مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ٤٤ من ٧٩
- ج ٩ ص ٣٣١
حديثٌ سابعُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ على عَهْدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فسألَ عُمرُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلكَ، فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مُرْهُ فلْيُراجِعها، ثُمَّ يُمْسِكْها حتّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إن شاءَ أمسكَ، وإن شاءَ طلَّقَ قبل أن يَمَسَّ، فتلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ" .
-
هذا حديثٌ مُجتَمعٌ على صِحَّتِهِ من جِهَةِ النَّقلِ، ولم يُختَلَفْ أيضًا في ألْفاظِهِ عن نافع.
-
وقد رواهُ عنهُ جَماعةُ أصْحابِهِ، كما رواهُ مالكٌ سَواءً، قالوا فيه: "حتّى تطهُرَ، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ قبلَ أن يُجامِع، وإن شاءَ أمسكَ، فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ بها (٢) أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ" .
-
ومِمَّن قال ذلك: أيُّوبُ (٣) ، وعُبيدُ الله بن عُمرَ (٤) ، وابنُ جُرَيج (٥) ، واللَّيثُ بن سَعْد (٦) ، ومحمدُ بن إسحاقَ (٧) ، ويحيى بن سَعيد (٨) ؛ كلُّهُم: عن نافع، عن ابن عُمر.
ج ٩ ص ٣٣٢وكذلك رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ (١) . لم يختلِفُوا أيضًا عليه فيه، مِثلَ رِوايةِ نافع سواءً: "حتّى تطهُر، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ ... " ، الحديثَ.
-
وكذلك رواهُ عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن الحسنِ، عن ابن عُمرَ. سَواءً مِثلَ رِوايةِ نافع والزُّهريِّ؛ قالهُ أبو داودَ (٢) (٣) .
-
ورواهُ يونُسُ بن جُبير (٤) ، وعبدُ الرَّحمن بن أيمنَ، وأنسُ بنُ سيرينَ، وسعيدُ بن جُبَير (٥) ، وزيدُ بن أسلمَ (٦) ، وأبو الزُّبيرِ، كلُّهُم عن ابن عُمرَ بمعنًى واحدٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمرَهُ أن يُراجِعَها حتّى تطهُر، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ. لم يذكُرُوا: "ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُر" .
قال أبو داودَ (٧) : وكذلكَ رواهُ منصُورٌ (٨) ، عن أبي وائل، عن ابن عُمرَ.
-
وكذلكَ أيضًا رواهُ محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن سالم، عن ابن عُمرَ. إلّا (٩) أنَّهُ زادَ ذِكرَ الحامِل.
-
وَذهَبَ إلى هذا طائفةٌ من أهلِ العِلم، منهُم: أبو حنيفةَ، وبه قال المُزَنيُّ، قالوا: إنَّما أُمِرَ المُطلِّقُ في الحَيْضِ بالمُراجعةِ، لأنَّهُ كان طلاقًا خَطأً، فأُمِرَ أن
ج ٩ ص ٣٣٣يُراجِعَها ليُخرِجها من أسبابِ الطَّلاقِ الخطأ، ثُمَّ يترُكَها حتّى تَطْهُرَ من تلكَ الحَيْضةِ، ثُمَّ يُطلِّقَها طلاقًا صَوابًا، إن شاءَ طلاقَها. ولم يرَوْا للحَيْضةِ الأُخرى بعدَ ذلك معنًى، على ظاهِرِ ما رَوَى هؤُلاءِ.
قال أبو عُمر: للحَيْضةِ الثّانيةِ، والطُّهرِ الثّاني وُجُوهٌ عندَ أهلِ العِلم.
-
مِنْها: أنَّ المُراجَعةَ لا تكادُ تُعلَمُ صِحَّتُها إلّا بالوَطْءِ؛ لأنَّهُ المُبتَغَى من النِّكاح في الأغْلَبِ، فكان ذلكَ الطُّهرُ موضِعًا للوَطْءِ تُستَيقنُ به المُراجعةُ، فإذا مَسَّها، لم يَكُن (١) سبيلٌ إلى طَلاقِها في طُهْرٍ قد مَسَّها فيه، لقولِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "وإن شاءَ طلَّقَ قبلَ أن يَمسَّ" ، ولإجماعِهِم على أنَّ المُطلِّقَ في طُهر قد مَسَّ فيه، ليسَ بمُطلِّقٍ للعِدَّةِ، كما أمرَ اللهُ سُبحانهُ، فقيل لهُ: دعها حتّى تحيضَ أُخْرَى، ثُمَّ تطهُرَ، ثُمَّ طلِّق إن شِئتَ قبلَ أن تَمسَّ.
-
وقد جاءَ هذا المعنى منصُوصًا في هذا الحديثِ؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا مُعلَّى بن عبدِ الرَّحمن الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحَميدِ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثني نافعٌ ومحمدُ بن قَيْسٍ، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهي في دَمِها حائضٌ، فأمَرهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُراجِعَها، فإذا طَهُرت مسَّها، حتّى إذا طَهُرت أُخرَى، فإن شاءَ طلَّقها، وإن شاءَ أمْسَكَها (٢) .
-
وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّ الذي يَمسُّ في الطُّهرِ، إنَّما نُهي عن الطَّلاقِ فيه؛ لأنَّها لا تَدْري أعِدَّةَ حامِلٍ تَعْتدُّ، أم عِدَّةَ حائلٍ؟
ج ٩ ص ٣٣٤قال أبو عُمر: قد جاءَ في هذا خبرٌ كفانا انتِحالَ التَّعليلِ والنَّظرِ، ذكَرَهُ عبدُ الرَّزّاق (١) ، عن عمِّهِ وَهْبِ بن نافع، قال: حدَّثني عِكْرِمةُ، عن ابن عبّاس، أنَّهُ سَمِعهُ يقولُ: الطَّلاقُ الحَلالُ، أن يُطلِّقها طاهِرًا من غيرِ جِماع، أو يُطلِّقها حامِلًا مُسْتبينًا حملُها، وأمّا الطَّلاقُ الحرامُ، فأنْ يُطلِّقَها حائضًا، أو يُطلِّقها حينَ يُجامِعُها، فلا يَدْري أيشتمِلُ الرَّحِمُ على وَلَدٍ أم لا؟
-
وأمّا الطَّلاقُ فقد قيلَ فيه ما ذكَرْنا، وقيلَ: إنَّ المُطلِّقَ في الحَيْضِ إنَّما أُمِرَ بالمُراجَعةِ ليَسْتفتحَ (٢) بالرَّجْعَةِ طلاقَ السُّنَّةِ، فإذا لم يُحقِّقِ الرَّجْعَةَ بالوطءِ، لم يَكُن لها معنًى.
-
وقيلَ: إنَّما نُهي عن الطَّلاقِ في الحَيْضِ، لئلّا تطُولَ عِدَّةُ المرأةِ، وأُمِرَ بمُراجعتِها لوُقُوع طَلاقِهِ فاسِدًا، ثُمَّ لم يَجُز أن يُباحَ لهُ طلاقُها في الطُّهرِ الذي يَلي تلكَ الحَيْضةَ؛ لأنَّهُ لو أُبيحَ لهُ أن يُطلِّقها إذا طَهُرت من تلكَ الحَيْضةِ، كانت في معنى المُطلَّقةِ قبلَ الدُّخُولِ، وكانت تَبْني على عِدَّتِها الأُولى، فأرادَ اللهُ تعالى أن ينقطِعَ حُكمُ الطَّلاقِ الأوَّلِ بالوَطْءِ، فإذا وطِئَها في الطُّهرِ، لم يَتَهيَّأ لهُ أن يُطلِّقها فيه حتّى تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، فإذا طلَّقها بعدَ ذلك، استأنفَتْ عِدَّتُها من ذلك الوَقْتِ، ولم تبِن.
-
وقيل: إنَّهُ لمّا طلَّقَ في وقتٍ، لم يَكُن لهُ أن يُطلِّقَ فيه، أُدِّبَ بأنْ مُنِعَ الطَّلاقَ في وَقْتٍ كان لهُ أن يُوقِعَهُ فيه.
-
وقد قيلَ: إنَّ الطُّهرَ الثّانيَ جُعِلَ للإصْلاح، الذي قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: ٢٢٨] ؛ لأنَّ حقَّ المُرتجِع أن لا يَرْتجِعَ رَجْعةَ ضِرارٍ، لقولِهِ: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} [البقرة: ٢٣١] .
ج ٩ ص ٣٣٥قالوا: فالطُّهرُ الأوَّلُ جُعِلَ للإصلاح، وهُو الوَطْءُ، ثُمَّ لم يَجُز أن يُطلِّقَ في طُهرٍ وطِئَ فيه، لِما ذكَرْنا.
-
وقد قيلَ: إنَّهُ لو أُبيحَ لهُ أن يُطلِّقها بعدَ الطُّهرِ من تلكَ الحَيْضةِ، كان كأنَّهُ قد أُمِرَ بأن يُراجِعَها ليُطلِّقها، فأشبَهَ النِّكاحَ إلى أجَل ونِكاحَ المُتْعةِ، فلم يُجعَلْ لهُ ذلك حتّى يَطَأ.
-
هذا (١) كلُّهُ مذهبُ الحِجازيِّين الذين يذهبُون إلى أنَّ الأقراءَ: الأطهارُ.
-
وفي هذه المسألةِ وُجُوهٌ كثيرةٌ، واعتِلالاتٌ للمُخالِفينَ يطولُ ذِكرُها.
-
واستدلَّ قومٌ على أنَّ الطَّلاقَ للعِدَّةِ والسُّنَّةُ يكونُ ثلاثًا مُفْترِقاتٍ بهذا الحديثِ، وقالوا: طَلاقُ السُّنَّةِ: أن يكونَ بين كلِّ تَطْليقتينِ حَيْضةٌ، لقولِهِ: "ثُمَّ تَحيض، ثُمَّ تَطْهُر، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ" . وكانوا يَسْتحِبُّونَ أن يُطلِّق الرَّجُلُ امرأتَهُ في كلِّ طُهْرٍ تَطْليقةً، وسَنذكُرُ ما للعُلماءِ في كيْفيَّةِ الطَّلاقِ للسُّنَّةِ، وما أجمَعُوا عليه من ذلك، وما اختلفُوا فيه منهُ، في هذا البابِ إن شاءَ الله.
-
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ الطَّلاقَ مُباحٌ؛ لأنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- إنَّما كرِهَ لَهُ ذلك الطَّلاقَ، أنَّهُ طلَّقَ امرأتهُ في الحَيْضِ، فأمَرهُ بمُراجَعتِها من ذلك، والمُطلِّقُ في الحيضِ، مُطلِّقٌ لغيرِ العِدَّةِ، واللهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] وقُرِئَ: "فطلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" (٢) . وكذلكَ كان يَقْرأُ ابنُ عُمرَ (٣) ، وغيرُهُ.
- ج ٩ ص ٣٣٦
ولو طلَّقَها لعِدَّتِها في طُهْرٍ لم يَمَسَّها فيه: لم يُكرَه لهُ ذلك، ألا ترى إلى قولِهِ في هذا الحديثِ: "ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ" ؟ وهذا غايَةٌ في الإباحَةِ، والقُرآنُ وردَ بإباحةِ الطَّلاقِ، وطلَّق رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بعضَ نِسائه (١) . وهُو أمرٌ لا خِلافَ فيه.
-
وفيه: أنَّ الطَّلاقَ في الحيضِ مكرُوهٌ، وفاعِلُهُ عاصٍ لله عزَّ وجلَّ إذا كان عالِمًا بالنَّهيِ عنهُ.
-
والدَّليلُ على أنَّهُ مكرُوهٌ، وإن كان شيئًا لا خِلافَ فيه أيضًا والحمدُ لله: تَغَيُّظُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- على ابن عُمرَ، حينَ طلَّق امرأتهُ حائضًا.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ، قال: حدَّثنا يونُسُ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني سالمُ بن عبدِ الله، عن أبيهِ: أنَّهُ طلَّقَ امرأتهُ وهي حائضٌ، فذكرَ ذلك عُمرُ لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فتغيَّظَ رسُولُ الله، ثُمَّ قال: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمَّ ليُمسِكْها حتّى تَطْهُر، ثُمَّ تحيضَ فتطهُرَ، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقها طاهِرًا قبلَ أن يَمَسَّها، فذلكَ الطَّلاقُ للعِدَّةِ، كما أمرَهُ الله" .
-
وفيه: أنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ لازِمٌ لمن أوْقَعهُ، وإن كان فاعِلُهُ قد فعلَ ما كُرِهَ لهُ، إذ تركَ وجهَ الطَّلاقِ وسُنَّتهُ.
- ج ٩ ص ٣٣٧
والدَّليلُ على أنَّ الطَّلاقَ لازِمٌ في الحَيْضِ، أمرُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ابنَ عُمرَ بمُراجَعةِ امرأتَهُ، إذ طلَّقها حائضًا، والمُراجعةُ لا تكونُ إلّا بعدَ لُزُوم الطَّلاقِ، ولو لم يَكُن الطَّلاقُ في الحَيْضِ واقِعًا، ولا لازِمًا، ما قال لهُ: "راجِعها" ؛ لأنَّ من لم تَطْلُق (١) ، ولم يَقَع عليها طلاقٌ، لا يُقالُ فيه: راجِعْها، لأنَّهُ مُحالٌ أن يُقال لرجُلٍ امرأتُهُ في عِصْمتِهِ، لم يُفارِقها: راجِعْها، ألا ترَى إلى قولِ الله عزَّ وجلَّ في المُطلَّقاتِ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: ٢٢٨] ولم يَقُل هذا في الزَّوجاتِ اللّائي لم يَلْحقهُنَّ طلاقٌ؟
-
وعلى هذا جماعةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وجُمهُورُ عُلَماءِ المُسلِمينَ، وإن كان الطَّلاقُ عندَ جَميعِهِم في الحَيْضِ بِدْعةً غيرَ سُنَّةٍ، فهُو لازِمٌ عندَ جَميعِهِم.
-
ولا مُخالِفَ في ذلك، إلّا أهلُ البِدَع والضَّلالِ والجَهْلِ، فإنَّهُم يقولُونَ: إنَّ الطَّلاقَ لغيرِ السُّنَّةِ غيرُ واقِع، ولا لازِم.
-
ورُوِيَ مِثلُ ذلك عن بعضِ التّابِعينَ، وهُو شُذُوذٌ لم يُعرِّجْ عليه أهلُ العِلْم من أهلِ الفِقهِ والأثرِ في شيءٍ من أمصارِ المُسلِمينَ لِما ذكَرْنا، ولأنَّ ابنَ عُمرَ الذي عرَضَتْ لهُ القِصَّةُ (٢) ، احتسَبَ بتلكَ الطَّلقة (٣) ، وأفْتَى بذلكَ، وهُو مِمَّن لا يُدفَعُ عِلمُهُ بقِصَّةِ نَفسِهِ.
-
ومن جِهَةِ النَّظرِ، قد عَلِمنا أنَّ الطَّلاقَ ليس من الأعمالِ التي يُتقَرَّبُ بها إلى الله عزَّ وجلَّ، فلا تَقعُ إلّا على حسَبِ سُنَّتِها، وإنَّما هُو زَوالُ عِصْمةٍ (٤) فيها
ج ٩ ص ٣٣٨حقٌّ لآدميٍّ، فكيفما أوقَعهُ وقعَ، فإن أوقَعهُ لسُنَّةٍ هُدي، ولم يأثَمْ، وإن أوقَعهُ على غيرِ ذلك، أثِمَ، ولزِمهُ ذلك.
-
ومُحالٌ أن يَلزَمَ المُطيعَ، ولا يَلزَمَ العاصيَ، ولو لزِمَ المُطيعَ المُوقِعَ لهُ على سُنَّتِهِ، ولم يلزم العاصيَ، لكان العاصي أخفَّ حالًا من المُطيع.
-
وقدِ احتجَّ قومٌ من أهلِ العِلْم، بأنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ لازِمٌ، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: ١] ، يُريدُ: أنَّهُ عَصَى ربَّهُ، وفارَقَ امرأتهُ. وحسبُكَ بابن عُمرَ، فقد أنكَرَ على من ظنَّ أنَّهُ لا يُحتسَبُ بالطَّلاقِ في الحَيْضِ.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ ومحمدُ بن الهيثم أبو الأحوصِ، قالا: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْب، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن أيُّوبَ وسَلَمةَ (١) بن عَلْقمةَ، عن محمدٍ، عن أبي غلّاب، قال: سألتُ ابنَ عُمر عن رَجُلٍ طلَّق امرأتَهُ وهي حائضٌ، فقال: تَعرِفُ عبدَ الله بنَ عُمرَ؟ فإنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فسألَ عُمرُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فأمرَهُ أن يُراجِعَها. قلتُ: أتَحْتَسِبُ بها؟ قال: فمَهْ، إن عجَزَ واسْتَحمَقَ (٢) .
-
ومحمدٌ هذا، هُو محمدُ بنُ سيرين.
-
وأبو غلّابٍ هذا، هُو يونُسُ بن جُبيرٍ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيْدٍ، عن
ج ٩ ص ٣٣٩أيُّوبَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن يونُسَ بن جُبَيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عُمرَ، قلتُ: رَجُلٌ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فقال: تَعْرِفُ ابنَ عُمرَ؟ فإنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فسألَ عُمرُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فأمرَهُ أن يُراجِعَها. قلتُ: فيُعتَدُّ بتلكَ التَّطليقة (١) ؟ قال: فمَهْ، أرأيتَ إن عجَزَ واسْتَحمَقَ (٢) ؟
-
هكذا قال مُسدَّدٌ: عن حمّادٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بن سيرينَ. لم يذكُر سلَمةَ بن عَلْقمةَ.
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن إبراهيمَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: حدَّثني يونُسُ بن جُبَيرٍ، قال: سألتُ عبدَ الله بنَ عُمر، قال: قلتُ: رجُلٌ طلَّقَ امرأتهُ وهي حائضٌ، فقال: تَعْرِفُ عبدَ الله بنَ عُمرَ؟ قال: قلتُ: نعم، قال: فإنَّ عبدَ الله بن عُمرَ طلَّقَ امرأتهُ وهي حائضٌ، فأتى عُمرُ إلى رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فسألهُ، فقال: "مُرْهُ فلْيُراجِعها، ثُمَّ ليُطلِّقْها في قُبُلِ عِدَّتِها" . قال: قلتُ: فتَعْتَدَّ بها؟ قال: فمَهْ، أرأيتَ إن عجَزَ واستَحْمَقَ؟
- ج ٩ ص ٣٤٠
أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابَةَ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أنَسِ بن سِيرينَ، عن ابن عُمرَ، قال: طلَّقتُ امْرَأتي وهِيَ حائضٌ، فأتَى عُمرُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال لهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمَّ ليُطلِّقْها إن شاءَ" . فقال أنسٌ: أتَعْتَدُّ بتلك الطَّلْقة؟ قال: نعَمْ (١) .
-
وقد سمِعَ هذا الحديثَ أنسُ بنُ سيرينَ من ابن عُمرَ، ولم يسمَعهُ منهُ محمدُ بنُ سيرينَ.