شرح نظم اللؤلؤ المكنون (٥)
٨٩ فقرة، ج ٥ ص ١
الصفحة ١ من ٣
- ج ٥ ص ١
شرح نظم: (اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون) (٥)
-
الكلام على: (الصحيح وأنواعه وشروطه) .
-
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
يمكن أن يفيد منه، وينفع به الآخرين، ويلقيه في مجالس الناس وفي محافلهم ليستفيدوا منه فينقله إلى مذكراته، فيضع عليه لوناً مميزاً، هذه طريقة نافعة مجربة؛ لأن الإنسان وهو بصدد الفراغ من هذا الكتاب الكبير قد لا يتسنى له، قد يمل ويترك، لو انتهى من هذه الأمور في وقتها يريد أن يحفظ هذا المقطع وكرره قد تكون الحافظة كليلة أو ضعيفة لا تسعف فأخذ عليه يومٌ كامل، وكل مقطع يريد حفظه يأخذ عليه يوم. . . . . . . . . يمل ويترك مثل هذا، لكن إذا فرغ من الكتاب وأخذه كاملاً بحيث صار عنده تصور كامل عن الكتاب وإن كان بعض الناس يقلل من قيمة القراءة السريعة والمسح للمطولات، لكن هذا ما جرب، لكن لو جرب؟ وقد يكون جرب فراجع نفسه بعد الفراغ من الكتاب فلم يتذكر منه شيئاً، يحاسب نفسه أنا قرأت الكتاب لمدة سنة لكن إيش الفائدة؟ يريد أن يستذكر شيء ما يستطيع، مثل هذا الاستذكار إذا لم تكن الحافظة قوية ما يسعف إلا عند الحاجة، فإذا بحث مسألة في مجلس ما تذكرت أنها مرت عليك في الكتاب الفلاني، وصار لديك تصور عن هذه المسألة، بينما يوجد كثير من طلاب العلم لا يعرف أن هذه المسألة بحثت من قبل أهل العلم، فعلى طالب العلم أن يتولى أموره بنفسه.
-
يقول: ذكر بعض الباحثين أن رد السنة ونقدها لمعارضتها القرآن أو عرض الحديث على القرآن ليس من منهج المتقدمين؟
-
أولاً: جاء في المسألة حديثٌ موضوع، وأنه لا بد من عرض قوله -عليه الصلاة والسلام- على كتاب الله -عز وجل-، وهذا الخبر موضوع.
-
يقول: ليس من منهج المتقدمين ولا يصح أن يكون علامة على ضعف الحديث إلا إذا كان الحديث غريباً؟
-
أولاً: لا يمكن أن يوجد تعارض حقيقي بين السنة وبين القرآن، لا يمكن أن يوجد تعارض، كما أنه لا يوجد تعارض حقيقي في حقيقة الأمر بين ما ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام-، ولا يوجد تعارض بين ما جاء في القرآن والسنة وصحيح السنة وبين الواقع، ما يمكن أن يأتي بما يخالف الواقع.
- ج ٥ ص ٢
نعم، ليس من منهج المتقدمين أنهم عند تصحيحهم وتضعيفهم لكل حديث أن يعرضوه على القرآن، يعني ليس من الدرجات درجات وخطوات العمل لإثبات الحديث أو رده عرض الحديث على القرآن، لكن القرآن محفوظ في الصدور، فإذا وجد تعارض في الظاهر بين آيةٍ وحديث لا بد من سعي وتوفيق من أجل دفع هذا التعارض.
-
عائشة -رضي الله عنها- ردت حديث: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله) ) لأنه معارضٌ بقوله -جل وعلا-: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [ (١٦٤) سورة الأنعام] هل هذا لأنه ثبت عندها أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قاله؟ لكنه لما عارض القرآن والقرآن المصدر الأول وهذا الثاني إذاً يقدم الأول؟ لا، لم يبلغها بطريقٍ ملزمة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وإلا {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [ (٣٦) سورة الأحزاب] ليس لأحدٍ خيار، نعم قد يوجد في الظاهر تعارض، لكن في الحقيقة لا تعارض، لا بد من إيجاد مخرج بأن يحمل هذا على كذا وهذا يحمل على كذا، إن لم يوجد هذا المخرج فلم يمكن الجمع بين هذه النصوص المتعارضة في الظاهر، ولا عرف المتقدم من المتأخر، ولا أمكن الترجيح بين هذه النصوص ليحكم للراجح بأنه هو المحفوظ والمرجوح بأنه شاذ فحينئذٍ التوقف.
-
كلام الأخ هنا: ذكر بعضهم أن رد السنة ونقدها لمعارضتها القرآن، وعرض الحديث على القرآن ليس من منهج المتقدمين، نعم، هو لا يذكر في خطوات النقد، بل القرآن محفوظ، وبداهةً أي خبر يعارض القرآن يدقق فيه، فإما أن يكون ناسخاً على القول بأن الآحاد ينسخ القرآن، والجمهور على خلافه، أو يكون مخصص أو مقيد، المقصود أنه لا يوجد تعارض بين الوحيين تعارض حقيقي، اللهم إلا إذا كان أحدهم متأخر والثاني متقدم فيحكم بالنسخ، وليس هذا بتعارض، هذا لا يسمى تعارض في الحقيقة.
- ج ٥ ص ٣
ابن خزيمة وهو من أعرف الناس في هذا الباب يقول .. ، ينفي التعارض بين الأحاديث، يقول: ومن كان عنده شيء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- .. ، ومن كان عنده حديثان متضادان فليأتني لأوفق بينهما، ومع ذلكم عجز عن التوفيق بين حديث: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي) ) في دعاء الاستفتاح، وبين حديث: ما جاء من ذم الإمام الذي يخص نفسه بدعوة دون المأمومين، حكم على الثاني بالوضع لأنه معارضٌ بحديث الصحيح.
-
والتوفيق سهل، شيخ الإسلام يحمل الثاني على ما على الدعاء الذي يؤمن عليه، أما الدعاء الذي يسر به فمثل ما جاء في دعاء الاستفتاح، قال: اللهم باعد بيننا، ومنهم من يقول: الذم إنما هو في حق ما لا يشترك فيه المأموم مع الإمام، أما ما يشترك فيه المأموم والإمام كدعاء الاستفتاح فلا يلزم فيه جمع الضمير.
-
يقول: مع العلم أن هذه الطريقة ظاهرة الاستعمال عند المحدثين فيما يظهر، وذكر بعض الأشخاص الذين استعملوها، وأن هذا الحديث ...
-
أولاً: الحديث الذي لا يشك في قبوله، الذي لا يشك في قبوله سنده صحيح ومتنه، ولم يقدح فيه أحد من أهل العلم مثل هذا يسعى فيه للتوفيق بينه وبين ما يعارضه في الظاهر، أما الحديث الذي يشك في صحته أو أهل العلم على تضعيفه مثل هذا يرد بالمعارضة، وإن كان من باب التمرين واحتمال أن يثبت هذا الخبر يقال: فإن صح فالمراد به كذا.
-
مثال ذلك: ((نية المؤمن خيرٌ من عمله) ) هذا حديثٌ ضعيف، لكن لا مانع أن يقال: إنه إن ثبت .. ، إن ثبت هذا الخبر يحمل على النية المجردة أفضل من العمل المجرد عن النية، يعني نية دون عمل، شخص ينوي الخير، في نيته فعل الخير متى تيسر له، وآخر يعمل بدون نية، لا عمل إلا بنية، ولا يقبل عمل إلا بنية، إذاً العمل مردود والنية، عملٌ مصحوب بهذه النية، النية عمل القلب فهو عملٌ مشروع، فإن صح هذا الخبر حمل على هذا، على أن النية المجردة أفضل من العمل المجرد، يعني هذا موضوع بحثه في مختلف الحديث.
-
عندما يقولون في التخريج: هذا الحديث روي بطرق كلها عن فلان، أو أن إٍسناده يدور على فلان هل معنى هذا أن الحديث غريب؟
- ج ٥ ص ٤
هذا يحتاج إلى شيء من التفصيل، إن كان المراد بهذا الحديث عن هذا الصحابي شيء، أو هذا الحديث عن هذا الراوي الثقة فقط لا يرويه إلا فلان أو لا يدور إلا عن فلان، يعني ما يروى عن الزهري إلا من طريق فلان، مداره على فلان، بينما يروى عن الزهري عن غير الزهري من طرق، هذا تسميته غريب تجوز، وهي من الغرابة النسبية، وإلا فله طرق، وأن أرادوا أنه يدور على فلان لا على غيره من جميع الطرق، ومن جميع الوجوه فهو غريب.
-
يقول: ((من أدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام أربعين يوماً كتبت له براءتان: براءة من النفاق، وبراءة من النار) ) .. ؟
-
هذا حديث مضعف عند أهل العلم، وإن حسنه بعضهم، وبعضهم يقبله في مثل هذا الباب ولو كان ضعيفاً؛ لأن ضعفه ليس بشديد.
-
يقول: ذكر الحاكم أن البخاري لا يذكر حديثاً إلا إذا رواه اثنان، وردوا على الحاكم بأن أول حديث: ((إنما الأعمال بالنيات) ) وبآخر حديث، ويمكن أن يجاب على الحاكم بأنه يرى أن البخاري لا يذكر الحديث في صحيحه إلا إذا كان له راويان، ولم يقل الحاكم بأن البخاري لا بد أن يذكر السندين أو الطريقين في صحيحه، بل قد يكتفي بأحدهما كما في أول حديث رواه؟
-
حتى لا يوجد له إسنادهٌ آخر ولا في غير البخاري، لا يوجد لحديث: (الأعمال بالنيات) إسنادٌ آخر ولا في غير البخاري، لا يصح إلا عن عمر، ولا عن عمر إلا عن علقمة وهكذا، فالإشكال باقٍ، منهم من رد بجوابٍ أوسع من هذا فقال: إنه لا يخرج حديث لراوٍ من الوحدان، بمعنى أنه لم يرو عنه إلا شخص واحد، خرج حديث: (الأعمال بالنيات) لعمر، ولعمر جمع من الرواة ولو في غير هذا الحديث، وعلقمة له جمعٌ من الرواة في غير هذا الحديث، إذاً البخاري لا يخرج للوحدان، ورد عليه بأن في الصحيحين من الوحدان جمع ممن ليس لهم إلا راوٍ واحد، كما ٍسيأتي في بحث المجهول -إن شاء الله تعالى-.
- أسئلة كثيرة ومهمة، نختم بهذا السؤال:
-
كيف يبدأ الطالب بحفظ متون المصطلح؟ وبأيها يبدأ؟
- ج ٥ ص ٥
كتب المصطلح كثيرة، لكن إذا بدأ بالنخبة وحفظها، وقرأ شروحها، وسمع ما عليها من شروح من أشرطة، وحضر بعض الدروس عليها، وقرأ بعدها اختصار علوم الحديث لابن كثير، وما كتب عليه، ثم بعد ذلكم ألفية العراقي، بهذا التدرج يفيد من علم المصطلح -إن شاء الله تعالى-، ثم بعد ذلك إذا أتقن هذه الكتب كلها ماشية على القواعد المطردة عند أهل العلم، وأكثر من التطبيق، ونظر في كتب العلل فإنه حينئذٍ يستفيد ويتأهل -إن شاء الله تعالى-.
-
يقول: قول الأصوليين بالتساقط عند تعارض النصوص وعدم وجود مرجح وعدم معرفة التاريخ وعدم إمكانية الجمع هل هذا اللفظ أفضل؟
-
نقول: هذا اللفظ التساقط السقوط لفظٌ ليس باللفظ الجيد، والتساقط كأنها بعد مقارعة وبعد مصارعة، وهذا لا يليق إطلاقه بإزاء النصوص، فعلى طالب العلم أن يتأدب بالألفاظ المشروعة، لا سيما في حق مثل هذا المبحث في النصوص، المسألة مفترضة في قال الله وقال رسوله يتساقط؟! لا، التوقف لا شك أن هذه كلمة ألطف وأفضل، وهي مناسبة لهذا المقام، التوقف؛ لأن التساقط يرجع فيه العيب إلى النصوص نفسها، فيكون بعضها أسقط بعضاً، والتوقف يحال إلى قصورٍ أو تقصير في الباحث، إلى قصور أو تقصير في الباحث نفسه، أما التساقط فيرجع السبب فيه إلى النصوص نفسها.
-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
فَمَا رَوَى اَلْعَدْلُ عَنْ اَلْعُدُولِ ... وَتَمَّ ضَبْطُ اَلْكُلِّ لِلْمَنْقُولِ
مُتَّصِلاً وَلَمْ يَشِذَّ أَوْ يُعلْ ... فَهُوَ لِذَاتِهِ صَحِيحٌ قَدْ حَصَلْ
وَالْعَدْلُ مَنْ يَلْزَمْ تُقَىَ اَلْخَلاَّقِ ... مُجْتَنِبًا مَسَاوِئَ اَلأَخْلاقِ
وَالضَّبْطُ ضَبْطَانِ بِصَدْرٍ وَقَلمْ ... فَالأَوَّلُ اَلَّذِي مَتَى يَسْمَعُهُ لَمْ
يَنْسَ فَحِينَمَا يَشَا أَدَّاهُ ... مُسْتَحْضِرَ اَللَّفْظِ اَلَّذِي وَعَاهُ
وَالثَّانِ مَنْ فِي سِفْرِهِ قَدْ جَمَعَهْ ... وَصَانَهُ لَدَيْهِ مُنْذُ سَمِعَهْ
ج ٥ ص ٦حَتَّى يُؤَدِّيْ مِنْهُ أَيَّ وَقْتِ ... وَسمِّ مَا يَجْمَعُهُ بِالثَّبْتِ
وَالاِتِّصَالُ كَوْنُ كلٍ سَمِعَا ... عَنْ شَيْخِهِ مِنْ اَلرُّوَاةِ وَوَعَى
وَمَا لشَّاذِّ مِنَ اَلتَّعْرِيفِ ... وَلِلْمُعلِّ يَأْتِ فِي تَعْرِيفِي
وَقَدْ تَفَاوَتْ رُتَبُ اَلصَّحِيحِ ... بِحَسَبِ اَلْمُوجِبِ لِلتَّصْحِيحِ
مِنْ أَجْلِ ذَا قَالُوا أَصَحُّ سَنَدِ ... أَصَحُّ سُنَّةٍ لأَهْلِ اَلْبَلَدِ
وَمَا رَوَى اَلشَّيْخَانِ فِيهِ قَدَّمُوا ... ثُمَّ اَلْبُخَارِيُّ يَلِيهِ مُسْلِمُ
فَمَا عَلَى شَرْطِهِمَا فَمَا عَلَى ... شَرْطِ اَلْبُخَارِيْ، شَرْطُ مُسْلِمٍ تَلاَ
يَعْنُونَ أَنْ يُنْقَلَ عَنْ رِجَالِ ... قَدْ نُقِلاَ لَهُمْ مَعَ اِتِّصَالِ
وَمَا يُمَاثِلْهُ وَكَانَ اَلضَّبْطُ خَفْ ... فَحَسَنٌ لِذَاتِهِ فَإِنْ يُحَفْ
يكفي يكفي.
-
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
-
المؤلف -رحمه الله تعالى- ذكر أن الخبر منه المقبول، ومنه المردود، ومنه ما يتوقف فيه، فالمقبول أربع مراتب كما قال الناظم -رحمه الله تعالى-، وبينها أئمة النقول، وعرفنا المراد بالأربع: الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذته، والحسن لغيره.
-
وأما المردود فهو الضعيف وأقسامه كثيرةٌ جداً، تذكر في موضعها -إن شاء الله تعالى-، بدأ بالأول القسم الأول أو المرتبة الأولى وهو الصحيح لذاته:
صحيحهم لذاته أو غيره ... . . . . . . . . .
-
هذا الثاني.
. . . . . . . . . ... ومثل ذين حسنٌ فلتدره
حسنٌ لذاته وحسنٌ لغيره.
وكلها في عملٍ به اشترك ... وبينها تفاوتٌ بدون شك
ج ٥ ص ٧كلها الأقسام الأربعة تشترك في وجوب العمل، الأقسام الأربعة تشترك في وجوب العمل، فيجب العمل بالحديث الصحيح لذاته، ويجب العمل في الصحيح لغيره، كما أنه يجب العمل في الحسن بقسميه في جميع أبواب الدين، فالدين والشرع متساوي الأقدام، عقائده وعباداته ومعاملاته، وكل ما يضاف إليه، كل ما يضاف إلى الدين من أبوابه متساوي الأقدام، خلافاً لمن يفرق بين العقائد والأحكام من جهة، وبين الأحكام والفضائل من جهة أخرى، فلا يقبلون في العقائد إلا ما يوجب العلم، ولا يقبلون في الأحكام إلا ما صح أو حسن على الأقل، ويقبلون في الفضائل وشبهها من التفسير والمغازي يقبلون في ذلك الضعيف على ما سيأتي، المقصود أن جميع ما يمكن أن ينسب إلى الدين من جميع أبوابه لا بد أن يكون مقبولاً، والقبول يشمل المراتب الأربعة والأقسام الأربعة، والحديث إذا صح أو حسن غلب على الظن ثبوته، والعمل بغلبة الظن واجب.
وكلها في عملٍ به اشترك ... وبينها تفاوتٌ بدون شك
لا شك أن الصحيح لذاته أقوى من الصحيح لغيره؛ لأن الصحيح لغيره عبارة عن حسن تعددت طرقه والصحيح لغيره أفضل من الحسن لذاته؛ لأن الصحيح لغيره عبارةٌ عنه وزيادة، يعني حسن لذاته وزيادة، والحسن لذاته أقوى من الحسن لغيره؛ لأنه ضعيف في الأصل تعددت طرقه، ولذا يخالف بعض أهل العلم في الاحتجاج بالحسن، يخالف بعضهم في الاحتجاج بالحسن بقسميه، إلا أنه قصر عن رتبة الصحيح، وبعضهم يخالف في الحسن لغيره على وجه الخصوص، وممن يخالف في قبول الحسن أبو حاتم الرازي وأبو زرعة وأبو الحسن بن القطان وبعض أهل العلم، لكن الجمهور على أن الحسن كالصحيح، بل من أهل العلم من لا يفرق بين الحسن والصحيح.
وهو بأقسام الصحيح ملحقُ ... حجية وإن يكن لا يلحقُ
في الاحتجاج هو ملحق بأقسام الصحيح، وإن كان لا يحلق به من حيث الرتبة، بمعنى أنه لو تعارض حديث صحيح مع حديث حسن قدمنا الصحيح بلا شك، فهو في المرتبة دونه، ثم عرف الصحيح لذاته بقوله:
فما روى العدل عن العدولِ ... وتم ضبط الكل للمنقولِ
متصلاً ولم يشذ أو يعل ... فهو لذاته صحيحٌ قد حصل
هذا تعريف الصحيح لذاته.
فما روى العدل عن العدولِ ... وتم ضبط. . . . . . . . .
- ج ٥ ص ٨
العدل من له ملكة، يقول أهل العلم: العدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والملكة هي الهيئة والصفة الراسخة، هذه الهيئة وهذه الصفة وهذه الملكة تحمل هذا الراوي على ملازمة التقوى وهي: فعل الواجبات واجتناب المحرمات، والمروءة وهي: آداب نفسانية تحمل على مجانبة ما يخل بها، ومردها إلى العرف، مرد المروءة إلى العرف، فقد يعد في بلد هذا العمل خرم للمروءة، وفي بلدٍ آخر لا يعد خرم للمروءة، لو خرج شخصٌ حاسراً عن رأسه في بلد انتقد، بينما يحسر عن رأسه في بلدٍ آخر ولا ينتقد، لو أكل في السوق ينتقد في بلد ولا ينتقد في بلد، فالبلد الذي ينتقد فيه يعد قد خرم المروءة، والذي يستخف بمشاعر الناس عند أهل العلم تسقط عدالته.
فما روى العدل عن العدولِ ... . . . . . . . . .
-
العدل عن العدول، والنظر في الجمع إلى المجموع مجموع الرواة، لا أنه يشترط أن يكون من رواية عدل عن جماعة عدول لا، يكفي في ذلك رواية العدل عن عدلٍ آخر ولو تفرد به.
فما روى العدل عن العدولِ ... وتم ضبط الكل للمنقولِ
لا بد من تمام الضبط ليكون الحديث صحيحاً لذاته، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وأهل هذا الشأن قسموا السنن ... إلى صحيحٍ وضعيفٍ وحسن
فالأول المتصل الإسنادِ ... بنقلِ عدلٍ ضابط الفؤادِ
عن مثله من غير ما شذوذِ ... وعلة قادحة فتوذِ
"وتم ضبط" الضبط: هو الحفظ، الضبط هو الحفظ، وسيأتي تعريفه عند المؤلف -رحمه الله تعالى-.
-
"وتم ضبط الكل" يعني جميع الرواة الذين تتابعوا في رواية هذا الخبر على اتصاف هذا الوصف، "متصلاً" لا بد أن يكون الإسناد متصلاً، بمعنى أنه يكون كل راوٍ من رواته قد تلقاه ممن فوقه بطريقٍ معتبر من طرق التحمل، هذا الاتصال على ما سيأتي في كلام الناظم -رحمه الله تعالى-.
-
"ولم يشذ أو يعل" هذا بالنسبة للإسناد يشترط فيه عدالة الرواة، تمام الضبط، الاتصال، والعدالة قيد يخرج رواية الفاسق سواءً كان فسقه بارتكاب عمل أو اعتقاد، أو ترك ما أوجب الله -عز وجل-، إما بفعل عملٍ محرم، أو اعتقادٍ فاسد، أو بترك واجب، هذا مقتضى العدالة.
- ج ٥ ص ٩
الضبط قيد يخرج به من خف ضبطه وإن وجد فيه مسمى الضبط؛ لأنه شرط الحسن على ما سيأتي، ويخرج فيه من ضعف ضبطه فيخرج به راوي الصحيح كما يخرج به من باب أولى من فقد منه هذا الوصف.
-
والاتصال اتصال السند يخرج به الانقطاع، قيد يخرج الانقطاع في السند، سواءً كان الانقطاع ظاهراً أو خفياً، ظاهر يدركه أوساط المتعلمين، ويعرف بالتاريخ، بالمواليد والوفيات، فيشمل الانقطاع والإرسال والإعضال والتعليق، لو كان الانقطاع خفياً بأن لا يدرك من أول وهلة، بل لا يدركه إلا من له عناية بهذا الشأن، ويشمل التدليس والإرسال الخفي.
-
"ولم يشذ" يعني لم يشتمل على المخالفة، مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، اشترطوا انتفاء الشذوذ، فلماذا لم يشترطوا انتفاء النكارة؟ نعم؟
-
طالب: . . . . . . . . .
-
لأن راوي المنكر ضعيف، المسألة مفترضة في راوي صحيح وهو عدل، هذا على ما سيأتي في تعريف المنكر، وأنه رواية الضعيف مع مخالفته للثقات، وفيها أقوالٌ أخرى تأتي في وقتها -إن شاء الله تعالى-.