مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ٦٠ من ٧٩
- ج ٩ ص ٥٠٩
وما أعلمُ في هذا خِلافًا، إذا كانت آيةً تامَّةً، أو سُورةً، وإنَّما اختَلَفُوا في الدِّينارِ والدِّرهم، إذا كان في أحدِهِما اسمٌ من أسماءِ الله، فأمّا الدَّراهِمُ التي كانت على عَهدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فلم يكُن عليها قُرآنٌ، ولا اسمُ الله، ولا ذِكرٌ؛ لأنَّها كانت من ضَرْبِ الرُّوم وغيرِهِم من أهلِ الكُفرِ، وإنَّما ضُرِبت دراهِمُ الإسلام في أيام عبدِ الملكِ بن مروان.
-
وذكَرَ أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن عبدِ الملكِ بن عبدِ العزيزِ الماجِشُونِ: أَنَّهُ سُئلَ عن الرَّجُلِ يَدخُلُ بالمُصْحَفِ أرضَ العدُوِّ، لِما لهُ في ذلك من اسْتِذكارِ القُرآنِ، والتَّعليم، ولما يخشَى أن يطُولَ به السَّفرُ فيَنْسى. فقال عبدُ الملكِ: لا يُدخَلُ أرضُ العدُوِّ بالمصاحِفِ، لِما يُخشَى من التَّعبُّثِ بالقُرآنِ، والامتِهانِ لهُ، مع أنَّهُم أنجاسٌ، ومع ما جاءَ في ذلك من النَّهيِ الذي لا يَنْبغي أن يُتعَدَّى.
-
فإن قال قائل: أفَيجُوزُ أن يَكتُبَ المُسلِمُ إلى الكافِرِ كِتابًا فيه آيةٌ من كِتابِ الله؟ قيل لهُ: أمّا إذا دُعِيَ إلى الإسلام، أو كانت ضَرُورةٌ إلى ذلك، فلا بأسَ به،
ج ٩ ص ٥١٠لِما رواهُ الزُّهريُّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابن عبّاسٍ، قال: أخبرني أبو سُفيان بن حَرْبٍ، فذكَرَ قِصَّةَ هِرَقلَ، وحديثَهُ بطُولِهِ، وفيه قال: فقَرَأ كِتابَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا فيه: "بِسْم الله الرَّحمن الرَّحيم، من محمدٍ عبدِ الله ورسُولِهِ، إلى هِرَقلَ عَظيم الرُّوم، سلامٌ على من اتَّبعَ الهُدى، أمّا بعدُ: فإنِّي أدعُوكَ بدعايةِ (١) الإسلام، أسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسلِمْ يُؤتِكَ اللهُ أجرَكَ مرَّتينِ، فإن تَولَّيتَ، فعليكَ إثمُ الأرِيسيِّينَ (٢) ، {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} الآيةَ (٣) (٤) [آل عمران: ٦٤] .
- ج ٩ ص ٥١١
حديثٌ ثامِنُ خمسين لنافع، عن ابن عُمر
مالكٌ (١) ، عن نافع: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان إذا سُئلَ عن صَلاةِ الخوفِ قال: يتَقدَّمُ الإمامُ بطائفةٍ من النّاسِ، فيُصلِّي بهم رَكعةً، وتكونُ طائفة منهُم بَيْنهُ وبين العدُوِّ لم يُصلُّوا، فإذا صَلَّى الذين معَهُ ركعةً، اسْتَأخرُوا مكان الذينَ لم يُصلُّوا، ولا يُسلِّمُونَ، ويتقدَّمُ الذين لم يُصلُّوا فيُصلُّونَ معَهُ رَكعةً، ثُمَّ ينصرِفُ الإمامُ وقد صَلَّى رَكعتين، فيقومُ كلُّ واحدٍ من الطّائفتينَ، فيُصلُّونَ لأنفُسِهِم رَكْعةً رَكْعةً بعدَ أن ينصرِفَ الإمامُ، فيكونُ كلُّ واحدٍ من الطّائفتينِ قد صلَّوا رَكْعتينِ، فإن كان خوفًا هُو أشدُّ من ذلك، صلَّوا رِجالًا قيامًا على أقدامِهِم، أو رُكبانًا مُسْتقبِلي القِبلَةِ، أو غيرَ مُسْتقبِليها. قال مالكٌ: قال نافعٌ: لا أرَى ابنَ عُمرَ حدَّثهُ إلّا عن رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.
-
هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ، عن نافع، على الشَّكِّ في رَفْعِهِ.
-
ورواهُ عن نافع جَماعة، ولم يشُكُّوا في رَفْعِهِ، ومِمَّن رواهُ كذلك مرفُوعًا، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ابنُ أبي ذِئبٍ، وموسى بن عُقبةَ، وأيُّوبُ بن موسى (٢) .
-
وكذلك رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٣) . وكذلك رواهُ خالدُ بن مَعْدانَ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٤) .
- ج ٩ ص ٥١٢
أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (١) بن عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا محبُوبُ بن موسى، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ الفَزاريُّ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قامَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بطائفةٍ من أصْحابِهِ خلفَهُ، وقامَتْ طائفةٌ بينهُ وبين العَدُوِّ، فصلَّى بالذينَ خلفَهُ ركعةً وسَجْدَتينِ، ثُمَّ انطلَقُوا فقامُوا في مَقام أُولئكَ، وجاءَ الآخرُونَ، فصلَّى بهمْ ركعةً وسَجْدَتينِ، ثُمَّ سلَّمَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وقد تمَّت صَلاتُهُ، ثُمَّ صلَّتِ الطّائفتانِ كلُّ واحدةٍ منهُما رَكْعةً، رَكْعةً (٢) .
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ؛ قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريع. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : حدَّثنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، عن يزيدَ بن زُريع، قال: حدَّثنا مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بإحْدَى الطّائفتينِ رَكْعةً، والطّائفةُ الأُخْرَى مُواجِهةُ العدُوِّ، ثُمَّ
ج ٩ ص ٥١٣انصرَفُوا فقامُوا في مَقام أُولئكَ، وجاءَ أُولئكَ فصَلَّى بهم رَكْعةً أُخرَى، ثُمَّ سلَّمَ عليهم، ثُمَّ قامَ هؤُلاءِ يَقْضُونَ رَكْعتَهُم، وقامَ هؤُلاءِ يَقْضون رَكْعتَهُم.
قال أبو داودَ (١) : وكذلكَ رَوَى نافعٌ وخالدُ بن مَعْدانَ، عن ابن عُمرَ.
قال: وكذلكَ قولُ مسرُوقٍ ويوسُفَ بن مِهرانَ، عن ابن عبّاسٍ.
-
وكذلك رَوَى الحسنُ، عن أبي موسى فِعْلَهُ.
-
ورواهُ أبو حُرَّة، عن الحسنِ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٢) .
قال: وكذلك رِوايةُ أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
قال أبو عُمر: ورَوَى أبو العاليةِ الرِّياحيُّ، عن أبي موسى مِثلَهُ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن بِشرٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ: أنَّ أبا موسى كان بالدّارِ من أصْبَهانَ، وما كان بها يومَئذٍ كبيرُ خوفٍ، ولكِن أحبَّ أن يُعلِّمَهُم دينَهُم وسُنّةَ نبيِّهِم -صلى الله عليه وسلم-، فجَعلهم صفَّينِ، طائفةً معَها السِّلاحُ مُقبِلةٌ على عدُوِّها، وطائفةً من وَرائهِ، فصلَّى بالذينَ يَلُونهُ رَكْعةً، ثُمَّ نَكَصُوا على أدبارِهِم حتّى قامُوا مقامَ الآخَرينَ يَتَخلَّلُونهُم، وجاءَ الآخرُونَ حتّى قامُوا وَراءَهُ، فصلَّى بهم رَكْعةً أُخرَى، ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ الذينَ يلُونهُ والآخرُونَ فصلَّوا ركعةً ركعةً، ثمَّ سلَّمَ بعضُهُم على بعضٍ، فتمَّت للإمام ركعتانِ في جماعةٍ، وللنّاسِ رَكْعةٌ، رَكْعةٌ.
قال أبو عُمر: يعني: معَ الإمام، وقضَوْا رَكْعةً رَكْعةً.
- ج ٩ ص ٥١٤
وبحديثِ ابن عُمرَ هذا المذكُورِ في هذا البابِ وما كان مِثلَهُ، مِثلُ حديثِ أبي موسى هذا وشِبهِهِ في صلاةِ الخوفِ، قال جماعةٌ من أهلِ العِلم، منهُم: الأوزاعيُّ، وإليه ذهَبَ أشهبُ بن عبدِ العزيزِ صاحِبُ مالكٍ.
-
وأمّا مالكٌ وسائرُ أصحابِهِ غيرَ أشهبَ، فإنَّهُم كانوا يَذْهبُونَ في صَلاةِ الخوفِ إلى حَديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ، وهُو ما رواهُ مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خَوّاتٍ الأنصاريِّ، أنَّ سهلَ بنَ أبي حثمةَ حدَّثهُ: أنَّ صَلاةَ الخوفِ: أن يقومَ الإمامُ ومعَهُ طائفةٌ من أصحابِهِ، وطائفةٌ مُواجِهة العَدُوَّ، فيَرْكعُ الإمامُ رَكْعةً، ويسجُدُ بالذين معَهُ، ثُمَّ يقومُ، فإذا اسْتَوَى قائمًا ثَبَت (٢) وأتمُّوا لأنفُسِهِمُ الرَّكعةَ الباقيةَ، ثُمَّ سلَّمُوا وانصرفُوا والإمامُ قائمٌ، فكانوا وِجاهَ العدُوِّ، ثُمَّ يكبِلُ الآخرُونَ الذين لم يُصلُّوا فيُكبِّرُونَ وراءَ الإمامَ، فيَرْكعُ (٣) بهم، وَيسْجُدُ، ثُمَّ يُسلِّمُ، فيقومُونَ، فيَرْكعُونَ لأنفُسِهِمُ الرَّكعةَ الباقيةَ ويُسلِّمُونَ.
وقال ابنُ القاسم وابنُ وَهْب وأشهبُ وغيرُهم، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ فقيل لهُ: أيُّ الحديثين أحبُّ إليكَ أن يُعمَلَ به، حديثُ صالح بن خَوّاتٍ، أو حديثُ سهلِ بن أبي حَثْمةَ؟ فقال: أحبُّ إليَّ أن يُعمَلَ بحديثِ سهلِ بن أبي حَثْمةَ، يقومُونَ بعد سلام الإمام فتقْضُون الرَّكعةَ التي عليهم، ثُمَّ يُسلِّمُونَ لأنفُسِهِم.
وقال ابنُ القاسم: العملُ عندَ مالكٍ في صَلاةِ الخوفِ، على حديثِ القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خوّاتٍ. قال: وقد كان مالكٌ يقولُ بحديثِ يزيدَ بن رُومانَ، ثُمَّ رَجَع إلى هذا (٤) .
ج ٩ ص ٥١٥قال أبو عُمر: حديثُ القاسم، وحديثُ يزيدَ بن رُومانَ، كِلاهُما عن صالح بن خوّاتٍ. إلّا أنَّ بينهُما فَصْلًا في السَّلام، ففي حديثِ القاسم: أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ بالطّائفةِ الثّانيةِ، ثُمَّ يقومُونَ فيقضُونَ الرَّكعةَ. وفي حديثِ يزيدَ بن رُومانَ: أنَّهُ ينتظِرُهُم، ويُسلِّمُ بهم.
-
وقد تقدَّم في هذا البابِ حديثُ القاسم، من رِوايةِ مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم (١) .
-
وأمّا حديثُ يزيدَ بن رُومانَ، فذكَرهُ أيضًا في "المُوطَّأ" (٢) مالكٌ، عن يزيدَ بن رُومانَ، عن صالح بن خوّاتٍ، عمَّن صلَّى مع النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- صَلاةَ الخَوْفِ يومَ ذاتِ الرِّقاع: أنَّ طائفةً صفَّتْ (٣) معَهُ، وطائفةً وِجاهَ العدُوِّ، فصلَّى بالذين معَهُ ركعةً، ثُمَّ ثبتَ قائمًا، وأتمُّوا لأنفُسِهِم، ثُمَّ جاءَتِ الطّائفةُ الأُخرى فصلَّى بهم، ثُمَّ ثبتَ جالِسًا فأتمُّوا لأنفُسِهِم، ثُمَّ سلَّمَ بهم.
-
وبهذا الحديثِ، قال الشّافِعيُّ وإليه ذهبَ.
قال الشّافِعيُّ (٤) : حديثُ صالح بن خوّاتٍ هذا أشبَهُ الأحاديثِ في صَلاةِ الخَوْفِ بظاهِرِ كِتابِ الله عزَّ وجلَّ، وبه أقول.
-
ومن حُجَّتِهِ: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ذكَرَ استِفتاحَ الإمام ببَعضِهِم، لقولِهِ: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} ، ثُمَّ قال: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: ١٠٢] .
- ج ٩ ص ٥١٦
وذكَرَ انصِرافَ الطّائفتينِ والإمام من الصَّلاةِ معًا بقولِهِ: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: ١٠٣] ، وذلك للجميع لا للبعضِ، ولم يذكُر أنَّ على واحدٍ منهُم قَضاءً.
-
وفي الآيةِ أيضًا دليل على أنَّ الطّائفةَ الثّانيةَ لا تَدخُلُ في الصَّلاةِ إلّا بعد انصِرافِ الطّائفةِ الأُولى، بقولِهِ: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا} [النساء: ١٠٢] . وهُو خِلافُ ظاهِرِ حديثِ أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ (١) ، وما كان مِثلَهُ في صلاةِ الخَوْفِ.
-
وفي قولِهِ: {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} دليلٌ على أنَّ الطّائفةَ الثّانيةَ تَنْصرِفُ ولم يبقَ عليها من الصَّلاةِ شيءٌ تَفْعلُهُ بعدَ الإمام.
-
بهذا كلِّهِ نزعَ بعضُ من يحتجُّ للشّافِعيِّ، لأخذ بحديثِ يزيدَ بن رُومانَ، لِما فيه من انتِظارِ الإمام الطّائفةَ الثّانيةَ، حتّى يُسلِّمَ بهم.
-
ومن حُجَّةِ مالكٌ -في اختياره حديثَ القاسم بن محمدٍ، في سَلام الإمام قبلَ الطّائفةِ الثّانيةِ، وقَضائها الرَّكْعةَ الثّانية بعد سَلامِهِ -القياسُ على سائرِ الصَّلواتِ، في أنَّ الإمامَ ليسَ لهُ أن ينتظِرَ أحدًا سَبقهُ بشيءٍ، وأنَّ السُّنّةَ المُجتَمَعَ عليها، أن يَقْضيَ المأمُومُونَ ما سُبِقُوا به بعدَ سلام الإمام.
-
وقولُ أبي ثَوْرٍ في ذلك، كقولِ مالكٍ، بحديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ في رِوايةِ القاسم، عن صالح بن خَوّاتٍ، قال: يُسلِّمُ الإمامُ، ثُمَّ تقومُ الطّائفةُ الأُخْرَى فتَقْضي رَكْعتَها.
-
ولم يختلِفْ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، أنَّ الإمامَ إذا قَرَأ في الرَّكعةِ الثّانيةِ بأُمِّ القُرآنِ وسُورةٍ، قبلَ أن تأتيَ الطّائفةُ الأُخرَى، ثُمَّ أتَتهُ فركَعَ بها حينَ
ج ٩ ص ٥١٧دخلَتْ معَهُ قبلَ أن يقرؤُوا شيئًا، أنَّهُ يُجْزئهُمْ، إلّا أنَّ الشّافِعيَّ قال: إذا أدركُوا معَهُ ما يُمكِنُهُم فيه قِراءةُ أُمِّ القُرآنِ، فلا يُجْزئهُمْ إلّا أن يقرؤُوها.
-
وقولُ أحمد بن حَنْبل في صَلاةِ الخَوْفِ، كقولِ الشّافِعيِّ سواءً، على حديثِ يزيدَ بن رُومانَ، هُو المُختارُ عندَ أحمد، وكان لا يَعِيبُ من فعَلَ شيئًا من الأوجُهِ المرويَّةِ في صَلاةِ الخوفِ.
قال الأثرمُ (١) : قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: صلاةُ الخَوْفِ تقولُ فيها بالأحاديثِ كلِّها، كلُّ حديثٍ في مَوْضِعِهِ، أم تختارُ (٢) واحدًا منها؟ فقال: أنا أقولُ: من ذهَبَ إلى واحدٍ منها، أو ذهَبَ إليها كلِّها، فحسنٌ، وأمّا حديثُ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، فأنا أختارُهُ، لأنَّهُ أنْكَأُ للعدُوِّ. قلتُ لهُ: حديثُ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ تَسْتعمِلُهُ مُسْتقبِلي القِبْلةِ كان العدُوُّ، أو مُستدبِريها؟ قال: نعم، هُو أنكأُ فيهم؟ لأنَّهُ يُصلِّي بطائفةٍ، ثُمَّ يذهبُونَ، ويُصلِّي بطائفةٍ أُخرى، ثُمَّ يذهبُونَ.
-
واختارَ داودُ، وطائفةٌ من أصحابِهِ حديثَ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ أيضًا في صلاةِ الخَوْف (٣) .
-
وكان عبدُ الرَّحمن بن مَهْديٍّ، ويحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ يختارُونَ في صلاةِ الخَوْفِ حديثَ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ.
-
رواهُ (٤) شُعبةُ، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٥) ، مِثلَ حديثِ مالكٍ، عن يزيدَ بن رُومانَ،
ج ٩ ص ٥١٨عن صالح بن خوّاتٍ سَواءً، حرفًا بحرفٍ. كذلكَ رواهُ مُعاذُ بن مُعاذٍ العَنْبريُّ، عن شُعبَةَ.
-
وأمّا أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، إلّا أبا يوسُفَ، فإنَّهُم ذهَبُوا إلى ما رواهُ الثَّوريُّ وشَريكٌ وزائدةُ وابنُ فُضَيلٍ، عن خُصيفٍ، عن أبي عُبَيدةَ بن عبدِ الله بن مسعُودٍ، عن أبيهِ، قال: صلَّى رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- صلاةَ الخوفِ بطائفةٍ، وطائفةٌ مُسْتَقبِلي العدُوِّ، فصلَّى بالذينَ وراءَهُ رَكْعةً وسَجْدتينِ وانصرَفُوا ولم يُسلِّمُوا، فوَقَفُوا بإزاءِ العدُوِّ، ثُمَّ جاءَ الآخرُونَ فقامُوا مَقامَهُم، فصلَّى بهم رَكْعةً ثُمَّ سلَّمَ، فقامَ هؤُلاءِ فصلَّوا لأنفُسِهِم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمُوا، وذهَبُوا فقامُوا مقامَ أُولئكَ مُسْتقبِلي العدُوِّ، ورجعَ أُولئكَ إلى مَراتِبِهِم، فصلَّوا لأنفُسِهِم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمُوا (١) .
-
ورَوَى أبو الأسودِ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن مَرْوانَ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّيتُ مع رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عامَ نَجْدٍ صلاةَ الخَوْفِ، قال: فقامَتْ طائفةٌ معَهُ، وطائفةٌ أُخرَى مُقابِلَ العدُوِّ وظُهُورُهُم إلى القِبْلة (٢) . فذكَرَ مِثلَ حديثِ ابن مسعُودٍ سَواءً، إلّا أنَّهُ ليسَ في حديثِ ابن مسعُودٍ: وظُهُورُهُم إلى القِبلةِ، ولا فيه ما يُخالِفُ ذلك.
- ج ٩ ص ٥١٩
فالمَعْنى عِندي في حديثِ ابن مسعُودٍ، وحديثِ أبي هريرةَ، وحديثِ ابن عُمر المذكُورِ في هذا البابِ واحدٌ، في أنَّ الطّائفتين كِلْتَيهِما لا تَقْضي كلُّ واحدةٍ مِنْهُما رَكْعتَها، إلّا بعد سَلام الإمام.
-
وكان الثَّوريُّ مرَّةً يقولُ بحديثِ ابن مسعُودٍ، كقولِ أبي حَنِيفةَ.
-
ومرَّةً بحديثهِ عن منصُورٍ، عن مجُاهِدٍ، عن أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بعُسْفانَ، وعلى المُشرِكين خالدُ بن الوَليدِ. فذكر الحديث (١) .
-
وفيه: والعدُوُّ بينهُم وبين القِبْلةِ. قال: فأمَرَهُم رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فأخَذُوا السِّلاح، ثُمَّ قامُوا خلفَهُ صفَّينِ: صفٌّ بعدَ صَفٍّ، فكبَّرَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وكبَّرُوا جميعًا، ثُمَّ ركَعَ ورَكَعُوا جميعًا، ثُمَّ رفَعَ ورَفعُوا جميعًا، ثُمَّ سجَدَ وسجَدَ الذين يلُونَهُ والآخرُونَ قيام يحرُسُونهُم، فلمّا سَجَدُوا سَجْدتينِ، قامُوا وسجَدَ الآخرُونَ الذينَ كانوا خَلْفَهُم، ثُمَّ تأخَّرَ الذينَ سَجَدُوا مع رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، إلى مَقام الذينَ كانوا يحرُسُونهُم (٢) ، وتقدَّمَ الآخرُونَ، فقامُوا في مَقامِهِم، ثُمَّ ركَعَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ورَكَعُوا، ثُمَّ رفَعَ، فرفعُوا جميعًا، ثُمَّ سجَدَ وسجَدَ الذين يلُونهُ في الصَّفِّ الذي يليهِ والآخرُونَ قِيامٌ يحرُسُونهُم، فلمّا رفَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- رأسَهُ من سُجُودِهِ، وجلَسَ، سجَدَ الآخرُونَ، ثُمَّ جَلسُوا جميعًا، ثُمَّ سلَّمَ عليهم. قال: فصَلّاها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مرَّةً بعُسْفانَ، ومرَّةً بأرضِ بني سُلَيم (٣) .
ج ٩ ص ٥٢٠قال سُفيانُ: وحدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلّاها بنَخْلَةَ مِثلَ ذلك (١) .
قال أبو عُمر: رواهُ أيُّوبُ وجَماعةٌ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر (٢) . كما رواهُ الثَّوريُّ.
-
وكذلكَ رواهُ عبدُ الملكِ بن أبي سُليمانَ، عن عَطاءٍ، عن جابر (٣) .
-
وكذلك رواهُ داودُ بنُ حُصينٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس (٤) .
-
وكذلك رواهُ قتادةُ، عن الحسنِ، عن حِطّان الرَّقاشيِّ، عن أبي موسى فِعْلَهُ (٥) .
-
ومِن مُرسلِ مجُاهِد (٦) ، وعُروةَ (٧) مِثلهُ.
-
وإلى هذا الوَجْهِ في صلاةِ الخَوْفِ ذهَبَ ابنُ أبي ليلى.
ج ٩ ص ٥٢١قال الثَّوريُّ (١) : وبلَغَنا أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بذي قَرَدٍ (٢) فصفَّ خلفَهُ صفًّا، وقامَ صفٌّ بإزاءِ العَدُوِّ، فصلَّى بالذينَ خلفَهُ ركعةً، ثُمَّ انصَرفُوا، فقامُوا مقامَ أصْحابِهم، وجاءَ الآخرُونَ فصلَّى بهم رَكْعةً، ثُمَّ سلَّمَ عليهم، فكانت للنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- رَكْعتانِ، ولكلِّ صفٍّ رَكْعةٌ.
قال سُفيانُ: قد جاءَ هذا، وهذا، وأيَّ ذلك فعلتَ، رَجَوتُ أن يُجزِئَ.
قال أبو عُمر: فخيَّر الثَّوريُّ في صَلاةِ الخوفِ على ثلاثةِ أوجُهٍ:
أحدُها: حديثُ ابن مسعُودٍ الذي ذهَبَ إليه أبو حنيفةَ.