مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ٦١ من ٧٩
- ج ٩ ص ٥٢١
والثّاني: حديثُ أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ. وإليه ذهَبَ ابنُ أبي ليلى جُملةً، وذهَبَ إليه أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، إذا كان العدُوُّ في القِبْلةِ.
-
والثّالثُ: الوجهُ الذي بَلَغهُ أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بذي قَرَدٍ. وهُو وإن كان أرسلَهُ في "جامِعِهِ" فإنَّهُ محفُوظٌ من حديثهِ، عن الأشْعَثِ بن سُلَيم، عن الأسودِ بن هِلالٍ، عن ثَعْلبةَ بن زَهْدَم (٣) : أنَّهُم كانوا مع سَعيدِ بن العاصِ بطَبَرِستانَ، فسأل سعيدٌ حُذيفةَ عن صَلاةِ الخَوْفِ، فقال حُذَيفةُ: شهِدتُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صَلّاها بهؤُلاءِ رَكْعةً، وبههؤُلاءِ رَكْعةً، ولم يَقْضُوا (٤) .
-
ورَوَى الثَّوريُّ أيضًا عن أبي بكر بن أبي الجَهْم، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله بن
ج ٩ ص ٥٢٢عُتْبةَ، عن عبدِ الله بن عبّاس (١) ، مِثلَ حَديثِ حُذيَفةَ، وذكَرَ أنَّ ذلك كان بذي قَرَدٍ. فبلاغُ الثَّوريِّ قد بانَ أنَّهُ مُسندٌ عندَهُ صحيحٌ.
-
ورواهُ مجُاهِدٌ، عن ابن عبّاس (٢) .
-
وروى سِماكٌ الحنفيُّ، عن ابن عُمرَ مِثلهُ (٣) .
-
والقاسمُ بن حسّانَ (٤) ، عن زيدِ بن ثابتٍ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِثلهُ (٥) .
-
ويزيدُ الفَقِيرُ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَهُ (٦) (٧) .
- ج ٩ ص ٥٢٣
إلّا أنَّ بعضَ رُواةِ حديثِ يزيدَ الفقيرِ، قال فيه: إنَّهُم قَضَوْا رَكْعةً (١) .
وقال أحمدُ بن حَنْبل: لا أعلمُ أَنَّهُ رُوي في صَلاةِ الخوفِ إلّا حديثٌ ثابتٌ، هي كلُّها ثابتة، فعَلَى أيِّ حَديثٍ صلَّى المُصلِّي صَلاةَ الخوفِ، أجْزَأهُ إن شاءَ الله.
-
وكذلكَ قال الطَّبريُّ.
قال أبو عُمر: في صلاةِ الخوفِ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وُجُوهٌ كثيرةٌ:
مِنْها: حديثُ ابن عُمرَ المذكُورُ في أوَّلِ هذا البابِ، وما كان مِثلهُ، على حسَبِ ما تقدَّمَ في هذا البابِ ذِكرُهُ، ومِن القائلينَ به من أئمَّةِ فُقهاءِ الأمصارِ: الأوزاعيُّ، وإليه ذهَبَ أشهبُ صاحِبُ مالكٍ.
-
ووجهٌ ثانٍ، وهُو حديثُ صالح بن خوّاتٍ، من رِوايةِ مالكٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خوّات (٢) . ومِن رِوايتهِ أيضًا، عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خوّاتٍ. على حسَبِ ما بينهُما من الاختِلافِ، في انتِظارِ الإمام الطّائفةَ الأُخرى بالسَّلام، ومن القائلين بذلكَ: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ، على اختِلافِ ما بينهُم في السَّلام، على حسَبِ ما وصفناهُ.
-
ووجهٌ ثالِثٌ، وهُو حديثُ ابن مسعُودٍ، على ما تَقدَّم ذِكر في هذا البابِ، ومِن القائلين به: أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، إلّا أبا يوسُف، وهُو أحدُ الوُجُوهِ التي خيَّر الثَّوريُّ فيها، وبه قال بعضُ أصحابِ داود أيضًا.
-
ووجهٌ رابعٌ، وهُو حديثُ أبي عيّاشٍ الزُّرقيِّ، وما كان مِثلهُ، على حسَبِ ما ذكَرْناهُ في هذا البابِ، ومِن القائلين به: ابنُ أبي ليلى، والثَّوريُّ أيضًا في تخيُّرِهِ، وقد قالت به طائفة من الفُقهاءِ، إذا كان العدُوُّ في القِبلةِ.
- ج ٩ ص ٥٢٤
ووجهٌ خامِسٌ، وهُو حديثُ حُذَيفةَ، وما كان مِثلَهُ، على ما قد مَضَى في هذا البابِ ذِكرُهُ، وهُو أحدُ الأوجُهِ الثَّلاثةِ التي خيَّر الثَّوريُّ رحِمهُ اللهُ في العَملِ بها في صلاةِ الخوفِ.
-
ومِن حُجَّةِ من قال: بهذا الوجهِ، ما رواهُ بُكَيرُ بن الأخنسِ، عن مجُاهِدٍ،
عن ابن عبّاسٍ، قال: فرضَ اللهُ عزَّ وجلَّ الصلاةَ على لِسانِ نبيِّكُم -صلى الله عليه وسلم- في الحَضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ رَكْعتينِ، وفي الخَوْفِ رَكْعةً (١) .
-
وزعَمَ بعضُ من قال بهذا (٢) الوجه من الفُقهاءِ: أنَّ للقَصرِ في الخَوفِ خُصُوصًا، ليسَ في غَيرِ الخوفِ، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُو} [النساء: ١٠١] .
قالوا: فيَنْبغي أن تكونَ الصلاةُ في السَّفرِ بشَرْطِ الخَوْفِ، خِلافَ الصلاةِ في السَّفرِ في حالِ الأمنِ.
-
وذكرُوا عن جماعةٍ من الصَّحابةِ، منهُم: ابنُ عبّاسٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وجابرُ بن عبدِ الله، أنَّهُم قالوا: الصَّلاةُ في الحَضَرِ أربعٌ، وفي السَّفرِ رَكْعتانِ، وفي الخوفِ رَكْعةٌ. قالوا: ولو كان القَصْرُ في حالِ الأمنِ وحالِ الخَوْفِ سواءً، ما كان لقولِهِ: {إِنْ خِفْتُمْ} معنًى، وقد جلَّ اللهُ عزَّ وجلَّ عن ذلك.
ج ٩ ص ٥٢٥قال أبو عُمر: هذا القولُ خِلافُ ما عليه جُمهُورُ الفُقهاءِ، وقد يجُوزُ في حُكم لِسانِ العربِ أن يكونَ المسكُوتُ عنهُ، في معنى المذكُورِ، كما يجُوزُ أن يكونَ بخِلافِهِ، وقد بيَّنّا ذلك في مواضِعَ، والحمدُ لله.
-
ومِمّا يدُلّ على أنَّ صلاةَ السَّفرِ في الخَوْفِ، وفي الأمنِ سَواءٌ، حديثُ ابن عُمرَ، حينَ قال لهُ رجُلٌ من آلِ خالدِ بن أسِيد: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، إنّا نجِدُ صَلاةَ الحَضَرِ، وصلاةَ الخَوْفِ في القُرآنِ، ولا نجِدُ صلاةَ السَّفرِ، يعني في حالِ الأمنِ، فقال: يا ابن أخي، إنَّ اللهَ بعَثَ إلينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ونحنُ لا نعلَمُ شيئًا، فإنَّما نَفْعلُ كما رأيناهُ يَفْعلُ (١) . أي: رأيناهُ يَفْعلُ في حالِ الخَوْفِ، وحالِ الأمنِ في السَّفرِ فِعلًا واحدًا، فنحنُ نفعلُ كما كان -صلى الله عليه وسلم- يفعلُ.
-
وفي ذلك ما يدُلّ على أنَّ مُرادَ الله عزَّ وجلَّ في ذلك من عِبادِهِ واحدٌ ببيانِ السُّنَّةِ في ذلك.
-
كما صارَ قتلُ الصَّيدِ خَطأً بالسّنَّةِ، يجِبُ فيه من الجَزاءِ، كما يجِبُ على من قتَلَهُ عَمْدًا، مع قولِ الله عزَّ وجلَّ: {الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] .
-
وقد عجِبَ عُمرُ بن الخطّابِ ويعلَى بن أُميَّةَ من هذا المعنى أيضًا، حينَ قال يعلَى لعُمر: يا أميرَ المُؤمِنين، ما بالنا نَقْصُرُ الصَّلاةَ، وقد أمِنّا، واللّهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: {إِنْ خِفْتُمْ} ؟ فقال: عجِبتُ مِمّا عجِبتَ منهُ، فسألتُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال (٢) : "تلكَ صَدَقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكُم، فاقبَلُوا صَدَقتَهُ" (٣) .
- ج ٩ ص ٥٢٦
وهذا أيضًا بيِّنٌ في أنَّ صلاةَ السَّفرِ في الأمْنِ وفي الخَوْفِ سواءٌ، وبذلك جَرَى العملُ والفَتْوَى في أمصارِ المُسلِمين عندَ جُمهُورِ الفُقهاءِ.
-
وقد يحتمِلُ أن تكون رِوايةُ من رَوَى: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بهم رَكْعةً، ولم يقضُوا. أي: في عِلْم من روى ذلك؛ لأنَّهُ قد رَوَى غيرُهُ: أنَّهُم قَضَوْا رَكْعةً في تلكَ الصَّلاةِ بعينِها، وشهادَةُ من زادَ أولى.
-
ويحتمِلُ أن يكون أرادَ بقولِهِ: لم يَقْضُوا. أي: لم يَقْضُوا إذ أمِنُوا، وتكونُ فائدتُهُ أنَّ الخائفَ إذا أمِنَ، لا يَقْضي ما صلَّى على تلكَ الهيئةِ من الصلواتِ في الخَوْفِ.
-
وقد يحتمِلُ قولُهُ: صَلَّوا في الخوفِ رَكْعةً. أي: في جماعةٍ معَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وسكتَ عن الثّانيةِ، لأنَّهُم صلَّوها أفذاذًا.
-
وحديثُ ابن عبّاسٍ انفردَ به بُكيرُ بن الأخْنَسِ، وليسَ بحُجَّةٍ فيما يَنْفرِدُ به.
-
والصَّلاةُ أوْلى ما احتيطَ فيه، ومن صلَّى رَكْعتينِ في خوفِهِ وسَفرِهِ، خرجَ من الاختِلافِ إلى اليَقينِ.
-
ووجهٌ سادِسٌ، وهُو حديثُ أبي بَكْرةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بهم في صَلاةَ الخَوْفِ رَكْعتينِ بطائفةٍ، ورَكْعتينِ بطائفةٍ فكانت للنَّبيِّ عليه السَّلامُ أربعٌ، ولكلِّ طائفةٍ رَكْعتانِ. رَواهُ الأشْعَثُ، وغيرُهُ، عن الحَسَنِ، عن أبي بَكْرةَ:
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذِ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأشْعَثُ،
ج ٩ ص ٥٢٧عن الحَسَنِ، عن أبي بَكْرةَ، قال: صلَّى رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الظُّهرَ في خَوْفٍ، فصفَّ بعضَهُم خلَفهُ، وبعضهُم (١) بإزاءِ العدُوِّ، فصلَّى رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فانطلقَ الذين صلَّوا فوَقفُوا مَوْقِفَ أصحابِهِم، ثُمَّ جاءَ أُولئكَ فصفُّوا خَلْفهُ، فصلَّى بهم رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فكانت لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أربعٌ، ولأصحابِهِ رَكْعتانِ رَكْعتانِ. وبذلكَ كان يُفتي الحَسَنُ.
-
ورَوَى يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن جابرٍ، مثله بمعناه.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزيد، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن جابرٍ، قال: أقبَلْنا معَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حتّى إذا كُنّا بذاتِ الرِّقاع. فذكَرَ الحديث.
-
وفيه قال: فنُودِيَ بالصَّلاةِ. قال: فصلَّى رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-بطائفةٍ رَكْعتينِ، ثُمَّ تأخَّرُوا، وصلَّى بالطّائفةِ الأُخْرَى رَكْعتينِ. قال: فكانتْ لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وللقَوم رَكْعتين.
قال أبو عُمر: كلُّ من أجازَ اختِلافَ نيَّةِ الإمام والمأمُوم في الصَّلاةِ، وأجازَ لمن صَلَّى في بَيْتِهِ أن يؤُمَّ في تلكَ الصلاةِ غيرَهُ، وأجازَ أن تُصلَّى الفَرِيضةُ خلفَ المُتنفِّل: يُجيزُ هذا الوَجْهَ في صلاةِ الخوفِ.
- ج ٩ ص ٥٢٨
وهُو مذهبُ الأوزاعيِّ، والشّافِعيِّ، وابن عُليَّةَ، وأحمد بن حَنْبل، وداود.
-
وصلاةُ الخَوْفِ إنَّما وُضِعَتْ على أخفِّ ما يُمكِنُ وأحوطِهِ للمُسلِمينَ.
-
ولا وجهَ لقولِ من قال: إنَّ حديثَ أبي بَكْرةَ، وما كان مثلَهُ كان (١) في الحَضَرِ؛ لأنَّ فيه سلامَهُ (٢) في كلِّ رَكْعتينِ منها، وغيرُ محفُوظٍ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ صلَّى صَلاةَ الخوفِ في الحَضَرِ.
-
وقد حَكَى المُزنيُّ، عن الشّافِعيِّ (٣) قال: ولو صلَّى في الخَوْفِ بطائفةٍ رَكْعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فصلَّى بالطّائفةِ الأُخْرَى ركعتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، كان جائزًا. قال: وهكذا صلَّى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ببَطْن نَخْلةَ.
قال أبو عُمر: قد رُوي أنَّ صَلاتَهُ هكذا كانت يومَ ذاتِ الرِّقاع. ولكن ذلك عندي لا يَثْبُت والله أعلم، لروايةِ صالح بن خَوّاتٍ في يوم ذات الرِّقاع (٤) ، ويحتمِلُ أن يكونَ صلّاها مرَّتين على الهيئَتين هُناكَ (٥) .
-
فهذه ستَّةُ (٦) أوجُهٍ كلُّها ثابتةٌ من جِهَةِ النَّقلِ، قد قال بكلِّ وجهٍ منها طائفةٌ من أهلِ العِلم.
-
وقال أحمدُ بن حَنْبل والطَّبريُّ وبعضُ أصحابِ الشّافِعيِّ بجَوازِ كلِّ وجهٍ منها.
- ج ٩ ص ٥٢٩
والوَجْهُ المُختارُ في هذا البابِ، على أنَّهُ لا يَحْرَجُ (١) عِندي من صلَّى بغير (٢) مِمّا قد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: هو الوَجْهُ المذكُورُ في حديثِ ابن عُمرَ، حديثِ هذا البابِ، وما كان مِثلَهُ؛ لأنَّهُ وردَ بنقلِ أئمَّةِ أهلِ المدينةِ، وهُمُ الحُجَّةُ على من خالَفهُم، ولأنَّهُ أشبهُ بالأُصُولِ، لأنَّ الطّائفةَ الأُولى والثّانيةَ لم يَقْضوا الرَّكعةَ، إلّا بعد خُرُوج رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- من الصَّلاةِ، وهُو المعرُوفُ من سنُتَّهِ (٣) المُجتَمع عليها في سائرِ الصَّلواتِ.
-
وأمّا صَلاةُ الطّائفةِ الأُولى رَكْعتَها قبلَ أن يُصلِّيَها إمامُها، فهُو مخُالِفٌ للسُّنَّةِ المُجتَمع عليها في سائرِ الصَّلواتِ، ومخُالِفٌ لقولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به" (٤) .
-
وقد رَوَى الثِّقاتُ حديثَ صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، على مِثلِ معنَى حديثِ ابن عُمرَ، فصارَ حديثُ سهلٍ مخُتلَفًا فيه، ولم يُختلَف في حديثِ ابن عُمرَ، إلّا ما جاءَ من شكِّ مالكٍ رحِمهُ الله في رَفْعِهِ، وقد رَفَعهُ من غير شكٍّ جماعةٌ عن نافع، ورَفَعهُ الزُّهريُّ، عن سالم، والشَّكُّ لا يُلتَفتُ إليه، والتقِينُ معمُولٌ عليه.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (٥) : حدَّثنا أبو اليمانِ، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهريِّ: أنَّهُ
ج ٩ ص ٥٣٠سألَهُ: هل صلَّى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَلاةَ الخَوْفِ؟ فقال: أخبرنا سالمٌ، أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ قال: غَزَوتُ مع رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ نَجْدٍ فوازينا العدُوَّ، فصفَفْنا لهم، فقامَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي لنا، فقامَتْ طائفة معهُ، وأقبَلَتْ طائفةٌ على العدُوِّ، فركَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بمَنْ معَهُ رَكْعةً وسجَدَ سَجْدتينِ، ثُمَّ انْصَرفُوا مكان الطّائفةِ التي لم تُصلِّ، فجاؤُوا فركَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بهم رَكْعةً، وسَجْدتينِ، ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ كلّ واحدٍ منهُم فركَعَ لنفسِهِ رَكْعةً، وسجَدَ سَجْدتينِ.