مالك، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي حديثان

١٣ فقرة، ج ٨ ص ١٦٨

  1. حديثٌ أوَّلُ لمحمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ

    مالكٌ (٢) ، عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ الدِّيليِّ، عن مَعْبدِ (٣) بن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبي قَتادةَ بن رِبْعيٍّ، أنَّهُ كان يُحدِّثُ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مُرَّ عليه (٤) بجِنازةٍ، فقال: "مُسْتريحٌ، ومُسْتَراحٌ منهُ" . فقالوا: يا رسُولَ الله ما المُسْتريحُ، والمُسْتَراحُ منهُ؟ قال: "العبدُ المُؤمِنُ يَسْتريحُ من نَصَبِ الدُّنيا وأذاها إلى رَحْمةِ الله، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتريحُ منهُ العِبادُ، والبِلادُ، والشَّجرُ، والدَّوابُّ" .

    قال أبو عُمر: هكذا هُو في جميع "المُوطَّآتِ" بهذا الإسنادِ، ولا خِلافَ فيه عن مالكٍ (٥) .

    ج ٨ ص ١٦٨
  2. وأخطأ فيه على مالكٍ سُويدُ بن سعيدٍ، فرواهُ عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ، عن مَعْبدِ بن كعبٍ، عن أبيهِ. وليسَ بشيءٍ (١) .

    ج ٨ ص ١٦٩
  3. ورواهُ وَهْبُ بن كَيْسانَ، عن محمدِ بن عَمرِو بن مَليح الدِّيليِّ قال: كُنّا في جِنازةِ رَجُلٍ من جُهَينةَ، ومعنا مَعْبدُ بن كعبٍ السُّلميُّ، قال مَعبدُ بن كعب: سَمِعتُ أبا قَتادةَ يقولُ: مُرَّ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بجِنازةٍ. فذكر الحديث سَواءً إلى آخِرِه (٢) ؛ ذكرهُ (٣) ابنُ أبيَ شْيبةَ، عن عُبيدِ الله بن موسى، عن إبراهيمَ بن إسْماعيلَ بن أبي حَبِيبةَ، عن وَهْبِ بن كَيْسان.

  4. ورواهُ محمدُ بن إسحاقَ، عن مَعْبدِ بن كَعْبٍ. فلا أدري سمِعهُ منهُ أم لا؟

  5. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤) : حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ (٥) ،

    ج ٨ ص ١٧٠عن محمدِ بن إسحاقَ، عن مَعْبدِ بن كَعْبٍ، عن أبي قَتادةَ. وحدَّثنا عُبَيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسَى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن مَعْبدِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن أبي قَتادةَ الأنصاريِّ قال: بَيْنا نحنُ معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - جُلُوسًا، أتاهُ آتٍ، فقال: يا رسُولَ الله ماتَ فُلانُ بن فُلانٍ، فقال: "عبد الله، دُعِيَ فأجابَ، مُستريحٌ ومُستراحٌ منهُ" . فقُلنا: يا رسُولَ الله مُستريحٌ من ماذا (١) ؟ قال: "عبدُ الله الرَّجُلُ المُؤمِنُ اسْتَراحَ من الدُّنيا، ونَصَبِها، وهُمُومِها، وأحْزانِها، وأفْضَى إلى رَحْمةِ الله" . قُلنا: ومُسْتَراحٌ منهُ ماذا؟ قال: "الرَّجُلُ السُّوءُ" . في حديثِ ابن أبي شَيْبةَ: قال (٢) : "الرَّجُلُ السُّوءُ يَسْتريحُ منهُ العِبادُ، والبِلادُ، والشَّجرُ، والدَّوابُّ" (٣) .

  6. وهذا حديثٌ ليسَ فيه معنًى يُشْكِلُ، والحمدُ لله.

  7. حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ

    مالكٌ (١) ، عن محمدِ بن عَمرِو بن حَلْحلةَ، عن محمدِ بن عِمْران الأنصاريِّ، عن أبيهِ، أنَّهُ قالَ: عدلَ إليَّ عبدُ الله بن عُمرَ، وأنا نازِلٌ تحت سَرْحةٍ بطريقِ مَكَّةَ، فقال: ما أنزلكَ تحتَ هذه السَّرحةِ؟ فقلتُ: أردتُ ظِلَّها، فقال: هَلْ غيرُ ذلك؟ قلتُ: لا، ما أنْزَلَني إلّا ذلكَ، فقال ابنُ عُمر: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كُنتَ بين الأخْشَبينِ من مِنًى، ونفَخَ بيَدِهِ نحو المشرِقِ، فإنَّ هُنالك واديًا يُقالُ لهُ: السُّرَرُ (٢) ، به سَرْحَةٌ (٣) سُرَّ تحتها سَبْعُونَ نبيًّا" .

    قال أبو عُمر: لا أعرِفُ محمد بن عِمْرانَ هذا إلّا بهذا الحديثِ، وإن لم يَكُن أبوهُ عِمْران بن حيّانَ (٤) الأنصاريَّ، أو عِمْرانَ بن سوادةَ، فلا أدْرِي من هُو؟ وحديثُهُ هذا مَدَنيٌّ، وحسبُك بذِكْرِ مالكٍ لهُ في كِتابِه (٥) .

    ج ٨ ص ١٧١
  8. وأمّا قولُهُ: وأنا نازِلٌ تحتَ سَرْحَةٍ. فالسَّرْحَةُ: الشَّجَرةُ، قال الخليلُ (٦) : السَّرحُ: الشَّجرُ الطِّوالُ، الذي لهُ شُعَبٌ وظِلٌّ، واحِدتُها سَرْحةٌ. قال حُميدُ بن ثَوْر (٧) .

    أبى اللهُ إلّا أنَّ سَرْحةَ مالكٍ ... على كلِّ أفْنانِ العِضاهِ ترُوقُ

    ج ٨ ص ١٧٢وقد ذَكَرهُ أبو ذُؤَيبٍ الهُذليُّ (١) في شِعْرِهِ، فقال:

    ألِكْنِي إليها (٢) ، وخيرُ الرَّسولِ ... أعلمُهُم بنَواحي الخَبَرِ

    بآيةِ ما وَقَفتْ والرِّكابُ ... بين الحَجُونِ (٣) وبين السِّررِ

    فقال تَبرَّرتَ في حَجِّنا (٤) ... وما كُنتَ فينا جَدِيرًا (٥) ببرِّ

    قال الأصْمَعيُّ: السِّررُ على أربعةِ أميالٍ من مكَّةَ، عن يَمينِ الجَبَل، كان عبدُ الصَّمدِ بن عليٍّ قد بَنَى عليه مسجِدًا (٦) .

  9. وأمّا قولُهُ: ونَفَخَ (٧) بيدِهِ، فالنَّفخُ ها هُنا، الإشارةُ بيَدِهِ، كأنَّهُ يقولُ: رَمَى بيدِهِ نحو المشرِقِ، أي: مدَّها وأشارَ بها، والسِّررُ، اسمُ الوادي، والأخْشَبان: الجَبَلانِ.

    قال ابنُ وَهْب: في قوله: "إذا كُنتَ بين الأخْشَبينِ من مِنًى" . قال: يعني الجَبَلينِ اللَّذينِ تحت العَقَبةِ بمِنًى، فوقَ المسجدِ.

    قال أبو عُمر: الأخاشِبُ، الجِبالُ، أنشد ابنُ هشام (٨) ، لأبي قيسِ (٩) بن الأسْلَتِ.

    فقُومُوا فصلُوا ربَّكُم وتمسَّحُوا ... بأرْكانِ هذا البيتِ بين الأخاشِبِ

    ج ٨ ص ١٧٣ويُقالُ: إنَّ الأخاشِبَ اسمٌ لجبالِ مَكَّةَ، ومنًى خاصَّةً (١) .

    قال إسماعيلُ بن يَسارٍ النَّسائيُّ (٢) :

    ولعَمْرُ من حُبِسَ الهديُ لهُ ... بالأخْشَبينِ صَبِيحةَ النَّحرِ

    وقال العامريُّ في بَيْعةِ ابن الزُّبير:

    نبايِعُ (٣) بين الأخْشَبين وإنَّما ... يَدُ الله بين الأخْشَبينِ نبايعُ

    وأمّا قولُهُ: "سُرَّ تحتها سَبْعُونَ نبيًّا" . ففيه قولان: أحدُهُما: أنَّهُم بُشِّرُوا تحتها بما سرَّهُم، واحِدًا بعد واحِدٍ، أو مُجتمِعينَ، أو نُبِّئُوا تحتها، فسُرُّوا، من السُّرُورِ.

  10. والقولُ الآخرُ: أنَّها قُطِعت تحتها سُرَرُهُم، يعني وُلدُوا تحتها، يُقالُ: قد سُرَّ الطِّفلُ، إذا قُطِعت سُرَّتُهُ.

  11. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على التَّبرُّكِ بمَواضِع الأنبياءِ والصّالحينَ، ومَقاماتِهِم ومَساكنِهِم، وإلى هذا قصَدَ عبدُ الله بن عُمر بحديثهِ هذا، واللّه أعلمُ.

  12. وليسَ في هذا الحديثِ حُكمٌ من الأحْكام.

  13. وفيه الحديثُ عن بني إسرائيل، والخَبرُ عن الماضين، وإباحَةُ الخوضِ في أخْبارِهِم، والتَّحدُّثِ بها.