شرح نظم اللؤلؤ المكنون (١)
٩٠ فقرة، ج ١ ص ١
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ١٠
و "كل الحمد" تأكيد، تأكيدٌ لاستغراق جميع أنواع المحامد لله -جل وعلا-، واختصاصها بالله -عز وجل-.
-
"ذي الفضل" صاحب الفضل على جميع مخلوقاته حيث أوجدهم من العدم، وأسبغ عليهم النعم.
-
"والنعمة" يقول الراغب: النعمة الحال الحسنة، وبناءُ النعمة بناءُ الحالة التي يكون عليها الإنسان، يعني بناء هيئة كالجلسة والركبة والذبحة، وما أشبه ذلك، والنَعمة التنعم، وبناؤها بناء المرة كالضربة والشتمة، وما أشبه ذلك، والنعمة للجنس؛ لأنه قال: ذي الفضل والنعمة، هل المراد النعمة الواحدة أو النعم التي لا تعد ولا تحصى؟ فالنعمة (أل) فيها هنا للجنس، فيقال: النعمة للقليل والكثير، كما في قوله -جل وعلا-: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} [ (١٨) سورة النحل] هل المراد أن نعد نعمة واحدة؟ نعد نعم، لكننا لا نحصي هذه النعم {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} [ (١٨) سورة النحل] {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [ (٤٧) سورة البقرة] {أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [ (٣) سورة المائدة] {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ} [ (١٧٤) سورة آل عمران] إلى غير ذلك من الآيات، المقصود أن النعمة تطلق ويراد بها جنس النعم، فتطلق وإن كان لفظها لفظ المفرد إلا أنها تطلق على القليل والكثير.
- ج ١ ص ١١
"والإحسان" الإحسان كما في البصائر للفيروز أبادي: إفعال من الحسن، وهو كلُّ مبهجٍ مرغوب في عقلاً أو حساً، وقد حسُن يحسن ككرُم يكرم، وحسَن يحسن كنَصر ينصر، فهو حاسنٌ وحسَنٌ وحسِينٌ وحُسانٌ وحُسَّان.
-
والحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمةٍ تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، والسيئة تضادها، والإحسان يقع على وجهين: أحدهما الإنعام على الخير، يعني الإحسان المتعدي، أحسن إلى فلان، والثاني: إحسانٌ في فعله، يعني إحسانٌ من الإنسان على نفسه، وذلك إذا علم علماً حسناً وعلَّم علماً حسناً أو عمل عملاً حسناً، والإحسان أعم من الإنعام، وقد ورد الإحسان في التنزيل على ثلاثة عشر وجهاً لا نطيل بذكرها، من أرادها يراجعها في (بصائر ذوي التمييز) للفيروز أبادي.
-
وعطف الإحسان لأنه قال: والإحسان أعم من الإنعام إذاً يكون عطف الإحسان على النعمة من باب عطف العام على الخاص {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} وإيش؟ {وَالنَّبِيِّينَ} [ (١٦٣) سورة النساء] من عطف العام على الخاص، وعطف العام على الخاص وعكسه موجود في النصوص كثيراً وفي كلام العرب، وفي كلام أهل العلم كثير للعناية بشأن الخاص والاهتمام به، وإلا لو لم يذكر لدخل في العام.
-
"ثم على رسوله" -صلى الله عليه وسلم-، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي المبعوث رحمةً للعالمين.
-
"خير الأنام" أكرم الخلق وأشرفهم على الله -عز وجل-، سيد ولد آدم، والأنام: الناس كما يذكر عن ابن عباس، وقال الحسن: هم الجن والإنس، وقال الضحاك: كل ما دب على وجه الأرض.
-
"والآل" اختلف في أصله فقيل أصله: الأهل، ثم قلبت الهاء همزةً فقيل أأل، ثم سهلت الهمزة الثانية فقيل: آل، ولهذا يرجع إلى أصله في التصغير فيقال: أهيل، وضعف ابن القيم هذا القول من ستة أوجه، يراجعها من أرادها في (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام) وهو كتابٌ بديع فذٌ في بابه.
- ج ١ ص ١٢
لو ذهبنا نستطرد ونذكر كل ما قاله أهل العلم، والأيام قليلة، والإخوان كأن بعضهم يمل من زيادة التفصيل، وإن كان بعضهم يريد استطرادات ويريد فوائد تزيد على ما يمكن أن يقال في شرح هذا المتن، في مثل هذا الظرف في دورة علمية، ومن المجزوم به أن المتن لن يكمل في هذه الدورة، ولا في التي تليها، ولا في التي تليها، يمكن يحتاج إلى ثلاث أو أربع دورات، هذا مع الاختصار الشديد، وإلا لو شرحنا الكتاب على طريقتنا في الاستطرادات ولم العلوم كلها بعضها على بعض يحتاج إلى أزمان متطاولة، ولعل هذا يتيسر مثله في مصنف؛ لأن الكتاب اقترحناه على الإخوة باعتباره بكر لم يشرح.
-
لكن اليوم بعد صلاة العصر بعث إليَّ شرحٌ قام به بعض طلاب العلم من أسرة الشيخ نفسه، اسمه على اسمه حافظ بن محمد بن عبد الله الحكمي، أستاذ مساعد في الجامعة الإسلامية، ولم يتيسر لي الاطلاع على هذا الكتاب؛ لأنه وصلني متأخراً، على كل حال نأتي بالمهمات من المسائل -إن شاء الله تعالى-، ونترك الباقي إما لفطنة القاري لوضوحها، أو لتوفرها في المصادر.
-
وقيل أصله: أَوْل، وذكره الجوهري في باب الهمزة والواو واللام، قال: وآل الرجل أهله وعياله وأتباعه، وهو عند هؤلاء مشتق من الأول وهو الرجوع، واختلف في المراد بالآل على أربعة أقوال:
الأول: أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة ((الصدقة أوساخ الناس لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) ) وهم معروفون عند أهل العلم، منهم من يخصهم ببني هاشم، ومنهم من يلحق بهم بني المطلب.
-
الثاني: أنهم أزواجه وذريته خاصة، اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه وذريته، المقصود أن هذان القولان كما يقول ابن القيم الأول هو الأصح، ويليه الثاني.
-
أما الثالث: وهو أنهم أتباعه إلى يوم القيامة، هم يدخلون في الآل دخولاً لغوياً كما نص على ذلك الجوهري في كلامه، قال: وآل الرجل أهله وعياله وأتباعه، لكنهم في النصوص الشرعية هذا القول أتباعه إلى يوم القيامة.
-
والقول الرابع: أنهم الأتقياء من أمته -عليه الصلاة والسلام-، يقول ابن القيم: وأما الثالث والرابع فضعيفان، يعني إذا دخل الأتباع في الآل لغةً فدخولهم في النصوص يكون من باب الدخول اللغوي بالمعنى الأعم.
- ج ١ ص ١٣
"والصحب" جمع صاحب كركب وراكب، والمرجح في تعريف الصحابي ما ذكره البخاري في صحيحه: وهو من صحب النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو رآه من المسلمين فهو صاحب، الصحبة شرف ومنزلة تبوأها صدر هذه الأمة، ممن رأى النبي -عليه الصلاة والسلام-، ويحتاج إلى زيادة قيد، ولذا يقول المتأخرون: الصحابي من رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- مؤمناً به ومات على ذلك، ولو تخلل ذلك ردة، فالذي رآه قبل أن يؤمن، قبل أن يسلم ثم أسلم بعد ذلك ليس بصحابي على هذا، ومن رآه مؤمناً به ثم مات على ردته ليس بصحابي ولا كرامة، المقصود أن من رآه مؤمناً به ومات على ذلك ولو تخلل ذلك ردة ثم عودة إلى الدين فإنه يسمى صحابي على المختار عند كثيرٍ من أهل العلم.
-
"الصلاة" روى البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً به عن أبي العالية قال: "صلاة الله -يعني على رسوله عليه الصلاة والسلام- ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، وروي عن ابن عباس أنه قال: يصلون يبركون، البخاري يأتي بمثل هذه التفسيرات لكلمات جاءت في القرآن ليستفيد القارئ ما ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وعن غيره مما يعين على فهم كتاب الله -عز وجل-، فهو يعنى بالغريب، فهو يعنى ببيان الغريب، وأحياناً يلتفت الإنسان لمناسبةٍ عن لفظٍ أو للفظٍ ذكره البخاري عرضاً في باب فيصعب عليه إدراك الرابط، فتجد هذه الكلمة التي شرحها البخاري في نصٍ من الكتاب أو من السنة له علاقة بالموضوع، وإن لم تكن العلاقة الكلمة نفسها، لكنها كلمة غريبة وردت في هذا النص فهو يستفيد أكثر من فائدة، أو يفيد أكثر من فائدة، يفيد بيان معنى هذه الكلمة الغريبة، ويفيد لفت نظر القارئ إلى النص التي وردت فيه هذه الكلمة مما يفيد بالباب، فيصلون: يبركون، وهو يشير إلى قوله -جل وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} يعني يبركون {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [ (٥٦) سورة الأحزاب].
- ج ١ ص ١٤
وفي سنن الترمذي يقول: روي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، والسلام هو التحية، ولم يقتصر الناظم -رحمه الله تعالى- على ذكر الصلاة امتثالاً للأمر في قوله -جل وعلا- في الآية آنفة الذكر {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} فجمع بينهما ليتم الامتثال، وإن وقع في كلام بعض أهل العلم الاقتصار على الصلاة، أو الاقتصار على السلام، كما فعل مسلم في مقدمة صحيحه، وهذه إنما تقع من مثل هؤلاء إذا طال الفصل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ثم ينسى وسلم تسليماً كثيراً، لكن لو قرن بينهما وقال: وصلى الله وسلم وبارك ما نسي السلام.
-
على كل حال النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه لكلام مسلم أطلق الكراهة بالنسبة لمن يقتصر على الصلاة دون السلام أو العكس، وخص الحافظ ابن حجر الكراهة فيمن كان ديدنه ذلك، باستمرار يصلي على النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا يسلم عليه أو العكس، ومثل هذا لا يتم امتثاله للأمر المذكور في الآية.
-
على كل حال هو وقع من بعض العلماء ولم يكن ديدناً لهم، ولم يقتصر الناظم -رحمة الله تعالى عليه- على ذكر الآل فأفردهم عن الصحب، وإن دخل الصحب في الآل بالمعنى الأعم؛ لأن بعض طوائف المبتدعة تقتصر على ذكر الآل، ولم يقتصر على ذكر الصحب مخالفةً لمبتدعةٍ آخرين فجمع بينهما، ولا شك أن كل من الآل والصحب لهم حق على الأمة، فالآل وصيته -عليه الصلاة والسلام-، الآل وصية النبي -عليه الصلاة والسلام-، فمن امتثال هذه الوصية ومن البر به -عليه الصلاة والسلام-.
- ج ١ ص ١٥
ومما يطلبه من أمته المودة في القربى، فمن تمام الصلاة عليه -عليه الصلاة والسلام- الصلاة على آله، والصحب بواسطتهم نصر الدين في حياته -عليه الصلاة والسلام-، ونقل الدين، وبلغ الدين لمن جاء بعده، فلهم أيضاً حق في الصلاة والسلام عليهم تبعاً له -عليه الصلاة والسلام-، ولا يعني هذا أن الإنسان إذا لم يصلِّ على الصحب لا يصلِّي على الآل أو العكس، لا، لكن أقول: من تمام الامتثال أن يصلى على الآل والصحب، وليس من باب الأولى أن يقتصر على الآل فقط، أو يقتصر على الصحب فقط؛ لما عرفنا أن الاقتصار على الآل صار شعاراً لطائفة من المبتدعة، كما أن الاقتصار على الصحب صار شعاراً لطائفة آخرين، نعم.
وَبَعْدُ إِنَّ أَشْرَفَ اَلْعُلُومِ ... بَعْدَ كِتَابِ اَلصَّمَدِ اَلْقَيُّومِ
عِلْمُ اَلْحَدِيثِ إِذْ هُوَ اَلْبَيَانُ ... لِمَا بِهِ قَدْ أُنْزِلَ اَلْقُرْآنُ
فَسُنَّةُ الرَّسولِ وَحْيٌ ثَانِ ... عَلَيْهِمَا قَدْ أُطْلِقَ اَلْوَحْيَانِ
وَإِنَّمَا طَرِيقُهَا اَلرِّوَايَةْ ... فَافْتَقَرَ اَلرَّاوِي إِلَى اَلدِّرَايَةْ
بصِحَّةِ اَلْمَرْوِيْ عَنْ الرَّسُولِ ... لِيُعْلَمَ اَلْمَرْدُودُ مِنْ مَقْبُولِ
إن قلتَ: ليُعلم فقل: مردودُ نائب فاعل.
-
طالب: نعم يا شيخ.
-
إن قلت: ليُعلم وبنيته للمجهول فارفع المردود ليُعلم المردودُ يكون نائب فاعل، وإن بنيته للمعلوم فقلت ليَعلمَ، والراوي الذي افتقر إلى الدراية ليعلمَ المردودَ من مقبول.
بصِحَّةِ اَلْمَرْوِيْ عَنْ الرَّسُولِ ... لِيُعْلَمَ اَلْمَرْدُودُ مِنْ مَقْبُولِ
لا سِيَّمَا بَعْدَ تَظَاهُرِ اَلْفِتَنِ ... وَلَبْسِ إِفْكِ اَلْمُحْدَثِينَ بِالسُّنَنِ
فَقَامَ عِنْدَ ذَلِكَ اَلأَئِمَّةْ ... بِخِدْمَةِ اَلدِّينِ وَنُصْحِ اَلأُمَّةْ
وَخَلَّصُوا صَحِيحَهَا مِنْ مُفْتَرَى ... حَتَّى صَفَتْ نَقِيَّةً كَمَا تَرَى
ثُمَّ إِلَيْهَا قَرَّبُوا الْوُصُولاَ ... لِغَيْرِهِمْ فَأَصَّلُوا أُصُولاَ
وَلَقَّبُوا ذَاكَ بِعِلْمِ اَلْمُصْطَلَحْ ... حَيْثُ عَلَيْهَا اَلْكُلُّ مِنْهُمُ اِصْطَلَحْ
وَزَادَ مَنْ جَا بَعْدَهُمْ عَلَيْهَا ... بِحَسْبِ اِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهَا
ج ١ ص ١٦وَكُلُّ بَحْثِ أَهْلِ هَذَا اَلْفَنِّ ... فِي حَالِ إِسْنَادِ وَحَالِ اَلْمَتْنِ
عَنَوْا بِـ (الإِسْنَادِ) اَلطَّرِيقَ اَلْمُوَصِلَهْ ... لِلْمَتْنِ عَمَّنْ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهْ
وَ (الْمَتْنُ) مَا إِلَيْهِ يَنْتَهِي اَلسَّنَدْ ... مِنْ اَلْكَلامِ وَ (الْحَدِيثِ) مَا وَرَدْ
عَنْ اَلنَّبِيْ وَقَدْ يَقُولُونَ (اَلْخَبَرْ) ... كَمَا أَتَى عَنْ غَيْرِهِ كَذَا (اَلأَثَرْ)
وَهَاك تَلْخِيصُ أُصُولٍ نَافِعَةْ ... لِجُلِّ مَا قَدْ أَصَّلُوهُ جَامِعَةْ
يقول الناظم -رحمه الله تعالى- بعد أن حمد لله -جل وعلا- على نعمه وإفضاله وإحسانه، وصلى على نبيه -عليه الصلاة والسلام- وعلى آله وصحبه يقول:
"وبعد إن أشرف العلوم" (أما بعد) يؤتى بها للانتقال من غرضٍ إلى آخر، ومن أسلوبٍ إلى آخر، ومن الوسائل إلى غايتها، المقصود أنها يؤتى بها للانتقال، وقد ثبتت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث تزيد عن الثلاثين في خطبه وفي رسائله، فالإتيان بها سنة، بهذا اللفظ: أما بعد، ولم يحفظ عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: وبعد، لكن يقول بعض العلماء أن الواو هذه تقوم مقام (أما) كأنها من باب التسهيل، لكن الامتثال والاقتداء إنما يتم باللفظ المأثور عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو (أما بعد) و (أما) حرف شرط، و (بعد) ظرف مبني على الضم قائم مقام الشرط، وجواب الشرط ما بعدها مما يقترن بالفاء؛ لأن (أما) لا بد أن يقترن جوابها بالفاء، وهنا ومما يعتذر به للناظم أن النظم قد لا يطاوع، وارتكب في النظم من الضرورات ما لم يرتكب في النثر.
-
المقصود أن الاقتداء إنما يتم بقولنا: (أما بعد) و (أما بعد) اختلف أهل العلم في أول من قالها على ثمانية أقوال يجمعها قول الناظم:
الخلفُ في أما بعد من كان بادئاً ... بها عدَّ أقوالٌ وداود أقربُ
ويعقوب أيوب الصبور وآدمٌ ... وقسٌ وسحبانٌ وكعبٌ ويعربُ
ج ١ ص ١٧والأكثر على أن أول من قالها داود -عليه السلام-، وهي فصل الخطاب الذي أوتيه، المقصود أنها سنة يسن الإتيان بها في المراسلات وفي الخطب، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا تحتاج إلى (ثمَّ) قبلها وإن استفاض على ألسنة بعض من ينتسب إلى طلب العلم حينما يقدم يأتي بالحمدلة والصلاة وكذا (ثم أما بعد) لست بحاجة إلى (ثم) لا يوجد في النصوص هذا العطف، إن احتجتها ثانية للانتقال من أسلوب بدأت بـ (أما بعد) بعد المقدمة إن احتجت إلى الانتقال إلى أسلوب آخر تأتي بـ (ثم) تعطف عليها.
-
ولا أعرفها في مصنفات المتقدمين إلا في نسخةٍ من تفسير الطبري، نسخة خطية من تفسير الطبري، وإن اعتمدها شاكر الذي .. ، محمود شاكر الذي حقق الكتاب، وهو من كبار المحققين، على كل حال العبرة بما ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-.
-
"وبعد إن أشرف العلوم" لا شك أن العلم إنما يشرف بشرف المعلوم، "بعد كتاب الصمد القيوم" يعني بعد كتاب الله -عز وجل- الذي هو أشرف الكتب، وفضله على سائر الكلام كفضل الله -عز وجل- على خلقه، ولسنا بصدد بيان فضل القرآن والعناية بكتاب الله -عز وجل-، ذاك له مناسبات أخرى، ولا يخال أحداً من الحاضرين يخفى عليه ذلك، لكن الكلام فيما بعد كتاب الصمد القيوم، وهو علم الحديث، علم الحديث علم شريف.
علم الحديث إذ هو البيانُ ... . . . . . . . . .
-
المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد كتاب الله -عز وجل-، علم الحديث الذي هو ما ينسب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو وصف، لماذا؟ لأنه هو البيان لكتاب الله -عز وجل-.
علم الحديث إذ هو البيانُ ... لما به قد أنزل القرآنُ
{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} لإيش؟ {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [ (٤٤) سورة النحل] هذه وظيفة النبي -عليه الصلاة والسلام- بيان ما نزل إليه من ربه -عز وجل-، واستقلت السنة بأحكام لا توجد في القرآن؛ لأنها وحيٌ من الله -عز وجل-، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [ (٣ - ٤) سورة النجم] فما يأتي به النبي -عليه الصلاة والسلام- هو بيانٌ لما أجمل من قوله -جل وعلا-: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [ (٣٨) سورة الأنعام].
ج ١ ص ١٨علم الحديث إذ هو البيانُ ... لما به قد أنزل القرآنُ
القرآن يشتمل على مجمل بينته السنة، والبيان يأخذ حكم المبين.
فسنة الرسول وحيٌ ثاني ... . . . . . . . . .
-
كما جاء في قوله -جل وعلا-: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [ (٣ - ٤) سورة النجم] والخلاف بين أهل العلم في النبي -عليه الصلاة والسلام- هل له أن يجتهد ويصدر حكماً من تلقاء نفسه لم يتلقَ فيه عن الله -عز وجل- خبر أو ليس له ذلك؟ والجمهور على أن له أن يجتهد إلا أنه لا يقر على خلاف الأولى، وقصة فداء الأسرى مثالٌ على ذلك.
فسنة الرسول وحيٌ ثاني ... عليهما قد أطلق الوحيانِ
فالكتاب والسنة هما الوحيان، وإذا قيل: نصوص الوحيين فالمراد بذلك نصوص الكتاب والسنة، وأُلف كتاب اسمه: (تيسير الوحيين بالاقتصار على القرآن مع الصحيحين) فكرة هذا الكتاب أننا لسنا بحاجة إلى أي كتابٍ على وجه الأرض إلا القرآن والبخاري ومسلم، هذا من باب التيسير على المتعلمين، هذا هدف المؤلف، وهذا قصده، وقد عرف بالعلم والعمل إلا أنه في هذه المسألة أخطأ، أخطأ فإنه يصفو من كتب السنة من الصحيح الزائد على الصحيحين الشيء الكثير، وفي صنيعه هذا إهدار لجلّ السنة، وإن كان ابن الأخرم يقول:
. . . . . . . . . لكن قلّما ... عند ابن الأخرم منه قد فاتهما
يعني قليل الذي فات الصحيحين مما لم يذكرها، نقول: لا، ولذا قال الحافظ العراقي:
ورُد -يعني كلام ابن الأخرم-
ورد لكن قال يحيى البرُّ ... لم يفت الخمسة إلا النذرُ
وفيه ما فيه -يعني كلام يحيى الذي هو النووي-
وفيه ما فيه لقول الجعفي ... أحفظُ منه عشر ألف ألفِ
ج ١ ص ١٩يعني يحفظ مائة ألف، والكتب الخمسة ليس فيها من غير تكرار، ولا ربع هذا المقدار، بل ولا نصف ولا الثمن، المقصود أنه يصفو من صحيح السنة الزائد على الصحيحين الشيء الكثيرة، فهذه الدعوى التي وجهها وألف فيها على أنه مجتهد لكنه أخطأ في اجتهاده، وكل دعوةٍ تظهر على هذه البسيطة لا تخلو من مؤيد، ولذا وجد فرقة طائفة تدعو إلى الاقتصار على القرآن وعلى الصحيحين، لكن مثل ما ذكرنا هذا يهدر أكثر السنة، نعم العناية بكتاب الله -عز وجل- لا يناقش فيها أحد، العناية بكتب السنة لا سيما صحيح البخاري ثم صحيح مسلم لا يماري في ذلك أحد، لكن ليس معنى هذا أنك تقف، كمن حديث صحيح في مسند الإمام أحمد لا يوجد في الستة فضلاً عن الصحيحين وغيرها من دواوين الإسلام المعتبرة عند أهل العلم، وأوردنا هذا الكلام لأن هذه الفكرة لها رواج، نعم هي فيها تيسير وفيها حصر للعلم وإدراك للعلم في أقصر مدة، لكن يبقى أن فيها تضييع وإهدار، يعني لو إنسان قال: أنا باقتصر على الصحيحين قراءة ودراسة وإقراءً وفهماً ما يلام، لكن لا يتضمن كلامه هذا إهدار لبقية الكتب.
-
بالطرف المقابل وهذا أيضاً مما يعاب على بعض المتعلمين شغفهم بالإغراب، فتجد بعض مبتدئ الطلبة يُعنى بأجزاء غير معروفة، معاجم غير مشهورة، مشيخات مسلسلات، نعم فيها طرق لأحاديث أصولها معروفة، ولا يلام من بدأ بالأهم فالمهم كما يقول الشيخ حافظ -رحمه الله تعالى- في قصيدته الميمية:
بالمهم المهم ابدأ لتدركه ... وقدم النص والآراء فاتهمِ
اتهم الآراء، نعم لا تذهب إلى الإغراب تذهب إلى جزء كذا جزء كذا مشيخة كذا، معجم كذا وأنت لا تعرف الصحيحين، هذا خلل في منهجية التحصيل، وقلَّ أن يفلح من يتخبط مثل هذه التخطبات، ويترك الأهم ويذهب إلى ما دونه.
-
فطالب العلم يوصى بأن يعنى بكتاب الله -عز وجل- الذي مجرد تلاوته عبادة، ثم بعد ذلك يثني بأصح الكتب بعد كتاب الله -عز وجل-، وهو صحيح البخاري، ثم يثلث بصحيح مسلم، ثم السنن، ثم المسانيد إلى آخره.
- ج ١ ص ٢٠
هذا الترتيب الطبيعي للطلب، نعم أما إذا كان مبتدئاً له كتب تناسبُ مستواه العلمي إذا ترقى بعد ذلك إلى الطبقة الثانية له كتب، إلى الثالثة إلى الرابعة هذه جواد مطروقة عند أهل العلم، ليس معنى هذا أننا نقول لأول من بدأ: عليك بكتاب الله واعتنِ به وتفاسيره واقرأ كل شيء يدور حوله، إذا انتهيت من جميع التفاسير انصرف إلى السنة، أو نقول: في بداية الطلب ابدأ في البخاري ثم مسلم قبل المتون التي هي مثل الجواد عند أهل العلم؛ تسهل ما بعدها من متون أكبر منها إلى أن يرتقي طالب العلم على الطريقة المرسومة عند أهل العلم في كل علمٍ من العلوم.
-
الدهلوي له كلام في ترتيب كتب السنة، والبداءة بها، يقول: ينبغي أن يبدأ طالب العلم بسنن أبي داود والترمذي قبل الصحيحين؛ لأن الفائدة قريبة جداً سهلة منهما، أما صحيح البخاري لا شك أن فيه صعوبة، لكن من اعتاده وتمرن عليه يجد فيه متعة لا يدانيها أي كتاب، حاشا كلام الله -عز وجل-، كلام الله -عز وجل- يردده العالم والمتعلم والعامي باستمرار ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وكلما ازداد المسلم فضلاً عن طالب العلم أو العالم قراءةً وتدبراً لكتاب الله -عز وجل- ازداد نهماً به وشغفاً، لكن صحيح البخاري بعد كتاب الله -عز وجل- كما هو معروف، والمقارنة ليست واردة بين كلام الله -عز وجل- وكلام المخلوقين، لكن يبقى أن كتاب البخاري من يعنى به يجد فيه بغيته، ومن يجعله ديدناً له بعد كتاب الله -عز وجل- يجد فيه من العجائب ما لا يخطر على باله، ثم بعد ذلك ينصرف بعده إلى صحيح مسلم، ثم الترتيب المعروف السنن، والسنن مرتبتها تلي الصحيحين، والمقصود بذلك السنن الأربعة، ثم بعد ذلكم المسانيد بعد السنن.
ودونها في رتبةٍ ما جعلا ... على المسانيد فيدعى جفلا
المقصود أن الكلام في هذا الباب يطول، وله أوقاته -إن شاء الله تعالى-.
فسنة الرسول وحيٌ ثاني ... . . . . . . . . .
-
وين فهد؟ فهد موجود؟ انتهى؟. . . . . . . . . يعني كم حد الدرس؟ مدري والله.
-
طالب: . . . . . . . . .
-
حد الدرس في قدر محدد وإلا لا؟ الوقت الزمني؟
-
طالب: . . . . . . . . .
- ج ١ ص ٢١
بس أنا لا أريد أن أمل الإخوان؛ لأن هذا آخر درس في اليوم بعد دروس متعددة أخشى أن يملوا، وإلا الأمر الله المستعان .. ، لكن إذا تمت عشر ونصف فالظاهر أنه ساعة ونصف كافية -إن شاء الله-.
فسنة الرسول وحيٌ ثاني ... عليهما قد أطلق الوحيانِ
جوإنما طريقها الروايةْ ... . . . . . . . . .
-
طريقها طريق العلم والاطلاع والسنة الرواية؛ لأنها لا تدرك بالرأي، ولو كان الإنسان من أذكى الناس وأقواهم حافظة لا يروي السنة بأي طريقٍ معتبر من طرق التحمل المعروفة عند أهل العلم ماذا يدرك من السنة؟ لا بد من .. ، لأن هذا العلم علم رواية وليس علم رأي.
-
قد يقول قائل: إننا نسمع من يتصدى لإقراء الناس، وتعليم الناس، وإفتاء الناس، والقضاء بين الناس من بضاعته في هذا الباب قليلة أو مزجاة، ومع ذلكم مشت أموره، نقول: هذا اعتمد على الرأي، نعم قد يوجد عند بعض الناس من الذكاء ما يجعله يفهم، وقد تكون حافظته أقل، فهذا في الغالب ينصرف إلى الرأي؛ لأنه يعجزه حفظ المروي، لكن لا شك أن هذا ينقصه نور الوحي، ولذا تجدون البون الشاسع في كلام من يفتي بـ (قال الله وقال رسوله) ومن يفتي بـ (قال فلان وعلان) وذكر فلان في الكتاب الفلاني أو في الجزء الفلاني، هناك بونٌ شاسع.
وإنما طريقها الرواية ... فافتقر الراوي إلى الدراية
راوي لا يفهم، الراوي بأمس الحاجة أن يعرف ما يروي، وأن يعرف كيف يروي؟ وأن يعرف عمن يروي؟ كل هذا بحاجة إلى بيان، وسيأتي هذا مفصلاً في الأنواع والأبواب اللاحقة -إن شاء الله تعالى-.
فافتقر الراوي إلى الدراية ... . . . . . . . . .
-
الدراية تقابل الرواية، ولذا يقولون: علم رواية الحديث وعلم دراية الحديث، وكأنهم يجعلون الرواية هي النقل بالوسائط عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، والدراية الفهم، الفهم لهذا المنقول كيف ينقل؟ وما يستنبط منه، وغير ذلك مما يتعلق بدرايته.
بصحة المروي عن الرسولِ ... . . . . . . . . .