مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٤٣ من ٧٩

  1. ومِمّا يُوضِّحُ أيضًا أنّ (١) التَّلاعُنَ على الحَمْلِ البيِّنِ: ما أخبرناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن يحيى أبو الأصْبَغ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني عبّاسُ بنُ سهلٍ، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لعاصِم بن عديٍّ: "أمْسِكِ المرأةَ عِندكَ حتّى تَلِدَ" .

    ج ٩ ص ٣٢٢
  2. ومِثلُهُ أيضًا حديثُ ابن وَهْب، عن يونُس بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال فيه: ثُمَّ خرَجَتْ حامِلًا، فكان الولَدُ إلى أُمِّه (٣) .

  3. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحْوَصِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عائذٍ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا الهَيْثمُ بن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا ثَوْرُ بن يزيد، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، عن رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: أنَّ رجُلًا من بَني زُرَيقٍ قذَفَ امرأتهُ، فأتَى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-, فردَّد ذلكَ أربعَ مرّاتٍ على النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فنزلت آيةُ المُلاعَنةِ، فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "قد نزَلَ من الله أمرٌ عظيمٌ" . فأبَى الرَّجُلُ إلّا أن يُلاعِنَها، فرَأيتُ المرأةَ تَدْرأُ عن نَفْسِها العذابَ، فتَلاعَنا، فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إمّا أن تَجِيءَ به أُصَيفِرَ (٤) ، أُحَيْمِشَ (٥) مَسْلُولَ (٦) العِظام، فهُو للمُتلاعِنِ، وإمّا أن تجيءَ به أسودَ كالجَملِ الأوْرَقِ، فهُو لغيرِهِ" . فجاءَت به أسودَ

    ج ٩ ص ٣٢٣كالجَملِ الأورقِ، فدَعا به رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فجَعَلهُ لعَصَبةِ أُمِّهُ، وقال: "لولا الأَيْمانُ التي مَضَتْ" ، يعني: اللِّعانَ، "لكان فيه كذا وكذا" (١) .

    قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ: رأيتُ (٢) المرأةَ تَدْرأُ عن نَفْسِها العَذابَ. وهُو حُجَّةٌ على أبي حَنِيفةَ في قولِهِ: إنَّها تُسجَنُ، وقد مَضَى القولُ في ذلك.

  4. وأمّا قولُهُ فيه: "أُصَيفِرَ، أُحَيمِشَ" فالأُصيفِرُ: تصغيرُ أصفرَ، والأُحَيمِشُ: تصغيرُ أحمشَ، والأحمشُ: الدَّقيقُ القَوائم.

  5. وفي حديثِ ابن عبّاسٍ، من رِوايةِ عبّادِ بن مَنصُورٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاس (٣) (٤) .

  6. ومن رِوايةِ جَريرِ بن حازِم، عن، أيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس (٥) .

  7. ومن رِوايةِ ابن أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ، عن القاسم بن محمدٍ، عن ابن عبّاس (٦) .

  8. وسُليمانَ بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ، ومَخْرمةَ بن بُكيرٍ، عن أبيهِ، جميعًا عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن ابن عبّاس (١) ما يدُلُّ على أنَّ المُلاعَنةَ كانت على الحَمْل.

    ج ٩ ص ٣٢٤
  9. وحديثُ عبّادِ بن منصُورٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ حديثٌ طويلٌ في اللِّعانِ، ذكَرَ فيه كلامَ سَعْدِ بن عُبادةَ، وقصَّةَ تلاعُنِ هِلالِ بن أُميَّةَ وزَوْجتِهِ، إذ رَماها بشَريكِ بن سَحْماءَ، حديثًا طويلًا؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عبّادُ بن منصُورٍ.

  10. وذكَرهُ أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا عبّادُ بن منصُورٍ. ولم يسُقهُ بتمامِهِ.

  11. وفيه عندَ جميعِهِم: ففرَّقَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينهُما. يعني: بعدَ تمام الْتِعانِهِما،

    ج ٩ ص ٣٢٥وقَضَى ألّا يُدعَى ولَدُها لأبٍ، ولا تُرمَى (١) ، ولا يُرمَى ولَدُها، ومن رَماها، أو رَمَى ولدَها، فعليه الحدُّ. وقَضَى أنْ لا بَيْتَ عليها، ولا قُوتَ، من أجْلِ أنَّهُما يتَفَرَّقانِ (٢) من غيرِ طَلاقٍ، ولا هي مُتوفّى عنها.

    وقال: "إن جاءَت به أُصَيْهِبَ، أُثَيْبِجَ، حَمْشَ (٣) السّاقيْنِ، فهُو لهِلال، وإن جاءَت به أورَقَ، جَعْدًا جُماليًّا، خَدَلَّجَ السّاقينِ (٤) سابِغَ الألْيتينِ، فهُو للذي رُمِيَتْ به" . فجاءَت به أورَقَ، جعدًا جُماليًّا، خَدَلَّج السّاقينِ، سابِغَ الألْيَتينِ، فقال رسُولُ الله-صلى الله عليه وسلم-: "لولا الأَيْمانُ، لكان لي ولها شأنٌ" . قال عِكْرِمةُ: فكان بعد ذلكَ أميرًا على مِصْرٍ، وما (٥) يُدعَى لأب.

    قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ: وقَضَى أنَّ من رَماها، أو رَمَى ولَدَها، فعليه الحدُّ.

  12. وهُو حُجَّةٌ لمالكٍ، ومن قال بقولِه: أنَّ من قذَفَ المُلاعنةَ، أو ولَدَها حُدَّ، إن لم يأتِ بأربعةِ شُهداءَ. وعليه أكثرُ النّاسِ، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ في ذلك.

  13. وفيه أيضًا: أنْ (٦) لا بيتَ عليها، ولا قُوتَ، يعني: لا سُكنَى لها، ولا نَفَقةَ.

  14. وهذا مَوْضِعٌ اختَلَفَ فيه العُلَماءُ:

    فأمّا مالكٌ، فإنَّهُ لم يذهَبْ إلى هذا، ورأى أنَّ السُّكنَى لكلِّ مُطلَّقةٍ وجَبَت لها

    ج ٩ ص ٣٢٦النَّفقةُ، أو (١) لم تَجِبْ، مُختلِعةً كانت، أو مُلاعِنةً، أو مَبْتُوتةً. ولا نَفَقةَ عندَهُ إلّا لمن يَمْلِكُ رجعَتَها خاصَّةً، أو حامِلٍ يُقِرُّ بحَمْلِها، فيُنفِقُ عليها (٢) من أجلِ الحَمْل (٣) .

  15. وللمَبْتُوتاتُ والمُختلِعاتُ كلُّهِنَّ لهنَّ (٤) عندَهُ السُّكنى دُونَ النَّفَقةِ. وهذا كلُّهُ أيضًا قولُ الشّافِعيِّ (٥) ، ولا خِلافَ بينهُما في شيءٍ من ذلكَ كلِّهِ.

  16. وذهَبَ أبو حنيفةَ، وجَماعةٌ من السَّلفِ إلى إيجابِ النَّفقةِ لكلِّ مُعتَدَّةٍ، مَبْتُوتةٍ وغيرِ مبتُوتةٍ، مع السُّكنى (٦) .

  17. وذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وجماعةٌ من أهلِ الحديثِ، وهُو قولُ داود أيضًا: إلى أنْ لا سُكنَى ولا نَفَقةَ لمن لا رَجْعةَ عليها (٧) . فلا سُكنَى عندَهُم للمُلاعنةِ والمُختلِعةِ، ولا لغيرِهما، ولا نَفَقةَ.

  18. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ لمن ذهَبَ إلى هذا، ورُوي عن جَماعةٍ من السَّلفِ أيضًا.

  19. وسنذكُرُ اختِلافَ العُلماءِ في إيجابِ السُّكنى والنَّفقةِ للمَبتُوتةِ، ومن جَرَى مجْراها، في بابِ عبدِ الله بن يَزيدَ مولى الأسودِ بن سُفيانَ من كِتابِنا هذا، ونذكُرُ وُجُوهَ أقاويلِهِم ومَعانيها هُناك إن شاءَ الله.

  20. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "أُصَيْهِبَ" ، فهُو تصغيرُ أصْهَب، والصُّهبَةُ: حُمْرةٌ في الشَّعرِ.

  21. والأُثَيْبِجُ: تصغيرُ أثبج، والأثْبَجُ: العالي الظَّهرِ، يُقالُ: رجُلٌ أثْبَجُ، ناتِئُ الثَّبج. وثبجُ كلِّ شيءٍ: وسَطُهُ وأعلاهُ، ورجُلٌ مُثبَّجٌ، مُضْطرِبُ الخَلْقِ، في طُولٍ.

    ج ٩ ص ٣٢٧
  22. والأحْمَشُ السّاقين: دقيقُهُما.

  23. والأوْرَقُ: الرَّماديُّ اللَّونِ. ويُقالُ: الأورقُ: الرَّمادُ أيضًا، ومنهُ قيل: حمامةٌ وَرْقاءُ. وأصلُ الوُرْقة (١) : سَوادٌ في غُبْرة (٢) .

  24. والجُماليُّ: العظيمُ الخَلْقِ، يُقالُ: ناقةٌ جُماليَّةٌ. إذا كانت في خَلْقِ الجَمَلِ.

  25. والخَدَلَّجُ: الضَّخمُ السّاقينِ، يُقالُ: امرأةٌ خَدَلَّجةٌ، إذا كانت ضَخْمةَ السّاقِ.

  26. وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ المرأةَ المُلاعنةَ، كانت في حينِ التَّلاعُن حُبْلَى، فلمّا نَفاهُ في لِعانِهِ، نفاهُ عنهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وألْحَقهُ بأُمِّهِ.

  27. وفي حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ألْحَقَ الولَدَ بأُمِّهِ.

  28. وهُو أولى، وأصحُّ من حديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- جَعَلهُ لعصَبةِ أُمِّه (٣) .

  29. واختَلَف العُلماءُ في ميراثِ ولَدِ المُلاعِنةِ (٤) ، فقال قائلُونَ: أُمُّهُ عَصَبتُهُ.

  30. ومِمَّن قال ذلك: عبدُ الله بن مَسْعُودٍ وجَماعةٌ، قال ابنُ مسعُودٍ: أُمُّهُ عصَبتُهُ، فإن لم تكُن، فعصَبتُها (٥) .

    ج ٩ ص ٣٢٨وقال آخرُونَ: عصَبتُهُ عصَبةُ أُمِّهِ. قال ذلك جماعَةٌ، وإليه ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل، قال: ابنُ المُلاعِنةِ ترِثُهُ أُمُّهُ وعصَبتُها. والقائلُونَ بهذين القولينِ، يقولُونَ بتوريثِ ذوي الأرْحام.

    وقال عليُّ بن أبي طالب، وزيدُ بن ثابتٍ: لا عَصبةَ لابن المُلاعنةِ، وهُو عندَهُما كموروثٍ لم يُخلِفْ أبًا ولا عَصَبةً، فإن كان لهُ إخوةٌ لأُمٍّ، ورِثُوا فَرْضَهُم، ووَرِثت أُمُّهُ سهمَها، وما بَقِي فلِبَيْتِ المالِ. هذه رِوايةُ قتادةَ، عن خِلاس (١) ، عن عليٍّ، وزيد (٢) . والمشهُورُ عن عليٍّ: أنَّ عصَبَتهُ: عصَبةُ أُمِّهِ، إلّا أنَّ مذهَبَهُ: أنَّ ذا السَّهم، أحقُّ مِمَّن لا سهمَ لهُ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ.

    وقال ابنُ مسعُودٍ: عصَبتُهُ عصَبةُ أُمِّه (٣) .

  31. وهُو قولُ الحسنِ، وابن سيرينَ، وجابرِ بن زيدٍ، وعطاءٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ، وحمّادٍ، والحكم (٤) ، وسُفيانَ، والحسن بن صالح، وشَرِيكٍ، ويحيى بن آدمَ، وأحمد بن حَنْبل، وأبي عُبَيدٍ، إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا، فمِنهُم من لم يجعَلْ عَصَبةَ أُمِّهِ عصَبتَهُ إلّا عندَ عَدم أُمِّهِ، ومنهُم من أعَطاها فَرْضَها، وجعلَ الباقيَ لعصَبتِها، ابنًا كان لها، أو أخًا لابْنِها (٥) ، أو غيرَهُ من عصَبَتِها.

  32. والذين جعلُوا أُمَّهُ عصَبَتهُ، فإذا لم تكُن فعصَبَتُها، احتجُّوا بحديثِ واثِلةَ بن الأسْقَع، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "المرأةُ تُحرِزُ ثلاثةَ مواريثَ: عَتِيقَها، ولَقِيطَها،

    ج ٩ ص ٣٢٩وابنَها الذي لاعَنَتْ عليه " (١) . وبحديثِ عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: " ميراثُ ابن المُلاعِنَةِ لأُمِّهِ، ولوَرَثتِها من بَعدِها" (٢) . وقد أوضحنا ذلك في غيرِ هذا الموضِع.

  33. وذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما إلى قولِ زَيْدِ بن ثابتٍ في ذلكَ.

    وقال مالكٌ (٣) : إنَّهُ بَلَغهُ عن عُروةَ بن الزُّبيرِ وسُليمانَ بن يسارٍ: أنَّهُما سُئلا عن ولَدِ المُلاعنةِ ووَلَدِ الزِّنا: من يرِثُهُما؟ فقالا: ترِثُ أُمُّهُ حقَّها، وإخوتُهُ لأُمِّهِ حُقُوقهُم، ويرِثُ ما بَقِي من مالِهِ موالي أُمِّهِ، إن كانت مَوْلاةً، وإن كانت عَربيَّةً ورِثَتْ حقَّها، وورِثَ إخوتُهُ لأُمِّهِ حُقُوقَهُم، وورِثَ ما بَقِيَ من مالِهِ المُسلِمُونَ. قال مالكٌ: وذلكَ الأمرُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا، والذي أدركتُ عليه أهلَ العِلم ببلَدِنا (٤) .

    قال أبو عُمر: وهُو قولُ الشّافِعيِّ سَواءً.

  34. ولأهل العِراقِ القائلينَ بالرَّدِّ وتَورِيثِ ذَوِي الأرحام ضُرُوبٌ من التَّنازُع في تَوْريثِ عصَبَةِ أُمِّ ولَدِ المُلاعِنةِ منهُ مع الأُمِّ ودُونها، ليسَ هذا موضِعَ ذِكرِ ذلك.

  35. ولا خِلافَ بين العُلماءِ: أنَّ المُلاعِنَ إذا أقرَّ بالولَدِ، جُلِدَ الحدَّ، ولَحِقَ به،

    ج ٩ ص ٣٣٠وورِثهُ، وابنُ الزّانيةِ عندَ جماعةِ العُلماءِ، كابن المُلاعِنةِ سواءً، وكلٌّ فيه على أصْلِهِ الذي ذكَرْناهُ عنهُم.

  36. وأجمعُوا في تَوْأمي الزّانيةِ: أنَّهُما يَتَوارثانِ على أنَّهُما لأُمٍّ. واختَلَفُوا في تَوْأمي المُلاعِنةِ؟ فذهب مالكٌ، والشّافِعيُّ، وهُو قولُ أهلِ المدينةِ: إلى أنَّ تَوارُثَهُما كتَوارُثِ الإخْوةِ للأبِ والأُمِّ (١) . ويحتجُّون بأنَّ المُلاعِنَ إذا اسْتَلحقهُما، جُلِدَ الحدَّ، ولحِق به النَّسبُ.

  37. وذهَبَ الكُوفيُّون إلى أنَّ تَوْأمي المُلاعنةِ كتَوْأمي الزّانيةِ، لا يتوارثانِ إلّا على أنَّهُما لأُمٍّ.

  38. وإن ماتَ ابنُ المُلاعنةِ فاسْتَلحقهُ المُلاعِنُ بعد مَوْتِهِ، فإنَّ مالكًا وأبا حنيفةَ وأصحابَهُما يقولُونَ: إن خلَّفَ ولدًا، لحِق به نَسبُهُ وورِثَ، وإن لم يُخلِّف ولدًا، لم يرِثْهُ، ويُجلدُ الحدَّ على كلِّ حالٍ.

  39. وقال الشّافِعيُّ يُجلَدُ الحدَّ، ويَلْحقُ به الولدُ ونَسبُهُ، ويرِثُ، خلَّف ولدًا أو لم يُخلِّف، وإن ماتَ المُلاعِنُ بعدَ أن التعَنَ، وقبلَ أن تَلْتعِنَ المرأةُ، فإن الْتَعنَتْ بعدَهُ لم تَرِثْه، وإن نَكَلَتْ عن الالْتِعانِ، حُدَّت وورِثَتْ في قولِ مالكٍ.

    وقال الشّافِعيُّ: لا يَتَوارثانِ أبدًا إذا الْتَعنَ الرَّجُلُ وتمَّ التِعانُهُ؛ لأنَّ الفِراشَ قد زالَ بالْتِعانِهِ، وإنَّما الْتِعانُ المرأةِ لدَفْع الحدِّ عنها.

    وقال أبو حنيفةَ: لا ينقطِعُ التَّوارُثُ بينهُما أبدًا حتّى يُفرِّق الحاكِمُ بينَهُما، فأيُّهُما ماتَ قبل ذلكَ، وِرِثَهُ الآخَرُ. وإليه ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل.

  40. ولكلِّ واحدٍ منهُم في هذه المسائلِ اعْتِلالاتٌ يَطُولُ ذِكرُها، ولو تعرَّضنا لها، خرَجْنا عن شَرْطِنا في كِتابِنا، وبالله توفيقُنا (٢) .