شرح نظم اللؤلؤ المكنون (١)

٩٠ فقرة، ج ١ ص ١

الصفحة ١ من ٣

  1. شرح نظم: (اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون) (١)

    ج ١ ص ١
  2. شرح مقدمة النظم (الأبيات الأولى)

  3. الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فلا يخفى على من حضر فضل العلم الشرعي، وما أعده الله -جل وعلا- من ثوابٍ عظيم لحملته، بل لمن سعى في طلبه ولو لم يدركه، فجاء في الحديث: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) ) مجرد أن يسلك الإنسان الطريق يثبت له إن كان مخلصاً لله -عز وجل- هذا الموعود الصادق، فإذا كان العلم يؤثر في الحيوانات، بل في أخسها، فماذا عن مسلم مؤمن يبتغي بهذا العلم وجه الله والدار الآخرة؟! الأمر في غاية الأهمية، ومقابله في غاية الخطورة؛ لأن العلم الشرعي ويراد به ما يعتمد على الوحيين من أمور الآخرة المحضة التي لا تقبل التشريك، فمن تعلم ليقال: عالم هذا مصيره أن يكون أحد الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ولو قيل: إنه عالم، ولو تبوأ منزلة بين الناس، ولو تبوأ المنازل والمناصب بين الناس؛ ليستوفي حقه في الدنيا، ويدخر له العذاب يوم القيامة، نسأل الله السلامة والعافية، والعلم الذي جاءت النصوص بمدحه ومدح حامليه هو العلم الشرعي، والعلم الشرعي المعتمد على الوحيين، أما ما سواه من العلوم فهو كغيره مما يعانيه الناس من أمور دنياهم، إن احتسب به نفع المسلمين أُجر عليه كما يؤجر الصانع والمزارع وغيرهما، وإن خلى عن النية فلا له ولا عليه، وهذا بخلاف هذا العلم الذي هو في الحقيقة عبادة، بل من أجل العبادات، ولذا يقرر أهل العلم في أبواب صلاة التطوع يرتبون ما يتطوع به العبد بعد الفرائض، ويجعلون العلم وطلب العلم ومدارسة العلم في رأس القائمة، والمراد به علم الوحيين الكتاب والسنة.

  4. وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتلقون العلم من النبي -عليه الصلاة والسلام- مباشرة ودون وسائط، فلا يحتاجون إلى وسائل تعينهم على فهم الكتاب والسنة، فلما وجدت الوسائط بين من ينشد العلم ويطلبه وبين مبلغه عن ربه -عليه الصلاة والسلام- احتيج إلى مثل هذه الوسائل.

  5. في القرن الأول والثاني العهد قريب، والقرائح باقية، والفطر على ما كانت عليه، ثم لما وجدت الحاجة إلى أن يؤلف في علوم الوسائل إلى المقصد الأصلي وهو علم الوحيين هذه الحاجة أوجدت هذه العلوم، فألف الناس في العقائد وبيان العقيدة الصحيحة المتلقاة من كتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، وما يبين ذلك من أقوال الصحابة والتابعين لما وجد المخالف في هذا الباب فبينت هذه العقائد ودونت فيها الكتب حمايةً للمسلمين، ورداً على المخالفين.

    ج ١ ص ٢
  6. بَعُد العهد، واختلط العرب بغيرهم، فاحتاجوا إلى ما يعينهم على فهم كلام الله -عز وجل-، فألفت التفاسير، كثرت الوسائط بين الناس وبين النبي -عليه الصلاة والسلام-، فاحتيج إلى أن تبحث أحوال هذه الوسائط جرحاً وتعديلاً، واحتيج أن يصنف في قواعد من قبل أهل العلم تضبط ما يقال في هؤلاء الرواة من جرح وتعديل، فالحاجة أوجدت هذه العلوم، والعلماء أدوا ما عليهم في خدمة الكتاب والسنة، وما يعين على فهم الكتاب والسنة، واحتيج أيضاً إلى تدوين أقوال سلف هذه الأمة في القضايا والنوازل ليفاد منها في كيفية التعامل مع نصوص الكتاب والسنة، فألفت كتب الفروع، ووجدت القواعد والضوابط والأصول التي يستعين بها طالب العلم في كيفية التعامل مع النصوص، فألفت بقية العلوم لتخدم الكتاب والسنة.

  7. وهذا العلم أعني علم مصطلح الحديث من هذا النوع، وألف للتوصل به وبواسطته إلى معرفة المقبول والمردود مما ينسب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، فكان موضوعه الأسانيد والمتون الذي نظم فيهما هذا النظم الذي بين أيدينا.

  8. هذا الكتاب الذي معنا كتابٌ جامع متوسط لم يكن اختصاره مخلاً كالبيقونية وغرامي صحيح وغيرهما، ولم يكن مطولاً كالألفيات وغيرها مما زاد عليها.

  9. قد يقول قائل: هذا نظم وجاءت النصوص بذم الشعر فكيف نتقرب إلى الله -عز وجل- بما جاء ذمه في النصوص؟ {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [ (٢٢٤) سورة الشعراء]؟ وجاء في الصحيحين: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً) ) هذا ذم للشعر، لكنه محمولٌ عند أهل العلم على من امتلأ جوفه وذهنه وحافظته من هذا النوع من الكلام، وإذا امتلأ إذا امتلأ هذا الظرف وهذا الوعاء فإنه لن يكون لما أمر به من حفظٍ للكتاب والسنة من كلام الله -عز وجل- وكلام نبيه -عليه الصلاة والسلام- لن يكون له مكان، فمن كان ديدنه الشعر حتى يمتلئ بحيث لا يستطيع أن يستوعب غيره معه يرد فيه مثل هذا الحديث.

    ج ١ ص ٣
  10. وبعض أهل العلم حمل هذا الحديث، وما جاء في معناه على الشعر المذموم، ولا شك أن الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وسمع النبي -عليه الصلاة والسلام- الشعر، أنشد العشر بين يديه -عليه الصلاة والسلام-، استمع للشعراء، وأمر حساناً بأن يهجو الكفار، فدل على أن الشعر إذا خلى مما ذكر فإنه يكون من قبيل المباح، ثم إذا اشتمل على هذا الشعر على ما ينفع من دفاعٍ عن الإسلام وأهله يرد فيه نحو: ((اهجهم وروح القدس) ) أيش؟ ((تؤيدك) ) يكون مأموراً به، إذا كان فيه بيانٌ للدين، ودفاعٌ عنه، وردٌ على المخالفين يكون مما أمر به.

  11. كانت البدايات في نظم العلوم ضعيفة، ومقتصرة على التواريخ والأدب، وأنا دونت بعض من نظم في التواريخ من الأوائل:

    أبان بن عبد الحميد اللاحقي المتوفى سنة مائتين نظم في الأدب والأخلاق كتاب: (كليلة ودمنة) ، ونظم في التاريخ: (سيرة أنو شروان) و (سيرة أردشيه) جاء بعده بشر بن المعتمر الهلالي المعتزلي المتوفى سنة عشرٍ ومائتين فنظم قصيدة يقال: إنها في أربعين ألف بيت، رد فيها على جميع المخالفين لاعتقاده، جاء بعده علي بن الجهم القرشي المتوفى سنة تسعٍ وأربعين ومائتين فنظم أرجوزة تاريخية ذكر فيها تاريخ الخلق منذ آدم -عليه السلام- حتى الخليفة المستعين بالله.

  12. جاء بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن المعتز المتوفى سنة ستٍ وتسعين ومائتين فنظم أرجوزته في تاريخ الخليقة، بل في تاريخ الخليفة المعتضد وغيره، وتقع في عشرين وأربعمائة بيت، ثم جاء ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد المتوفى سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمائة فنظم أرجوزة تاريخية في مغازي عبد الرحمن الناصر، ورتبها على السنين، وتقع في خمسةٍ وأربعين وأربعمائة بيت، وأرجوزة أخرى في العروض تقع في ثلاثةٍ وتسعين وثلاثمائة بيت.

    ج ١ ص ٤
  13. استمر الحال على ذلك الضعف إلى أن جاء العصر العباسي الرابع الذي يبدأ من سنة سبع وأربعين وأربعمائة وينتهي بسقوط بغداد بالكارثة الأولى سنة ستٍ وخمسين وستمائة، فتغيرت حال الشعراء عما كانوا عليه، وانصرفت القرائح إلى نظم العلوم الشرعية، فأودعوا علومهم في قصائد طويلة تارةً، وقصيرة تارة أخرى ليسهل حفظها وتذكرها، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ جداً.

  14. من أطول هذه القصائد مما وجد قصيدة ابن عبد القوي نظم ابن عبد القوي -رحمه الله- للمقنع المسمى: (عقد الفرائد) وهذه طويلة جداً (عقد الفرائد وكنز الفوائد) مطبوع في مجلدين، تزيد أبياتهما على اثني عشر ألف بيت، وهذه المنظومة لا شك أن فيها ضبط لفقه الحنابلة على طولها، ولا مانع أن يعتني بها طالب العلم كما يعتني بغيرها من كتب الفقه، يقرأها قراءة، فإذا وجد بيتاً يشتمل على فائدة نادرة أو ضابط يمكن أن يحفظه فهو أحسن من النثر.

  15. نونية ابن القيم تذكر في هذا المجال، وهي نونية منظومة نافعة، عظم نفعها، بلغت في عدِّ خمسة آلاف وثمانمائة وعشرين بيت، والألفيات في كل علم أشهر من أن تذكر، هناك ألفية ابن مالك، وهناك ألفية العراقي، وألفية السيوطي، ألفيات كثيرة، ألفية في الفرائض، وألفية في الفقه.

  16. هناك المختصرات، المنظومات المختصرة التي عم نفعها كالرحبية في الفرائض، البيقونية على اختصارها في المصطلح، ونظم الآجرومية، ونظم الورقات وغير ذلك من المنظومات التي لا ينكر نفعها، فهذه منظومات مهمة.

  17. والنظم كما عرفنا يقابل النثر، ومنه نظم العقد، وجمعُ مفرداته في خيطٍ واحد، كما أن النظم نظم الكلام جمعُ كلمات البيت الواحد في عقدٍ واحد وهو البيت، بل في عقود وهي الأبيات.

  18. "اللؤلؤ المكنون" إحنا عندنا العنوان (نظم اللؤلؤ المكنون) جاء في تفسير القرطبي على قوله -جل وعلا-: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} [ (٢٤) سورة الطور] من سورة الطور، يقول: كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مكنون في الصدف، والمكنون المصون، يقول الكسائي: كننت الشيء سترته، وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي أسررته.

    وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنىً في الكنِّ وفي النفس جميعاً تقول: كننت العلم وأكننته فهو مكنون ومكنْ، وكننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة ومكنة.

    ج ١ ص ٥
  19. واللؤلؤ: هو الدر، عبارة عن أجسام مستديرة بيضاء لماعة، تتكون في الأصداف من رواسب بعض الحيوانات المائية، واحدتها لؤلؤة، والجمع لؤلؤ ولآليء.

  20. (في أحوال الأسانيد والمتون) يعني في توضيح وبيان أحوال الأسانيد وذكر السند والمتن، سيأتي في النظم لكن وروده هنا في أول مكان يغنينا عن إعادته فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.

  21. الأسانيد: جمع سند، وهو لغةً: ما ارتفع من الأرض، وما يليك من الجبل، وما قابلك من الجبل، ما قابلك مما يليك من الجبل، وعلا عن السفح، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو مسند وسند، ويقال: أسند في الجبل إذا صعده، كما يقال: فلانٌ سند أي معتمد، فالسند: ما يستند إليه، ويعتمد عليه من متكأٍ ونحوه.

  22. اصطلاحاً: عرفوه بأنه الإخبار عن طريق المتن، قال ابن حجر: حكاية طريق المتن، حكاية طريق المتن يعني الطريق الموصل إلى المتن، والإسناد يأتي بمعنى السند، حديثٌ إسناده حسن، أو سنده حسن لا فرق، وإن كان الأصل الإسناد، وهو المصدر رفع الخبر إلى قائله، أو رفع الحديث إلى قائله.

  23. والسند كما تقدم بعبارةٍ يمكن نصوغها تكون أوضح مما تقدم: هو سلسلة الرواة الذين يذكرهم المحدث ابتداءً بشيخه وانتهاءً بالنبي -عليه الصلاة والسلام-.

  24. والمتون: جمع متن، وهو ألفاظ الحديث، ألفاظ الحديث التي هي الغاية من دراسة هذا العلم، وأما دراسة الأسانيد فهي وسيلة، ألفاظ الحديث التي تقوم بها المعاني، مأخوذٌ من المماتنة، وهي المباعدة في الغاية؛ لأن المتن هو غاية السند، أو من المتن وهو ما صلب وارتفع من الأرض؛ لأن المسنِد يقوي المتن بالسند، ويرفعه إلى قائله، أو من تمتين القوس أي شدها بالعصب؛ لأن المسنِد يقوي الحديث ويسنده، أو يقوي الحديث بسنده.

    ج ١ ص ٦
  25. والأسانيد والمتون هي موضوع علوم الحديث، الأسانيد والمتون موضوع علوم الحديث، يعني علوم الحديث موضوعه في الأسانيد والمتون، يقول السيوطي:

    علم الحديث ذو قوانين تحد ... يدرى بها أحوال متنٍ وسند

    "فذلك الموضوع" يعني موضوع هذا العلم "فذلك الموضوع" وقدم الموضوع على الحد للحاجة إلى شرح عنوان الكتب، وإلا فالأصل تقديم الحد، والمبادئ العشرة معروفة.

    إن مبادئ كل علمٍ عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة

    وفضله ونسبة والواضع ... وحكمه ثم إيش؟ وفضله الاستمداد ثم حكم الشارع

    وفضله ونسبة والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع

    على كل حال الذي يعنينا من هذا تعريف علوم الحديث وموضوعه وفضله، بقية المبادئ العشرة بحثها موجود، فعلوم الحديث ويسمونه أصول الحديث، ويسمونه مصطلح الحديث، وهو بمنزلة علوم القرآن وأصول الفقه: القوانين المعرفة بحال الراوي والمروي، يعني بحال السند والمتن، بحال. . . . . . . . .، هذا أخصر ما قيل فيه، وإن كان له تعريفات باعتبار أسمائه، وشهرته في مصطلح الحديث في هذه الكلمة، وهي عبارة عن جزأين ركب أحدهما على الآخر، جزأين متضايفين مصطلح وحديث، وله تعريف باعتبار جزئي المركب، وتعريفه الذي مضى باعتباره علم على هذا العلم.

  26. المصطلح هو العرف الخاص، يعني ما يتعارف عليه أهل علمٍ من العلوم، فإذا كان هذا المصطلح لا يتضمن مخالفةً لما تقرر في أي علمٍ من العلوم فإنه لا مشاحة فيه، وأهل العلم يطلقون لا مشاحة في الاصطلاح مع أنه ينبغي أن تقيد بما لا يخالف نصاً شرعياً، أو ما تقرر في أي علمٍ من العلوم.

  27. يعني لو قال شخص: أنا أصطلح لنفسي أن تكون السماء وهي في مكانها أقول: تحت، والناس يقولون: فوق، والأرض فوق وإن كانت تحت ويش اللي يضر؟ لا مشاحاة في الاصطلاح وأبين، نقول: لا، هذا يخالف ما تقرر عند جميع العقلاء، فليس لك أن تصطلح لنفسك ما يخالف ما تقرر، لو قال: أنا أجعل الشمال جنوب والجنوب شمال، أجعل في اصطلاحي أن اليمن في جهة الشمال، والشام في جهة الجنوب، نقول: لا، هذا يخالف ما اصطلح عليه، لكن لك أن تصطلح لنفسك ولا مشاحاة في الاصطلاح أن تقلب الخارطة، فبدلاً من أن يكون الشام في رأس الخارطة، واليمن في أسفلها اقلب لا بأس، ما في مانع؛ لأن هذا لا يغير من الواقع شيء.

    ج ١ ص ٧
  28. أقول: هذه المسألة التي تطلق على ألسنة أهل العلم هي بحاجة إلى مثل هذا التقييد، ولا نريد أن نسترسل أكثر من هذا، فنأتي إلى التعريف بالمؤلف.

  29. المؤلف -رحمة الله عليه- أشهر من نار على علم، فهو بالنسبة لاسمه:

    الشيخ العالم العلامة، وإن صغر سنه، فالعبرة بما حواه من علمٍ وعمل، اسمه: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، نسبةً إلى الحكم بن سعد العشيرة، ولد -رحمة الله عليه- .. نريد أن نختصر اختصار شديد جداً؛ لأن سيرة الرجل -رحمة الله عليه- العطرة كتب فيها رسائل علمية، ودونت في بطون الكتب ضمن التراجم بإفاضة، استوفيت حياته -رحمة الله عليه-، وشيوخه، تلاميذه، مؤلفاته، شيء من أخباره، المقصود أن هذا مستوفى، لا نستطرد بذكره.

  30. ولد -رحمة الله عليه- سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف، في شهر رمضان بقرية يقال لها: السلام، تابعة لمدينة المظايا، حاضرة قبيلة الحكَّامية أوالحكَامية،. . . . . . . . . أعرف بضبطها، التي ينتسب إليها، ثم انتقل إلى قرية الجاضع التابعة لمدينة سامطة، تعلم مبادئ القراءة والكتابة في الكتاب، حيث ألحقه أبوه بكتاب القرية، حفظ القرآن وبعض المتون العلمية في وقتٍ مبكر جداً، لزم الشيخ عبد الله القرعاوي، الذي انتقل إلى المنطقة هناك في جيزان سنة تسعٍ وخمسين وثلاثمائة وألف في شعبان.

  31. رزقه الله حافظةً قوية، وفهماً ثاقباً، فحصل في مدةٍ يسيرة جداً من العلوم ما لا يدرك في عقود، ومؤلفاته شاهدةٌ على ذلك التي من أشهرها: (سلم الوصول) شرحه (معارج القبول) ، (أعلام السنة المنشورة) (دليل أرباب الفلاح) في المصطلح، (المنظومة الميمية في الوصايا والآداب العلمية) أقول: مثل هذه المنظومة لا يستغني عنها طالب علم، أودعها -رحمة الله عليه- وصايا يحتاج إليها كل طالب علم، (النور الفائض في علم الفرائض) وغير ذلك من المؤلفات الشيء الكثير.

    ج ١ ص ٨
  32. توفي -رحمة الله عليه- بعد أن أدى الحج سنة سبعٍ وسبعين وثلاثمائة وألف، وكان عمره خمساً وثلاثين سنة وأشهر، يعني إذا كان النووي -رحمة الله عليه- يضرب به المثل في وجود البركة في عمره ومدته على قصرها، فالشيخ حافظ -رحمة الله عليه- أصغر منه بعشر سنوات مع ما قدمه للأمة من علمٍ محرر محقق، والله المستعان.

  33. سم.

  34. بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين، واعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:

    قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي -رحمه الله تعالى- المتوفى سنة سبعٍ وسبعين وثلاثمائة وألف، قال -رحمه الله تعالى- في كتابه: (نظم اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون) :

    اَلْحَمْدُ كُلُّ اَلْحَمْدِ لِلرَّحْمَنِ ... ذِي اَلْفَضْلِ وَالنِّعْمَةِ وَالإِحْسَانِ

    ثُمَّ عَلَى رَسُولِهِ خَيْرِ اَلأَنَامِ ... وَالآلِ وَالصَّحْبِ اَلصَّلاةُ وَالسَّلامُ

    الناظم -رحمه الله تعالى- ابتدأ نظمه بالبسملة والحمدلة اقتداءً بالقرآن الكريم الذي افتتح بهما على ما بين أهل العلم من خلافٍ في البسملة، وهل هي آية من الفاتحة فقط أو من كل سورة أو ليست بآية مطلقاً؟ والإجماع قائم على أنها بعض آية من سورة النمل، وأنها ليست بآية في أول سورة براءة.

  35. على كل حال أجمع الصحابة على كتابة البسملة، والحمدلة من أصل القرآن، فينبغي لمن أراد أن يكتب أن يؤلف كتاباً أن يقتدي بهذا الكتاب العظيم.

  36. النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما عرف من عادته المطردة في خطبه يفتتحها بالحمد، وفي مكاتباته يفتتحها بالبسملة، فهل الكتب والرسائل مشبهة للخطب أو للرسائل؟ القرآن كتاب الله فالكتب تشبهه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في مكاتباته ومراسلاته يبتدئ بالبسملة لا يبتدئ بالحمدلة، وفي خطبه يبتدئ بالحمدلة، وعلى كل حال الجمع بينهما اقتداءً بالقرآن؛ لأن الكاتب إنما يؤلف كتاباً، لكن لو بعث رسالة أو خطاب اقتصر على البسملة، وإذا خطب اقتصر على الحمدلة تنزيلاً للنصوص في منازلها، وإيقاعاً لها في مواضعها.

    ج ١ ص ٩
  37. ورد في حديث أبي هريرة وغيره وله طرق: ((كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ بحمد الله فهو أبتر) ) وفي رواية: ((ببسم الله) ) له ألفاظ وطرق كثيرة محكومٌ عليها عند جمعٍ من أهل العلم بالضعف، فلا تقوم بها حجة، وحكم النووي على لفظ: الحمد على وجه الخصوص بالحسن، وقبله ابن الصلاح.

  38. فمن بلغ عنده مرتبة الحسن عمل به، ومن جرى وسار على مذهب جمهور أهل العلم من الاحتجاج بالضعيف في مثل هذا المقام يفتتح به بالبسملة والحمدلة، على كل حال عمدتنا في ذلك القرآن الكريم، وما ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام-.

  39. "الحمدُ" يعرفه كثيرٌ من أهل العلم بل الأكثر بأنه: هو الثناء على الله -عز وجل-، ابن القيم -رحمه الله تعالى- عرفه في الوابل الصيب بأنه هو الإخبار عن الله -عز وجل- بصفات كماله مع محبته والرضا به، والثناء عنده هو تكرير المحامد شيئاً بعد شيء، تكرير المحامد هل هو من الثني أو من التثنية؟ فرقٌ بين ثنّى وثنَى، ثنَى لا يقف العدد عند اثنين، ولذا في حديث ماعز لما اعترف ردده حتى ثنَى عليه الأمر، أو حتى اعترف مراراً، اعترف أكثر من مرتين، أما إذا ثنَّى فهو اثنين فقط.

  40. الثناء: هو تكرير المحامد شيئاً بعد شيء، والتفريق بين الحمد والثناء هو الراجح، وإن فسر أكثر أهل العلم الحمد بأنه الثناء؛ لما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى علي عبدي) ) فغاير بينهما في هذا النص الصحيح، والحديث مخرجٌ في صحيح مسلم و (أل) في الحمد للجنس، جنس الحمد مختصٌ بالله -عز وجل-، أو للاستغراق جميع أنواع المحامد لله -عز وجل-، واللام في "للرحمن" للاختصاص كما هي في قوله -جل وعلا-: {الْحَمْدُ للهِ} [ (٢) سورة الفاتحة] للاختصاص سواءً بسواء.

    ج ١ ص ١٠