مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ٢٤ من ٧٩
- ج ٩ ص ٩٢
وأمّا قولُهُ: "جَعْدٌ قَطَطٌ" . في صِفةِ الدَّجّالِ، فالقَطَطُ، هُو: المُتكسِّرُ الشَّعرِ، المُلتوي الشَّعرِ، الذي لا يَسْترسِلُ شعْرُهُ ألبتَّةَ، مِثلُ شعرِ الحَبَشِ.
- ج ٩ ص ٩٣
وأمّا قولُهُ: "كأنَّها عِنَبةٌ طافيةٌ" . فإنَّهُ يعني الظّاهِرةَ المُمتلِئَةَ المُنتفِخةَ، يقولُ: إنَّها قد طَفَت على وجهِهِ، كما يطفُو الشَّيءُ على الماءِ، أي: يظهرُ عليه، لامتِلائها وانتِفاخِها.
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِث بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: "إنَّ الدَّجّالَ خارِجٌ، وهُو أعورُ العَيْنِ الشَّمالِ، عليها ظَفَرةٌ (١) غَلِيظةٌ، وأنَّهُ يُبرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحيي الموتى، ويقولُ للنّاسِ: أنا ربُّكُم، فمن قال: أنتَ ربِّي، فقد فُتِنَ، ومن قال: ربِّي اللهُ حتَّى يمُوتَ على ذلك، فقد عُصِمَ من فِتْنتِهِ، ولا فِتنةَ عليه، فيَلْبثُ في الأرضِ ما شاءَ الله، ثمَّ يجيءُ عيسى ابنُ مريمَ من قِبَلِ المغرِبِ، مُصدِّقًا بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وعلى مِلَّتِهِ، فيَقْتُلُ الدَّجّال، ثُمَّ إنَّما هُو قيامُ السّاعةِ" (٢) .
-
ففي هذا الحديثِ: "أعورُ العينِ الشِّمالِ" (٣) ، وفي حديثِ مالكٍ: "أعورُ العينِ اليُمنى" . فالله (٤) أعلمُ. وحديثُ مالكٍ أثبتُ من جِهةِ الإسنادِ.
-
وحدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرنا عَمرُو بن
ج ٩ ص ٩٤الحارِثِ، عن سعيدِ بن أبي هِلالٍ، أنَّ يحيى بن عبدِ الرَّحمنِ الثَّقفيَّ حدَّثهُ: أنَّ عيسى ابنَ مريمَ كان سائحًا، ولِذلك سُمِّي المسيحَ. قال: وإن (١) كان ليُمسي بأرضٍ، ويُصبِحُ بأُخرى (٢) ، وأنّهُ لم يتزوَّجْ، ولم يرفَعْ حجرًا على حَجَرٍ، ولا لَبِنةً على لَبِنةٍ، وأنّهُ كان يجتابُ العباءةَ، ثمَّ يتدرَّعُها، ثمَّ يقولُ: أنا الذي أرغمتُ الدُّنيا. وأنّهُ لمّا كانتِ اللَّيلةُ التي رُفِعَ فيها، أُتِي بفِطرِهِ عندَ اللَّيلِ خُبزُ الشَّعيرِ اليابِسُ، والماءُ القَراح (٣) ، فقالوا: أفْطِرْ يا رسُولَ الله، فقال: لا أستطيعُ، إنِّي مرفُوعٌ من بينَ أظهُرِكُم، فما أدري ما يُفعلُ بي ولا بكُم. قالوا: يا رسُول الله، إنَّكَ تُفارِقُنا فأوصِنا، قال: اعلمُوا أنَّ حُلوَ الدُّنيا مُرَّ الآخِرةِ، عَليكُم بحَشَراتِ الأرضِ، وخُبزِ الشَّعيرِ، وثِيابِ الشَّعرِ والصوفِ، وظِلِّ الشَّجرِ، وفيءِ الجُدُراتِ، واعلمُوا أنَّ حُلو الدُّنيا، مُرُّ الآخِرةِ.
قال ابنُ وَهْب: وأخبرني مالكُ بن أنسٍ قال: بلغني أنَّ عيسى ابن مريمَ انْتَهى إلى قَرْيةٍ قد خَرِبت حُصونُها، وجفَّت أنهارُها، وَيبِست أشجارُها، فنادى: يا خَرابُ، أين أهلُكُ؟ فلم يُجِبهُ أحدٌ، ثُمَّ نادى: يا خرابُ، أين أهلُك؟ فلم يُجِبهُ أحدٌ، ثُمَّ نادى الثّالثةَ، فنُودي: عيسى ابنَ مريمَ، بادُوا، وتضمَّنتهُمُ الأرضُ، وعادت أعمالُهُم قلائدَ في رِقابِهِم إلى يوم القيامةِ! عيسى ابنَ مريم، جِدَّ.
قال ابنُ وَهْب: وأخبرني (٤) أبو صَخْرٍ، أنَّ يزيدَ الرَّقاشيَّ حدَّثهُ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، أنَّهُ قال: لمّا وُلِدَ عيسى عليه السَّلامُ، أصبحَ كلُّ صَنم يُعبَدُ من دُونِ الله خارًّا على وَجهِهِ.
ج ٩ ص ٩٥قال: فأقبَلتِ الشَّياطينُ تَضْرِبُ وُجُوهَها وتَنتِفُ لحاها، فقالوا: يا أبانا، لقد حدَثَ في الأرضِ حَدَثٌ، فقال: وما ذلك؟ قالوا: ما كان من صَنم يُضلُّ به أحدٌ من وَلدِ آدم، إلّا أصبَحَ خارًّا على وجهِهِ. قال: فانظُرُوني حتَّى أنظُرَ.
قال: فأخذَ في أُفُقِ السَّماءِ حتَّى بلغَ المشرِق، ثُمَّ هاهُنا حتَّى بلغَ المغرِب، ثُمَّ هاهُنا حتَّى لا يُرَى، ثُمَّ هاهُنا حتَّى لا يُرَى، ثُمَّ هبطَ إليهم فقال: أمّا الذي تخافُونَ من السَّماءِ، فلم يَكُن شيءٌ بعدُ، ولكِنَّ هذا شيءٌ حدَثَ في الأرضِ، فانظُرُوني حتَّى أنظُرَ. فأخذ هاهُنا أيضًا حتَّى بلغ المشرِقَ، وهاهُنا حتَّى بلغ المغرِبَ، وههُنا حتَّى لا يُرَى، وهاهُنا حتَّى لا يُرَى، ثُمَّ احتبسَ عنهُم هُنيةً (١) ثُمَّ جاءَهُم فقال: هل تدرُونَ ما حَبَسني عنكُم؟ قالوا: لا قال: فإنَّ عيسى ابنَ مريمَ عليه السَّلامُ وُلِدَ في بيتِ المقدِسِ، وإنِّي أردتُ الدُّخُولَ، فوَجَدتُ الملائكةَ قد حَرسُوهُ، وحالَتْ بيني وبينهُ دعوةُ الطَّيِّبةِ، قولُها: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: ٣٦] ، ما من مولُودٍ يُولَدُ، إلّا وضَعتُ إصْبَعي عليه، فالضَّغوُ (٢) الذي تَسْمعُونهُ تحتَ أُمِّهِ، فتلكَ إصْبَعي حِينَ أضَعُها عليه، فأرَدتُ أن أضَعَها عليه (٣) فحالَتْ بيني وبينهُ دعوةُ الطَّيِّبةِ، فوَإلهِ عيسى، لأُضِلَّنَّ به النّاس ضَلالًا، لا أُضِلُّهُم بأحَدٍ كان قَبَلهُ، أو أحَدٍ يكونُ بعدهُ.
قال ابنُ وَهْب: قال أبو صَخر: فحدَّثتُ هذا الحديثَ محمدَ بنَ كعبٍ القُرظيَّ، فقال: أيُّ الرَّقاشيِّين حدَّثكَ بهذا؟ فقلتُ: يزيدُ، قال: هلُمَّ حَدِّثنيه، فلمّا حدَّثتُهُ، قال: ألا أُحدِّثُك عن عيسَى ابنِ مريمَ؟ قلتُ: بلى، قال: فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالى
ج ٩ ص ٩٦لم يَبعَثْ نبيًّا في أُمَّةٍ، إلّا جاءَ على رِجْلِهِ البَلاءُ، إمْساكُ المطرِ، والشِّدَّةُ، حتَّى كان عيسَى ابنُ مريمَ عليه السَّلام (١) ، فلمّا وُلِدَ جاءَ على رِجْلِهِ الرَّخاءُ: فأمْطَرتِ السَّماءُ، وأخْصبتِ الأرضُ، وفُتِحَ لهُ البَرَكاتُ، وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وكلَّم الموتَى وأحياهُم، وخلَقَ من الطِّينِ طُيُورًا، وأخبَرهُم بما يأكُلُونَ وما يدَّخِرُونَ، ثُمَّ عُمِّرَ بين أظهُرِهُم ما شاءَ اللهُ أن يُعمَّرَ، ثُمَّ أرسلَ اللهُ إليه: إنِّي رافِعُكَ إليَّ، فدخَلَ بيتًا، وجمعَ فيه حَواريَّهُ، ثُمَّ قال: إنَّ اللهَ رافِعي إليه، فأيُّكُم يُشبَّهُ (٢) بي فإنَّهُ مقتُولٌ، قال رجُلٌ من القوم: أنا، قال: أُوصيكُم بتقوَى الله، وأن تَبرُّوا من قَطَعكُم، وأن تُؤَدُّوا الحقَّ إلى من مَنعهُ مِنكُم، ولا تُكَافِئُوا النّاسَ بأعمالِهِم. فضُرِبَ البابُ، ورَفعهُ اللهُ إليه، وقُتِل الرَّجُلُ، قال الله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: ١٥٧، ١٥٨] . فاجتمعَ بنُو إسرائيلَ، فُقهاؤُهُم وأحبارُهُم، فقالوا: ألا تقومُونَ فتَنظُرُونَ أيَّ شيءٍ كان هذا الذي كان بينَ أظهُرِكُم؟ قالوا: بَلَى، فاختارُوا الخيارَ النقّادةَ، لا يألُونَ، خمسينَ رجُلًا، ثُمَّ اختارُوا من الخمسينَ عَشَرةً، ثُمَّ اختارُوا من العشَرةِ أربعةً، فدَخَلُوا بيتًا، فقالوا: أنتُم سادَتُنا وخيارُنا، فينظُرُ كلٌّ واحدٍ مِنكُم برأيِهِ، فإنَّما نحنُ تَبع لكُم، فأخَذُوا شيخًا، وآخرَ دُونَ الشَّيخ في السَّنِّ، وآخرَ دُونهُ في السّنِّ (٣) ، وفتًى شابًّا حينَ اسْتَوى شَبابُهُ. فبَدَأُوا بالشَّيخ لسِنِّهِ، فقال: هل تعلمُونَ أحدًا يعلمُ الغَيْبَ إلّا الله، ويُحيي الموتَى غيرَ الله، أو يُبرئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ إلّا الله؟ قالوا: لا، قال: فإنَّ هذا اللهُ كان بين أظهُرِكُم، ثُمَّ بَدا لهُ أنَّ يرتفِعَ فارتفعَ. قال الآخرُ: هل عندَكَ شيءٌ غيرُ هذا؟
- ج ٩ ص ٩٧
قال: لا، قال: لا أقُولُ مِثلَ ما قُلتَ، هل تعلمُونَ أحدًا يعلمُ الغيبَ إلّا الله، ويُبرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ، ويخلُقُ إلّا الله؟ قالوا: لا. قال: هذا ابْنُهُ، عَلَّمهُ من خَلائقِهِ ما شاءَ، ثُمَّ بَدا لهُ أن يرفَعهُ إليه، فرفعهُ. قال الثّالِثُ: هل عندَكُما شيءٌ غيرُ هذا؟ قالا: لا. قال: فإنِّي لا أقُولُ كما قلتُما، ولكِن هل تعلمُونَ أحدًا خُلِقَ من غيرِ نُطفةٍ إلّا آدم؟ قالوا: لا. قال: فإنَّهُ لُغيَّةٌ (١) . فقامَ الشّابُّ فقال: هل عندَكُم غيرُ هذا؟ قالوا: لا، قال: فإنِّي لا أقُولُ كما قلتُم، وأشهدُ، ما هُو باللّه، ولا ولَدِ الله، ولا لُغيَّةٍ، ولكِن رُوحُ الله، وكَلِمتُهُ ألقاها إلى مريمَ، فقال لهُ: كُنْ، فكان (٢) . ثُمَّ خَرجُوا على قَومِهِم وهُم جُلُوسٌ، فقالوا: ماذا قلتُم؟ فقال الكبيرُ: قلتُ: هُو الله. فاتَّبعتهُ فِرقةٌ. ثُمَّ قال الآخرُ: هُو ولدُ الله، فاتَّبعتهُ (٣) فِرْقةٌ. ثُمَّ قال الآخرُ: هُو لغيَّةٌ، فاتَّبعتهُ فِرْقةٌ. وقال الآخرُ: هُو عبدُ الله ورُوحُهُ، وكلِمتُهُ ألقاها إلى مريمَ، فاتَّبعتهُ فِرقةٌ. فقالوا: كيفَ نعيشُ وهذا معنا؟ فاقتُلُوهُ، فقُتِلَ الفَتَى ومَنْ مَعهُ.
قال: فلِذلكَ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: ٣٧] ، وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: ١٧] ، وقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة: ٣٠] ، وقال: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [النساء: ١٥٦] . فهؤُلاءِ الذين قالوا: هُو لغيَّةٌ، قال: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: ٦٦] فهذا الشّابُّ وأصحابُهُ الأُمَّةُ المُقتصِدةُ.
ج ٩ ص ٩٨قال أبو صَخْرٍ: وقال لي القُرَظيُّ: أنتَ وأصحابُكَ من المُقْتصِدةِ.
-
وأمّا سِنُّ عيسى - صلى الله عليه وسلم - ففيه حديثُ عائشةَ وفاطِمةَ: أنَّ عُمُرَهُ كان مِثْلَيْ عُمُرِ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -. وهُو حديثٌ رُوي من حديثٍ بألفاظٍ مُختلِفةٍ، والمعنى الذي قصدناهُ منهُ لم يختلِفُوا فيه.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر بن يوسُف بن عامِرٍ الأندلُسيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحيم البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ (١) ، عن عبدِ الله بن لهيعةَ، عن جعفرِ بن رَبيعةَ، عن عبدِ الله بن عُبيدِ الله بن الأسودِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - دخَلَ عليَّ أنا (٢) وفاطِمةَ، فناجَى فاطِمةَ، فلمّا تُوُفِّي، سألَتُها فقالت: قال لي: "ما بُعِثَ نبيٌّ قطُّ إلّا كان لهُ من العُمُرِ نِصفُ عُمُرِ الذي قبلهُ، وقد بَلَغتُ نِصفَ عُمرِ من كان قَبْلي" . فبكيتُ، وقال: "أنتِ سيِّدةُ نِساءِ أهلِ الجنَّةِ، إلّا مريمَ بنتَ عِمْرانَ" ، فضحِكتُ (٣) .
قال: وأخبرنا ابنُ أبي مَرْيمَ، عن نافع بن يزيدَ، عن عُمارةَ بن غزيَّةَ، عن محمدِ بن عبدِ الله بن عَمرِو بن عُثمان، عن أمِّهِ فاطِمةَ بنتِ حُسَينٍ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ، عن فاطِمةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بنحوِهِ. وأخبرني: أنَّ عيسَى عاشَ عِشرينَ ومئةَ سَنة (٤) .
- ج ٩ ص ٩٩
وفي سَماع أشهبَ وابنِ نافع من مالكٍ في كِتابِ العُتْبي: قال مالكٌ: كان عيسى ابنُ مريم يقولُ: يا ابنَ الثَّلاثينَ، مَضتِ الثَّلاثُونَ فماذا تَنْتظِرُ؟ قال: وماتَ وهُو ابنُ ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً.
قال أبو عُمر: احتجَّ بهذا الحديثِ من ذهَبَ إلى أنَّ عيسى صلواتُ الله عليه وسلامُهُ ماتَ، وأنَّهُ تُوُفِّي موتًا، ولا حُجَّةَ في هذا الحديثِ لمن زعَمَ أَنَّهُ ماتَ؛ لأَنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ قولُهُ في هذا الحديثِ: "عاشَ عِشرينَ ومئةَ سنةٍ" ، أي: عاشَ في قومِهِ قبلَ أن يُرفَعَ، وكذلك قولُهُ: "كان لهُ من العُمُرِ، نِصفُ الذي قبلَهُ" ، وقولُهُ: "عاش نِصفَ عُمُرِ الذي قبلهُ" ، أي: عاشَ في قومِهِ، وكان في قَومِهِ، أو في الأرضِ، ونحو هذا.
-
والدَّليلُ على صِحَّةِ هذا القولِ، ما ثبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في نُزُولِهِ، وقتلِهِ الدَّجّالَ، وحجِّهِ البيتَ، بأسانيدَ لا مطعَنَ فيها.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا هُدْبةُ (٢) بن خالدٍ، قال: حدَّثنا همّامُ بن يحيى، أظُنُّهُ عن قتادةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن آدمَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليسَ بَيْني وبين عيسَى نبيٌّ، وإنَّهُ نازِلٌ، فإذا رأيتُمُوهُ فاعْرِفُوهُ، رجُلٌ مَرْبُوعٌ، إلى الحُمرةِ والبياضِ، كأنَّ رأسَهُ يَقْطُرُ وإنَّهُ لم يُصبْهُ بَلَلٌ، فيُقاتِلُ النَّاسَ على الإسلام فيَدُقُّ الصَّليبَ، ويقتُلُ الخِنْزيرَ، وَيضَعُ الجِزْيةَ، وتهلِكُ في زَمانِهِ المِللُ كلُّها إلّا الإسلامَ، ويَهلِكُ المسيحُ الدَّجّالُ، فيَمكُثُ في الأرضِ أربعينَ سَنةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى، فيُصلِّي عليه المُسلِمُونَ" .
- ج ٩ ص ١٠٠
أخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (١) : حدَّثنا أبو اليَمانِ، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أنَّ أبا سَلَمةَ أخبَرهُ، عن أبي هُريرةَ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا أوْلَى النّاسِ بابنِ مريمَ، ليسَ بَيْني وبينَهُ نبيٌّ، والأنبياءُ أولادُ عَلّاتٍ" .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليُهِلَّنَّ ابنُ مريمَ بفجِّ الرَّوْحاءِ حاجًّا أو مُعتمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُما" (٢) .
-
وفي حديثِ النَّوّاسِ بن سِمْعان، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، حينَ ذكرَ الدَّجّال، وذكرَ مُكْثَهُ في الأرْضِ.
ثُمَّ قال: "يَنْزِلُ عيسى عليه السَّلامُ عندَ المنار البَيْضاءِ بشرقيِّ دِمشقَ، فيُدرِكُهُ عندَ بابِ لُدٍّ (٣) ، فيَقْتُلُهُ" (٤) .
-
ومِن صَحيح حديثِ الزُّهريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نَفْسي بيدِهِ، ليُوشِكَنَّ أن ينزِلَ فيكُم ابنُ مريمَ حَكَمًا عدلًا، فيَكْسِرُ الصَّليبَ، ويقتُلُ الخِنْزيرَ، ويَضَعُ الجِزْيةَ" . ثُمَّ يقولُ
ج ٩ ص ١٠١أبو هُريرةَ: اقرؤُوا إن شِئتُم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} الآية (١) [النساء: ١٥٩] .
-
ورَوَى عبدُ الله بن نافع الصّائغُ صاحِبُ مالكٍ، عن عُثمانَ بن الضَّحّاكِ بن عُثمانَ الأسديِّ، عن محمدِ بن يوسُفَ بن (٢) عبدِ الله بن سلام، عن أبيهِ، عن جدِّهِ قال: يُدفَنُ عيسى عليه السَّلامُ مع النَّبيِّ عليه السَّلامُ وصاحِبَيهِ، ثمَّ موضِعُ قبرٍ رابع (٣) .
-
وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: ٥٥] ، فقالت طائفةٌ: أرادَ: إنِّي رافِعُكَ، ومُتوفِّيكَ. قالوا: وهذا جائزٌ في الواوِ. والمعنى عندَ هؤُلاءِ، أنَّهُ تَوَفِّي موتٍ، إلّا أنَّهُ لم يَمُت بعدُ.
وقال زيدُ بن أسلمَ وجماعةٌ: {مُتَوَفِّيكَ} : قابِضكَ من غيرِ موتٍ، مِثلُ: توفَّيتُ المالَ، واسْتَوفيتُهُ، أي: قَبَضتُهُ.
وقال الرَّبيعُ بن أنسٍ: يعني وفاةَ منام؛ لأنَّ الله تعالى رَفَعهُ في مَنامِه (٤) .
-
ورَوَى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: {مُتَوَفِّيكَ} أي: مُميتُكَ (٥) .
وقال وهبٌ (٦) : توفّاهُ اللهُ ثلاثَ ساعاتٍ من النَّهار (٧) .
- ج ٩ ص ١٠٢
والصَّحيحُ عِندي في ذلك قولُ من قال: {مُتَوَفِّيكَ} : قابِضُكَ من الأرضِ، لما صحَّ عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، من نُزُولِهِ، وإذا حُمِلت رِوايةُ عليِّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عبّاسٍ، على التَّقديم والتَّأخيرِ، أي: رافِعُكَ ومُميتُكَ، لم يكُن بخِلافٍ، لما ذكَرْنا.
-
وأمّا قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: ١٥٩] فقال أبو هُريرةَ وابنُ عبّاسٍ: قبلَ موتِ عيسى عليه السَّلامُ. وهُو قولُ الحسنِ وعِكرِمةَ، وأبي مالكٍ، ومُجاهِد (١) . هذه رِوايةُ سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاس (٢) .
-
وروى مُجاهِدٌ، عن ابنِ عبّاسٍ: {قَبْلَ مَوْتِهِ} : قبل موتِ صاحِبِ الكِتابِ، فقيل لابنِ عبّاسٍ: وإن ضُرِبت عُنُقُهُ؟ فقال: وإن ضُرِبت عُنُقُهُ (٣) .
-
وقد رُوي عن مُجاهِدٍ وعِكرِمةَ مِثلُ ذلك أيضًا (٤) .
-
وروى مَعْمرٌ، عن ثابِتٍ البُنانيِّ، عن أبي رافِع، قال: رُفِعَ عيسى عليه السَّلامُ وعليه مِدْرعةٌ (٥) وخُفّا راع، وحذّافةٍ يحذِفُ بها الطَّير (٦) .
-
وهذا لا أدري ما هُو، ويحتمِلُ أنَّهُ كانت تلكَ هيئَتَهُ ولِباسَهُ، إلى أن رُفِع، ورُفِع كيفَ شاءَ اللهُ بعدُ، وفائدةُ هذا الخبرِ، رفعُهُ حيًّا لا غيرُ، واللّه أعلمُ.
- ج ٩ ص ١٠٣
وذكر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن ابنِ جُريج، عن مُجاهِدٍ - في قولِهِ تباركَ وتعالى: {وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: ١٥٧] - قال: صَلبُوا رجُلًا شبَّهُوهُ بعيسى عليه السَّلامُ، يحسبُونهُ إيّاهُ، ورفعَ اللهُ عيسى حيًّا (١) .
قال سُنيدٌ: وحدَّثنا إسماعيلُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ - في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: ١٥٩] - قال: قبلَ موتِ عيسى عليه السَّلامُ، واللّه إنَّهُ لحيٌّ الآن عندَ الله، ولكِنَّهُ إذا نزلَ، آمنُوا به أجمعُونَ (٢) .
قال أبو جَعفرٍ الطَّبَريُّ (٣) : الآيةُ في قولِهِ: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} خاصَّةٌ في أهلِ زمنِ عيسى عليه السَّلامُ، دُونَ سائرِ الأزمِنةِ، واللّه أعلمُ.
- ج ٩ ص ١٠٤
حديثٌ ثانٍ وثلاثُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أن رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحتلِبنَّ (٢) أحَدٌ ماشيةَ أحَدٍ إلّا بإذنِهِ، أَيُحِبُّ أحدُكم أن تُؤتَى مَشْرُبتُهُ، فتُكسَرَ خِزانتُهُ فيُنتقلَ طَعامُهُ؟ فإنَّما تَخْزُنُ لهم ضُرُوعُ مَواشيهِم أطعِماتِهِم (٣) ، فلا يَحْتلِبنَّ أحدٌ ماشِيةَ أحدٍ إلا بإذنِهِ" .
-
في هذا الحديثِ: النَّهيُ عن أن يأكُلَ أحَدٌ أو يشربَ، أو يأخُذَ من مالِ أخيهِ شيئًا إلّا بإذنِهِ، وذلكَ عندَ أهلِ العِلم محمُولٌ على ما لا تَطِيبُ به نفسُ صاحِبِهِ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسلِم، إلّا عن طِيبِ نفسٍ منهُ" (٤) ، وقال: "إنَّ دِماءَكُم، وأموالَكُم، وأعراضَكُم، عليكُم حَرامٌ" (٥) . يعني من بَعضِكِم على بعض.
-
وقد مَضَى في بابِ إسحاقَ طَرفٌ من هذا المعنى، وتفسيرُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور: ٦١] ، ونزيدُ هاهُنا بيانًا لأخبارٍ عن العُلماءِ، وتَبْيين (٦) المُرادِ إن شاء الله.
- ج ٩ ص ١٠٥
وأمّا "المَشْرُبةُ" فقال صاحِبُ "العينِ" (١) : هي الغُرفةُ، ودليلُ هذا الحديثِ يَقْضي بأنَّ كلَّ ما يُختزَنُ فيه الطَّعامُ، فهي مَشْرُبةٌ، واللّه أعلمُ.
-
و "الخِزانةُ" مَعرُوفةٌ، وأصْلُ الخَزْنِ (٢) : الحِفظُ والسَّترُ والمِلْكُ، قال امرُؤُ القَيْس (٣) :
إذا المرءُ لم يَخْزُنْ عليه لسانَهُ فليسَ ... على شيءٍ سِواهُ بخزّانِ (٤)
-
ويُروى في هذا الحديثِ في "المُوطَّأ" وغيرِهِ: "فيُنتَثلَ طَعامُهُ" (٥) . فمن روى: "يُنْتَثل طعامُهُ" فمعناهُ يُسْتخرجُ طعامُهُ، وأصلُ الانْتِثالِ: الاسْتِخراجُ، ومن رواهُ: "يُنتقَلُ" فالانتِقالُ معرُوفٌ، وهُو بَيِّنٌ (٦) ، واللّه أعلمُ.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا من المعاني: أنَّ اللَّبنَ يُسمَّى طعامًا، وأصلُ ذلك في اللُّغةِ، أنَّ كلَّ ما يُطعَمُ، جائزٌ أن يُسمَّى طعامًا، وقد قال اللهُ تعالى في ماءِ النَّهرِ: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} الآية [البقرة: ٢٤٩] .
قال ابنُ وَهْب: سمِعَ مالكًا يقولُ، في الرَّجُلِ يدخُلُ الحائطَ فيجِدُ الثَّمَرَ
ج ٩ ص ١٠٦ساقِطًا، قال: لا يأكُلُ منهُ، إلّا أن يكونَ يعلمُ أنَّ صاحِبَهُ طيِّبُ النَّفسِ بذلكَ، أو يكونَ مُحتاجًا لذلكَ، فأرجُو أن لا يكونَ عليه شيءٌ إن شاءَ الله (١) .
قال (٢) : وسمِعتُ مالكًا يقولُ، في المُسافِرِ يَنزِلُ بالذِّمِّيِّ: إنَّهُ لا يأخُذُ من مالِهِ شيئًا، إلّا بإذنِهِ، وعن طيبِ نفسٍ منهُ. فقيل لمالكٍ: أرأيت الضِّيافةَ التي جُعِلت عليهم ثلاثةَ أيام؟ قال: كان يومئذٍ يُخَفَّفُ عنهُم بذلكَ.
-
ورَوَى شُعبةُ، عن منصورٍ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يُحدِّثُ، عن سعيدِ بن وَهْب، قال: كُنتُ بالشّام، وكُنتُ أتَّقي أنْ آكُلَ من الثِّمارِ شيئًا، فقال لي رجُلٌ من الأنصارِ، من أصحابِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ عُمرَ اشْتَرطَ على أهلِ الذِّمَّةِ أن يأكُلَ الرَّجُلُ المُسلِم يومَهُ، غيرَ مُفسِد (٣) .
-
وقد فرَّقَ قومٌ بين الثَّمرِ المُعلَّقِ، وما كان مِثلَهُ، وبين سائرِ الأمْوالِ، فأجازُوا أكلَ الثِّمارِ.
-
أخبرنا خلفُ بن قاسم، قال: أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ الخَصِيبيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا بكّارُ بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا أبو عُمَر الضَّريرُ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بن زيادٍ وعبدُ الله بن المُباركِ، قالا: أخبرنا عاصِمٌ الأحولُ، عن أبي زينب، قال: صَحِبتُ عبد الرَّحمنِ بن سَمُرةَ، وأنس بن مالكٍ، وأبا برزةَ في سَفرٍ، فكانوا يُصيبُون من الثِّمار (٥) .
ج ٩ ص ١٠٧قال بكّارٌ: وحدَّثنا أبو داود الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن إبراهيم، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: يأكُلُ ولا يُفسِدُ، ولا يحمِلُ.
-
وقد يحتمِلُ أن يكونَ هذا كلُّهُ في أهلِ الذِّمَّةِ في ذلكَ الوقتِ.
-
حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زبّان (١) ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن مِسكينٍ، قال: سمِعتُ أشْهَب بن عبدِ العزيزِ يقولُ: خَرَجنا مُرابِطين إلى الإسكندريَّةِ، فمَرْرنا بجِنانِ اللَّيثِ بن سَعْدٍ، فدخَلْنا فأكلنا من الثَّمرِ، فلمّا أنْ رَجَدتُ، دَعَتني نفسي إلى أن أسْتَحِلَّ من اللَّيثِ، فدخَلتُ إليه، فقلتُ: يا أبا الحارِثِ، إنّا خرجنا مُرابِطين، ومَرَرنا بجِنانِكَ، فأكَلْنا من الثَّمرِ، وأحَبْبنا أن تجعلَنا في حِلٍّ، فقال لي اللَّيثُ: يا ابنَ أخِي، لقد نسَكتَ نُسُكًا أعجميًّا، أما سمِعتَ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور: ٦١] ، فلا بأسَ أن يأكُل الرَّجُلُ من مالِ أخيهِ الشَّيءَ التّافِه، الذي يَسُرُّهُ بذلكَ (٢) .
-
وهذا الحديثُ يُسوِّي بين اللَّبنِ، وبين سائرِ الطَّعام والمالِ في التَّحريم، واللّه أعلمُ، فلا فرقَ بين المُضطرِّ إن شَرِبَ اللَّبن أو غيرهُ من الطَّعام، إذا لم يجِدِ الميتةَ، أو وجَدَها ووجد اللَّبنَ، أو غيرَهُ من سائرِ مالِ المُسلِم، أوِ الذِّمِّيِّ، يَسْتوي فيه المُضطرُّ في اللَّبن وغيرِهِ، من جميع المأكُولِ كلِّهِ، ولا يحِلُّ شيءٌ منهُ إلّا على الوُجُوهِ التي بها تحِلُّ الأملاكُ، وللمُضْطرِّ إلى مالِ المُسلِم، ماءً كان أو طعامًا، حُكمٌ ليس هذا موضِعَ ذِكرِهِ.
- ج ٩ ص ١٠٨
ولا يحِلُّ للمُضطرِّ أن يأكُلَ الميتةَ وهُو يجدُ مالَ مُسلِم، لا يخافُ فيه قطعًا، كالثَّمرِ المُعلَّقِ، وحَرِيسةِ الجَبَلِ، ونحوِ ذلك مِمّا لا يَخشى فيه قطعًا ولا أذًى (١) .
-
وجُملةُ القولِ في ذلكَ: أنَّ المُسلِمَ إذا تعيَّنَ (٢) عليه ردُّ مُهْجةِ المُسلِم، وتوجَّهَ الفرضُ في ذلكَ إليه، بأنْ لا يكونَ هُناكَ غيرُهُ، قُضِيَ عليه بتَرْميقِ (٣) تِلك المُهجةِ الآدميَّةِ، وكان للممنُوع (٤) ما لُهُ من ذلك: مُحاربةُ مَن منَعَهُ ومُقاتلتُهُ، وإن أتَى ذلك على نَفسِهِ، وذلكَ عندَ أهلِ العِلم إذا لم يَكُن هُناكَ إلّا واحدٌ لا غيرُ، فحينَئذٍ يتعيَّنُ عليه الفرضُ، فإن كانوا كثيرًا، أو جماعةً وعددًا: كان ذلك عليهم فرضًا على الكِفايةِ، والماءُ في ذلكَ وغيرُهُ مِمّا يرُدُّ نفسَ المُسلِم ويُمسِكُها سواءٌ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا في وُجُوبِ قيمةِ ذلك الشَّيءِ على الذي (٥) ردَّ به مُهجتَهُ، ورمَّق به نفسَهُ، فأوَجَبها مُوجِبُونَ وأباها آخرُون.
-
ولا خِلافَ بينِ أهلِ العِلم، مُتأخَّريهِم ومُتقدِّميهِم، في وُجُوبِ رَدِّ مُهجةِ المُسلِم، عندَ خوفِ الذَّهابِ والتَّلفِ، بالشَّيءِ اليَسيرِ الذي لا مَضرَّةَ فيه على صاحِبِه، وفيه البُلْغةُ. وهذه المسألةُ قد جَوَّدها إسماعيلُ بن إسحاق في "الأحكام" ، وجوَّدها أيضًا غيرُهُ، ولها مَوْضِعٌ من كتابنا غيرُ هذا إن شاءَ الله، نذكُرُها ونذكُرُ ما فيها من الآثارِ عن السَّلفِ، وباللّه العَوْنُ.