقطني، ثمانين حديث في البخاري تكلم فيها الدارقطني وأجيب عنها، استدراكات الدارقطني أجيب عنها، الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح وفي أثنائه وغيره من الأئمة أجابوا عن هذه الاستدراكات، ويبقى أن صحيح البخاري أصح الكتب.
-
لكن ماذا عما لو ضعف أحدٌ حديث لم يسبق إلى تضعيفه؟ نقول: ما في صحيح البخاري مما لم يسبق لتضعيفه من الأئمة الكبار مفيدٌ للعلم، وكونه يفيد العلم حكمه حكم ما لو سمعتَ النبي -عليه الصلاة والسلام- تكلم بهذا الحديث، كأنك رددت قول النبي -عليه الصلاة والسلام- مباشرة، وهذا أمرٌ في غاية الخطورة، هذا إذا لم يسبق إلى تضعيفه ممن يعتد بقوله من أهل العلم، على أن من يعتد بقوله كالدارقطني من أهل العلم في تضعيفهم لبعض الأحاديث بالصحيحين لا شك أنه في الغالب مردودٌ عليه، والصواب مع الإمام -رحمة الله عليه-، وبقي أن يلفت نظر طلاب العلم أن لا يتجرؤوا ويهجموا على هذه الكتب تصحيحاً وتضعيفاً؛ لأنه إذا تطاول طالب العلم على البخاري فماذا يبقى للأمة من مستند ومعتمد؟ إذا كان جمعٌ من أهل العلم يقولون: لو أن شخصاً حلف بالطلاق أن جميع ما في صحيح البخاري صحيح أنه لا يحنث ولا تبين منه امرأته، هذا الكلام لا شك أنه إجمالي؛ لأن في بعض المعلقات التي نبه البخاري على ضعفها، البخاري نفسه نبه على ضعفها.
-
المقصود أن من يهجم على هذه الكتب ويتطاول عليها لا يخدم إلا الأعداء، لا يخدم إلا الأعداء، قد يوجد من أهل العلم المتأهلين من هو متأهل، وينظر، ويؤديه اجتهاده إلى أن هذا حديث كيف صححه البخاري؟ يعني قد يخفى عليه وجه تصحيح البخاري، لكن المعول في هذا على تصحيح الإمام -رحمه الله تعالى-، ولم يكتسب ذلك يكتسب هذه القوة من الإمام وحده وإنما لأن الأمة تلقت الكتاب بالقبول، هذا التلقي وحده كما يقول ابن حجر وغيره أولى بالاعتماد من مجرد كثرة الطرق، فالحذر الحذر أن يتطاول الناس على هذه الكتب.
- ج ٣ ص ٤
يقول: دار بيني وبين متخصص أو شبه متخصص في علوم السنة حوار حول تعريف الحسن عند المتقدمين؟
-
على كل حال بيجي تعريفه -إن شاء الله-.
-
هذا يسأل عن فتح الباري الذي طبع معه البخاري برواية أبي ذر؟
-
أما بالنسبة للشرح فالنسخة التي صورت أسوأ الطبعات؛ لأنها صورت على الطبعة الثانية والثالثة الطبعة السلفية، الطبعة السلفية الثانية والثالثة هما واحد يعني سموها ثالثة وهي صورة عن الثانية، وفيها أسقاط كثيرة.
وهذا يسأل عن أي نسخ فتح الباري أفضل ليقتنيها طالب العلم وخاصة إذا كان لا يستطيع ... ؟
-
إن استطاع أن يعتني أو يقتني طبعة بولاق أو صورة منها، ويخدمها أيضاً، ينقل عليها التعليقات، الملاحظات التي لوحظت على الشارح، ويرقم الأحاديث، ويذكر الأطراف، وهذا أشير به على بعض دور النشر، ووعدوا أنهم يفعلون ذلك -إن شاء الله تعالى-.
-
إذا لم يتمكن طالب العلم من صورة لطبعة بولاق فالطبعة السلفية الأولى أفضل ما يوجد الآن، الطبعة السلفية الأولى على أن يقوم طالب العلم بتصحيح جداول الخطأ والصواب في آخر كل مجلد، إذا صحح الخطأ والصواب في آخر كل مجلد تكون أمثل الطبعات.
-
هذا يقول: هل يستفاد من مختصرات أهل العلم لمن أراد أن يجعل له مختصراً معتمداً، أو معتمِداً على مختصر العالم الذي قد يزيد عليه ما يراه .. ؟
-
المقصود أن المختصرات إنما يلجأ إليها عند الحاجة عند الحاجة، وإلا فالأصل العلم في المتون، وقد يترك المختصر شيء يراه لا يهم طالب العلم، أو يرى أنه بالنسبة لما ذكره غير مهم، بينما هو في غاية الأهمية من وجهة نظر آخر، قد يترك شيئاً أنت بأمس الحاجة إليه، وهو تركه وطواه لأنه ورد على ذهنه مراراً فصار من البدهيات فيظنه كذلك عند الناس كلهم وهو من الضروريات عند بقية الناس.
-
المقصود أن الأصل أن يقتنى الأصول ويعتنى بها، فإذا قام الشخص باختصار الأصل فيكون على اطلاعٍ مما حذف واطلاعٍ مما أبقي.
-
يقول: تعريف الناظم للسند والمتن أليس يلزم منه الدور؟
- ج ٣ ص ٥
تعريف الناظم للسند والمتن أليس يلزم منه الدور؟ الدور ترتيب الشيء على شيء مترتب عليه، السند حكاية طريق المتن، والمتن غاية ما ينتهي إليه السند من الكلام، الفاصل موجود، الفاصل موجود بينهما، ماذا يقول الشيخ عن تعريف السند؟
عنوا بالإسناد الطريق الموصلةْ ... للمتن عمن قاله أو فعله
الطريق الموصلة للمتن، فإذا افترضنا أن هذا هو الطريق ينتهي هنا، والمتن ما بعد ذلك "والمتن ما إليه ينتهي السند" ينتهي إلى هنا إلى آخره، فلا يلزم عليه دور، الدور ترتيب شيء مترتب عليه، ترتيب الشيء على شيء مترتب عليه، ترتيب الشيء على شيء مترتب عليه، يعني كما في قولهم:
لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب
يعني رتب الجفا على الشيب ورتب الشيب على الجفا هذا الدور، نعم؟
-
طالب: . . . . . . . . .
- يقول:
-
لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب
هذا يلزم عليه الدور بلا شك، وسيأتي في المتواتر الآن بيان كيفية الدور، الآن أيهما الذي بدأ؟ من الذي يلام في هذا؟ في البيت؟ ما السبب في الجفا؟ السبب في الجفا هو الشيب، والسبب في الشيب هو الجفا، إذاً هذا مترتب على هذا وذا مترتب .. ، يمكن أن يوجد مثل هذا؟ يمكن؟ ما يمكن أن يوجد؛ لأن المسألة لا بد فيها من بداية، ثم شيء يرتب على هذه البداية، لكن إذا رجعت البداية ورتبت على ما ترتب عليها صار الدور.
-
لكن التسلسل، التسلسل غير الدور، هذه البيضة من هذه الدجاجة، لكن لو كانت هذه الدجاجة من هذه البيضة نفسها لزم عليه الدور، ولا يمكن أن يكون هذا، لكن هذه البيضة من هذه الدجاجة وهذه الدجاجة من بيضةٍ أخرى والبيضة من دجاجة ثانية وهكذا هذا تسلسل، لكن لو كانت هذه البيضة من هذه الدجاجة وهذه الدجاجة من هذه البيضة صار دور، فترتيب المؤلف لا يظهر فيه أبداً الدور.
- ج ٣ ص ٦
بدأنا بالأمس في تقسيم الأخبار من حيث كثرة الطرق إلى متواتر وآحاد، وقلنا: إن هذا التقسيم معتبر عند أهل العلم، وإن لم يكن موجوداً في كلام المتقدمين إلا أنه يفيد طالب علم تسنده اللغة من جهة، واعتنى به أهل العلم ولا محظور فيه شرعاً، لا يخالف نص ولا محذور فيه، نعم المحذور الذي رتب على خبر الآحاد وأنه لا يفيد إلا الظن سيأتي بحثه -إن شاء الله- في موضعه، لكن اعتمد هذا التقسيم الكبار من أهل التحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وجمع غفير من أهل العلم.
-
يقول بأن ...
-
طالب: . . . . . . . . .
-
إيه انتهينا، والذي روى تعريف ...
- يقول:
-
اعلم بأن هذا الشانِ ... قد قسموا الأخبار بالتبيانِ
لذي تواترٍ يفيد العلم لا ... بنظرٍ بل بالضرورة انجلا
طيب، المتواتر يفيد العلم، ولا بد من بيان معنى العلم ومعنى الظن؛ لأننا نحتاج هذه الأمور في هذا الباب وفي باب خبر الواحد، فالعلم عندهم الذي لا يحتمل النقيض، العلم هو ما لا يحتمل النقيض، بل نتيجته مائة بالمائة، ما يحتمل النقيض بوجهٍ من الوجوه، هذا من الأخبار.
-
الظن: هو الاحتمال الراجح، الشك: الاحتمال المساوي، الوهم: الاحتمال المرجوح الاحتمال المرجوح.
-
طالب: . . . . . . . . .
-
إذا أخبرك جمعٌ من الثقات جمعٌ من الثقات بأن زيداً قدم لا محيد ولا مفر من تصديق هذا الخبر، وحينئذٍ يكون هذا الخبر أفادك العلم؛ لأنه لا يخطر ببالك أنه بمجموعهم كذبوا عليك، أو وقع منهم الخطأ بمجموعهم، لكن لو أخبرك واحد أو اثنين أو ثلاثة بأن زيداً قدم وهم ثقات عندك، وجاء شخص رابع وقال: زيدٌ لم يقدم، خبر الثلاثة وكلهم ثقات أفادك علم وإلا .. ؟ لو جاء الرابع مؤيداً لهم بأن زيداً قدم وخامس وسادس وعاشر وعشرين خلاص أفادك العلم، فلا يؤثر فيه أن يأتي شخص يقول: لم يقدم زيد، لكن إذا قال ثلاثة: زيد قدم ثم جاء رابع قال: لم يقدم زيد، كلام الثلاثة راجح إذاً هو ظن، كلام الرابع مرجوح إذاً هو وهم من حيث الحكم هذا من حيث الحكم، لو جاءك ثلاثة قالوا: زيدٌ قدم وثلاثة قالوا: زيدٌ لم يقدم وكلهم بمنزلة واحد هذا يورث عندك الشك وهو الاحتمال المساوي.
ج ٣ ص ٧. . . يفيد العلم لا ... بنظرٍ بل بالضرورة انجلا
وعرفنا الفرق بين العلم النظري والعلم الضروري، العلم الضروري لا يحتاج إلى نظر ولا استدلال، ولا يحتاج إلى مقدمات، بينما العلم النظري يحتاج إلى مقدمات حتى تصل إليه، فإذا وصلت إليه صار مثل الضروري في النتيجة لا يحتمل النقيض وضربنا أمثلة بالأمس.
ثم قال معرفاً المتواتر: والمتواتر مأخذ من التواتر وهو التتابع، وهو مجيء الشيء دفعات، تقول: جاءت الإبل متواترة أي دفعات ما جاءت دفعة واحدة، فهؤلاء ما دخلوا عليك المكان وقالوا: جاك زيد ثم جاك عمرو ثم جاء بكر ثم جاء كذا هذا الأصل.
-
"وهو الذي جمعٌ رواه" لا بد أن يكون من رواية جمع ليفيد التواتر، وهذا الجمع لا حصر له على القول الصحيح لا حصر له، لا يحصر بأربعة ولا بعشرة ولا بعشرين ولا بسبعين ولا بأربعين، وإن قيل بذلك، لكن لا حصر له، إذا كان العدد هذا لا حصر له كيف نعرف أن هذا الجمع بلغ حد التواتر؟ قد يبلغ التواتر وهم عشرين، قد يبلغ التواتر وهم عشرة، كيف نعرف أن هذا الجمع قد بلغوا حد التواتر أو القدر المقبول في التواتر؟ هؤلاء الجمع لا بد أن تحيل العادة تواطئهم على الكذب أو يحصل منهم اتفاقاً، أولاً: لا بد أن يرويه جمع من غير حصر عن مثلهم في جميع الطبقات جمعٌ عن جمعٍ عن جمع، وأن تحيل العادة تواطئهم على الكذب، ولا يحصل منهم ولا من غير تواطؤ ولا اتفاق، وأن يسندوا خبرهم إلى الحس إلى شيء محسوس لا إلى شيء معقول، زاد بعضهم: وأن يفيد العلم، وإفادة العلم شرطٌ لنعرف أن هذا العدد قد بلغ الحد المطلوب، ولذا يقول:
وهو الذي جمعٌ رواه اتفقوا ... أحالت العادة أن يختلقوا
"عن مثلهم رووا -هذا الشرط الثالث- بلا امتراءِ"
. . . . . . . . . ... من ابتدا الإسناد لانتهاءِ
يعني من أن يبتدئ إلى أن ينتهي.
جواستند انتهاؤهم للحس لا ... محض اقتضاء العقل وانضاف إلى
ذلك أن يصحب ذاك الخبرا ... إفادة العلم اليقيني لا مرا
ج ٣ ص ٨هذه شروط المتواتر أن يرويه جمعٌ تحيل العادة تواطئهم على الكذب، جمع تحيل العادة عن جمعٍ مثلهم، وأن يستندوا في خبرهم إلى الحس، يعني من مشاهدة من سماع بإحدى الحواس الخمس، يعني تكون إدراك الخبر بإحدى الحواس الخمس لا بالعقل، يعني لو جاءنا أمة تقول وقد وجد أعداد هائلة عن مثلهم ممن يقول بقدم العالم مثلاً، نقول: هذه مسألة عقلية مهما كثروا، ومهما تواطئوا لا يفيد خبرهم العلم، تواطأ النصارى على القول بالتثليث لا يفيد العلم؛ لأنهم لم يستندوا في ذلك إلى الحس.
-
ما يشاع من الأخبار وسيلة من وسائل نقل الأخبار إما مرئية أو مسموعة أو مقروءة مما يثق الناس به بعض الآلات يوثق بها من قبل عموم الناس؛ لأنها جربت تأتي بأخبار جديدة وغريبة، وفي الغالب يعني دقيقة، أشاعت خبر ثم تناقلته جميع وكالات الأنباء، وتحدث الناس به في مجالسهم، نقول: هذا وإن نقله الكافة إلا أن نقله عن جهة واحدة ما رووه عن مثلهم، فهذه إشاعة، ولذا في الصحيح في البخاري عمر -رضي الله عنه- لما دخل المدينة وجد الناس يتناقلون أن النبي -عليه الصلاة والسلام- طلق نساءه، فجاء إلى المسجد فوجد الناس مجتمعين حول المنبر ويسألهم قالوا: نعم طلق النبي -عليه الصلاة والسلام- نساءه، النبي -عليه الصلاة والسلام- آلاء من نسائه شهراً واعتزل في المشربة، وصاحب ذلك شيء من احتجابه -عليه الصلاة والسلام-، وعدم استقباله للناس، فتوقع شخص أن النبي -عليه الصلاة والسلام- طلق نساءه فأشاعه، والأرضية موجودة لقبول الخبر كما يفعل الآن عن ترويج بعض الأخبار، يوطن الناس، وتوجد الإرهاصات ثم يذكر هذا الخبر، فتجد الناس يقبلونه، يمكن شخص من المنافقين أشاع والإشاعات النفوس عموماً جبلت عليها، لكن على الإنسان أن يلتزم بآداب الشرع وتعاليم الشرع، لا يقبل مثل هذه الإشاعات، ولهذا يقول الحافظ في شرح الحديث: الإشاعات ولو كثر ناقلوها فإنها لا تفيد العلم، ما لم تستند إلى الحس، وبعض الناس يكون فيه شيء من التغفيل بحيث يوطن لقبول خبر يلقى إليه مرة مرتين على وجوه وعلى صيغ من قبل شخص ويدفع إليه آخر ثم كذا فيصير يفيد العلم عنده، وهو في الأصل لا أصل له.
- ج ٣ ص ٩
فالإشاعات لم تستند إلى حس، يعني ما نطق بها صاحب الشأن، ولذا لما استأذن عمر على النبي -عليه الصلاة والسلام- مرة مرتين ثلاثة ثم أذن له ودخل سأله سأل النبي -عليه الصلاة والسلام-: أطلقتك نساءك؟ قال: لا، والناس كلهم يتحدثون بالمدينة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- طلق نساءه، فمثل هذه الإشاعات لا تفيد علماً ولو كثر ناقلوها، ولو تناقلتها وكالات الأنباء، وبثتها الصحف والقنوات وتحدث بها الناس كلهم، فالأمة متبوعة لا تابعة، عندنا أصول نعتمد عليها، عندنا قواعد وضوابط نمحص بها الأخبار.
-
وعلم مصطلح الحديث كفيل بضبط أمور الناس في هذا الباب لو طبق كما هو، قواعد لقبول الأخبار، قواعد لقبول نقلة الأخبار، قواعد لقبول من ينقد النقلة، والآن تجد الإشاعات على أشدها، وتمشي على كثيرٍ من الناس، وتجد ناس يعدلون ويجرحون وليسوا بأهل، وتجد آحاد طلاب من ينتسب إلى العلم يقعون في الكبار من متقدمين ومتأخرين ولا يردعهم رادع ولا ورع ولا شيء، ينصبون أنفسهم حكام على خلق الله -عز وجل-، فلا بد أن تتوافر هذه الشروط.