مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٦٦ من ٧٩

  1. وقد مَضَى القولُ في هذا البابِ مُمهَّدًا مبسُوطًا، بما فيه من اختِلافِ الآثارِ، وتنازُع عُلماءِ الأمْصارِ، في بابِ رَبِيعةَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله، فلا وجهَ لتَكْريرِ ذلك هاهُنا.

    ج ١٠ ص ٣٦
  2. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الإمامَ يخطُبُ رَعِيّتَهُ ويُعلِّمُهُم في خُطبتِهِ ما بهمُ الحاجةُ إليه من أحكامِهِم، في دينِهِم ودُنياهُم.

  3. وأمّا الدُّبّاءُ، فهُو القَرْعُ المعرُوفُ، وهُو إذا يبِسَ، وصُنِع (٣) منهُ ظرفٌ، يُسرِعُ فيه النَّبيذُ إلى الشِّدَّةِ، مزفَّتًا كان أو غير مُزفَّتٍ، ولذلكَ جاءَ في هذا الحديثِ وغيرِهِ ذِكرُ الدُّبّاءِ مُطلقًا، ثُمَّ عطفَ عليه المُزفَّت منهُ، ومِن غيرِهِ، والله أعلمُ.

  4. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونُسَ، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن فُضَيل (٢) ، عن المُختارِ بن فُلفُلٍ، قال: سألتُ أنسَ بن مالكٍ، عن النَّبيذِ، فقال: اجْتَنِب مُسكِرَهُ في كلِّ شيءٍ، واجْتَنِب ما سِوَى ذلك فيما زُفِّتَ، أو في (٣) قَرْعةٍ.

    ج ١٠ ص ٣٧
  5. وهذا يُوضِّحُ ما قُلنا، ويُفسِّرُ حديثَ ابن عُمرَ ومذهبَهُ، ومذهبَ مالكٍ في هذا البابِ، والله المُوفِّقِ للصَّوابِ.

  6. وأمّا (٤) حديثُ مالك (٥) ، عن نافع وعبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ قدِمَ الكُوفَةَ على سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، وهُو أميرُها، فراص يَمْسحُ على الخُفَّينِ، فأنكَرَ ذلك عليه، فقال لهُ سعدٌ: سَلْ أباكَ إذا قدِمتَ عليه. فقدِمَ عبدُ الله بن عُمرَ، فنَسِيَ أن يسألَ عُمرَ عن ذلك، حتّى قدِمَ سعدٌ، فقال: سَألتَ أباكَ؟ فقال: لا. قال: فسَلْهُ. فسألهُ عبدُ الله بن عُمرَ. فقال عُمرُ: إذا أدخلتَ رِجْلَيكَ في الخُفَّينِ وهُما طاهِرتانِ، فامسَحْ عليهما. فقال عبدُ الله بن عُمرَ: وإن جاءَ أحَدُنا من الغائطِ؟ فقال عُمرُ: وإن جاءَ من الغائطِ.

  7. فهذا موقُوفٌ على عُمرَ في "المُوطَّأ" ولم يختلِف رُواةُ "المُوطَّأ" في ذلك، ولا عن مالكٍ فيه خِلافٌ.

  8. وقد تابَعهُ على ذلك جماعةٌ، وهُو الصَّحيحُ إن شاءَ الله.

    ج ١٠ ص ٣٨
  9. وقد رُوي عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن عمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مرفُوعًا.

  10. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ ومحمدُ بن إبراهيمَ، قالا: أخبرنا محمدُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال (١) : حدَّثنا عِمرانُ بن موسى، قال: حدَّثنا ابنُ سَواءٍ (٢) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن عُمرَ (٣) : أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- توضَّأ، ومسحَ على خُفَّيهِ.

  11. وقد رُوِيَ عن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في المَسْح على الخُفَّينِ:

    من حديثِ سالم، عن ابن عُمرَ، عن عُمر (٤) .

  12. ومِن حديثِ محُارِبِ ين دِثارٍ، عن ابن عُمر، عن عُمرَ (٥) .

  13. ومِن حديثِ عاصِم بن عُبيدِ الله، عن أبيهِ، أو عمِّهِ، عن عُمرَ (٦) .

  14. ومِن حديثِ البراءِ بن عازِبِ، عن عُمرَ (٧) .

  15. كلُّها عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

  16. وقد رُوي موقُوفًا على عُمرَ من وُجُوهٍ أيضًا (١) . وإذا صحَّ رفعُهُ، فلا يَضُرُّهُ توقيفُ من وَقَفهُ؛ لأنَّهُ أفْتَى بما علِمَ.

    ج ١٠ ص ٣٩
  17. وقد رُوي المسحُ على الخُفَّينِ أيضًا عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، من طُرُق (٢) .

  18. وقد ذكَرْنا طُرُقَ المسح على الخُفَّينِ، والقائلينَ به من الصَّحابةِ، ومن بعدَهُم مُسْتَوعبًا، في بابِ ابن شِهاب، والحمدُ لله (٣) .

  19. نافعٌ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، حديثٌ واحِدٌ وهُو حديثٌ سابع ستِّين لنافع

    واسمُ أبي سعِيدٍ (١) هذا: سعدُ بن مالكِ بن سِنانٍ، وقد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (٢) بما يُغني عن ذِكرِهِ هاهنا من التَّعرِيفِ، والرَّفع في النَّسبِ.

    ج ١٠ ص ٤٠
  20. مالكٌ (٣) ، عن نافع، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تبِيعُوا الذَّهبَ بالذَّهبِ، إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بَعْضٍ، ولا تبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ، إلا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تبِيعُوا شيئًا منها غائبًا بناجِزٍ" .

  21. لم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في هذا الحديثِ (٤) ، وكذلك رواهُ أَيُّوبُ (٥) ، وعُبيدُ الله (٦) عن نافع، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، كما رواهُ مالكٌ، وهُو الصَّحِيحُ في ذلك.

  22. ورواهُ ابنُ عَوْنٍ، عن نافع، قال: جاءَ رجُل إلى عبدِ الله بن عُمرَ، فحدَّثهُ عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. فذكَرَ الحديثَ في الصَّرف (١) .

    ج ١٠ ص ٤١
  23. هكذا رواهُ جماعةٌ عنِ ابنِ عَوْنٍ، ليسَ فيه سماعٌ لنافع من أبي سعِيدٍ، ولا لابنِ عُمرَ من أبي سعِيدٍ، وإنَّما فيه: أنَّ رجُلًا حدَّثهُ عن أبي سعِيدٍ، بهذا الحديثِ.

  24. والرَّجُلُ قد سمّاهُ يحيى بن سعِيدٍ، في حديثهِ عن نافع؛ رواهُ يزِيدُ بن هارُون، عن يحيى بن سعِيدٍ، أنَّهُ أخبَرهُ، أنَّ نافعًا أخبَرهُ، أنَّ عَمرَو بن ثابتٍ العُتوارِيَّ ذكرَ لعبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ، يُحدِّثُ بهذا الحديثِ (٢) .

  25. ولم يُجوِّد يحيى بن سعِيدٍ، ولا ابنُ عونٍ هذا الحديث، لأنَّ فيه: أنَّ ابن عُمرَ لمّا حدَّثهُ هذا الرَّجُلُ بهذا الحديثِ عن أبي سعِيدٍ، قامَ إلى أبي سعِيدٍ، ومَضَى معَهُ نافع، فسَمِعا الحديثَ من أبي سعِيدٍ.

  26. وقد جوَّدَ (٣) ذلك عُبيدُ الله بن عُمرَ.

  27. ورواهُ خُصَيفٌ الجَزَرِيُّ (٤) ، وعبدُ العزيزِ بن أبي روّادٍ المكِّيُّ (٥) ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ. وليس بشيءٍ، وإنَّما الحديثُ لنافع، عن أبي سعِيدٍ، سَمِعهُ معهُ ابنُ عُمرَ، على ما قال عُبيدُ الله.

  28. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: أخبَرني نافعٌ، قال: بلغَ عبدَ الله بن عُمرَ: أنَّ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ يأثُرُ عن رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في الصَّرفِ، فأخذَ بيدِي، وبيدِ رجُلٍ، فأتينا أبا سعِيدٍ، فقال لهُ عبدُ الله بن عُمرَ: شيءٌ تأثُرُهُ عن رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في الصَّرفِ؟ قال: سمِعَتهُ أُذُناي، ووَعاهُ قلبِي من رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "لا تَبِيعُوا الذَّهبَ بالذَّهبِ، إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا الفِضّةَ بالفِضّةِ، إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُفضِّلُوا بعضَها على بعضٍ، ولا تبِيعُوا منها غائبًا بناجِزٍ" (١) .

    ج ١٠ ص ٤٢
  29. وهذا من أصحِّ حديثٍ يُروَى في الصَّرفِ، وهُو (٢) يُوجِبُ تحرِيمَ الازدِيادِ والنَّساءِ جميعًا في الذَّهبِ والوَرِقِ، تِبرِهِما وعَيْنِهِما، وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، إلّا فِرْقةٌ شذَّت وأباحَتْ فيهما الازدِيادَ والتَّفاضُلَ يدًا بيدٍ، وما قال بهذا القولِ أحَدٌ منَ الفُقهاءِ الذين تدُورُ عليهمُ الفتوَى في أمْصارِ المُسلِمِينَ، فلا وَجهَ للاشتِغالِ بالشُّذُوذِ.

  30. والشِّفُّ في كلام العربِ، بالكسرِ: الزِّيادةُ، يُقالُ: الشَّيءُ يشِفُّ، ويستشِفُّ، أي: يزِيدُ.

  31. وفي قولِهِ -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديثِ: "ولا تبِيعُوا منها غائبًا بناجِزٍ" دليلٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ في الصَّرفِ شيءٌ من التَّأخِيرِ، ولا يجُوزُ حتّى يَحضُرَ العينُ منهُما جميعًا.

  32. وهذا أمرٌ مجُتَمعٌ عليه، إلّا أنَّ من معنَى هذا البابِ، مِمّا اختلفَ فيه العُلماءُ، الصَّرفَ على ما ليسَ عندَ المُتصارِفَيْنِ، أو عندَ أحدِهِما في حِينِ العَقدِ.

    قال مالكٌ: لا يجُوزُ الصَّرفُ، إلّا أن يكونَ العينانِ حاضِرتينِ (٣) .

    ج ١٠ ص ٤٣وقال الشّافعيُّ (١) وأبو حنِيفةَ: يجُوزُ أن يشترِي دنانير بدراهِمَ ليست عندَ واحِدٍ منهُما، ثُمَّ يَسْتقرِض، فيدفع قبلَ الافتِراقِ (٢) .

  33. ورَوَى الحسنُ بن زِيادٍ، عن زُفرَ: أنَّهُ لا يجُوزُ الصَّرفُ حتّى تحضُرَ (٣) إحْدَى العينينِ، وتُعيَّن، فإن لم يكُن ذلك، لم يجُز، نحو أن يقول: اشْتَريتُ منكَ (٤) ألفَ دِرهم بمئةِ دِينارٍ، وسواءٌ أكانَ ذلك عندَهُما أم لم يكُن، فإن عيَّنَ أحدُهُما جازَ، وذلك مِثلَ أن يقول: اشْتَريتُ منكَ ألفَ دِرْهم، بهذه الدَّنانيرِ، إذا دَفعها قبلَ أن يَفْترِقا.

  34. ورُوِي عن مالكٍ مِثلُ قولِ زُفر، إلّا أنَّهُ قال: يحتاجُ أن يكون قبضُهُ لما لم يُعيِّنهُ، قرِيبًا مُتَّصِلًا، بمَنزِلةِ النَّفقةِ، يحُلّها من كيسِه (٥) .

    وقال الطحاوِيُّ (٦) : واتَّفقُوا، يعني هؤُلاءِ الفُقهاءَ الثَّلاثةَ، على جَوازِ الصَّرفِ، إذا كان أحدُهُما دينًا، وقبضهُ في المجلِسِ. فدلَّ على اعتِبارِ القَبضِ في المجلِسِ، دُون كونِهِ عينًا.

  35. واختلَفَ الفُقهاءُ، أيضًا، في تصارُفِ الدَّينينِ، وتطارُحِهِما، مِثلَ أن يكونَ لرجُلٍ على رجُلٍ دنانيرُ، ولآخرَ عليه دراهِمُ.

  36. فمذهبُ مالكٍ وأبي حنِيفةَ: أنَّهُ لا بأسَ أن يَشْترِي أحدُهُما ما عليه، بما على الآخرِ، ويتَطارحانِها (٧) صرفًا.

  37. ومن حُجّةِ من ذهَبَ هذا المذهب، حديثُ سِماكِ بن حربٍ، عن سعِيدِ بن جُبير (١) ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سألتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أبِيعُ الإبِلَ بالبقيع (٢) ، أبِيعُ بالدَّنانيرِ، وآخُذُ الدَّراهِم، وأبِيعُ بالدَّراهِم وآخُذُ الدَّنانير؟ فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا بأسَ بذلك ما لم تَفْترِقا وبينكُما شيءٌ" (٣) .

    ج ١٠ ص ٤٤
  38. ففي هذا الحديثِ دليلٌ على جَوازِ الصَّرفِ إذا كان أحدُهُما دينًا.

    قالوا: فكذلك إذا كانا دَيْنينِ؛ لأنَّ الذِّمّةَ الحاضِرةَ كالعَيْنِ الحاضِرةِ، وصارَ الطَّرحُ عندَهُم في ذلك، كالمقبُوضِ من العينِ الحاضِرةِ، ومعنى الغائبِ عندَهُم، هُو الذي يحتاجُ إلى قبضٍ، ولا يُمكِنُ قبضُهُ حتّى يَفْترِقا، بدليلِ حديثِ عُمرَ: لا تُفارِقْهُ حتّى تَقْبِضَهُ (٤) .

    وقال الشّافعيُّ وجماعة، وهُو قولُ اللَّيثِ: لا يجُوزُ تَصارُفُ الدَّينينِ، ولا تَطارُحُهُما؛ لأنَّهُ لمّا لم يجُز غائبٌ بناجِزٍ، كان الغائبُ بالغائبِ أحْرَى أن لا يجُوز (٥) .

  39. وأجازَ الشّافعيُّ وأصحابُهُ قَضاءَ الدَّنانيرِ عنِ الدَّراهِم، وقضاءَ الدَّراهِم عنِ الدَّنانيرِ.

  40. وسواءٌ كان ذلك من بَيع، أو من قرضٍ، إذا كان حالًّا، وتقابَضا قبلَ أن يَفْترِقا، بأيِّ سِعرٍ شاءا (٦) ، فإن تفرَّقا قبلَ أن يَتَقابضا، بطلَ الصَّرفُ بينهُما، ورجَعَ كلُّ واحِدٍ منهُما إلى أصلِ ما كان لهُ على صاحِبِهِ.