مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٦٥ من ٧٩

  1. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ (١) بن محمدٍ. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبرنا أحمدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم (٣) ، قال: حدَّثنا سيفُ بن سُليمانَ، قال: سمِعتُ مجُاهِدًا يقولُ: أُذِنَ (٤) ابنُ عُمرَ في مَنْزِلِهِ، فقيلَ: هذا رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قد دخَلَ الكعبةَ. قال: فأقبلتُ، فأجِدُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قد خرَجَ، وأجِدُ بلالًا على البابِ قائمًا، فقلتُ: يا بلالُ، أصلَّى (٥) رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في الكَعْبةِ؟ قال: نعم. قلتُ: أينَ؟ قال: ما بينَ هاتين الأُسْطُوانَتَينِ رَكْعتينِ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى رَكْعتينِ في وَجْهِ الكَعبةِ.

    ج ١٠ ص ٢٥
  2. وعندَ مجُاهِدٍ في هذا حديثٌ آخرُ: حدَّثناهُ عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكير، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦) : حدَّثنا زُهَيرُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن يزيد بن أبي زياب، عن مجُاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ (٧) بن صَفْوانَ،

    ج ١٠ ص ٢٦قال: قلتُ لعُمرَ بن الخطّابِ: كيفَ صنَعَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ دخَلَ الكعبةَ؟ قال: صلَّى رَكْعتينِ.

  3. فهذه آثارٌ تَشْهدُ لصِحَّةِ قولِ ابن عُمرَ، عن بلال: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى فيها. الصَّلاةَ المعهُودةَ، لا الدُّعاءَ.

  4. واختلَفَ الفُقهاءُ في الصَّلاةِ في الكَعْبةِ، الفَرِيضةِ والنّافِلةِ.

    فقال مالكٌ (١) : لا يُصلَّى فيها الفَرْض، ولا الوِتْرُ، ولا رَكْعتا الفَجْرِ، ولا رَكْعتا الطَّوافِ، ويُصلَّى فيها التَّطوُّعُ.

  5. وذكر ابنُ خُويزِمَنْداد، عن مالكٍ وأصحابِهِ، فيمَنْ صلَّى في الكعبةِ الفَريضةَ، أو صلَّى على ظَهْرِها، أعادَ ما دامَ في الوقتِ، في المسألتينِ جميعًا.

    وقال الشّافِعيُّ (٢) ، وأبو حنيفةَ (٣) ، والثَّوريُّ: يُصَلَّى في الكَعْبةِ الفرضُ والنَّوافِلُ كلُّها (٤) .

    وقال الشّافِعيُّ (٥) : إن صلَّى في جَوْفِها مُستقبِلًا حائطًا من حِيطانِها، فصلاتُه جائزةٌ، وإن صلَّى نحوَ البابِ، والبابُ مفتُوحٌ، فصلاتُه باطِلٌ؛ لأنَّهُ لم يَسْتقبِلَ منها شيئًا.

    قال: ومَن صَلّى على ظهرِها، فصلاتُه باطِلٌ؛ لأنه لم يستقبلْ منها شيئًا.

    ج ١٠ ص ٢٧وقال مالكٌ: من صلَّى على ظَهرِ الكَعْبةِ مَكْتُوبةً، أعادَ في الوَقْت (١) . وقد رُوي عن بعضِ أصحابِ مالكٍ: يُعيدُ أبدًا (٢) .

    وقال أبو حَنِيفةَ: من صلَّى على ظهرِ الكَعْبةِ، فلا شيءَ عليه (٣) .

  6. واختلَفَ أهلُ الظّاهِرِ فيمَنْ صلَّى في الكعبةِ، فقال بعضُهُم: صَلاتُهُ جائزةٌ. وقال بعضُهُم: لا صلاةَ لهُ في نافِلةٍ، ولا في فَرِيضةٍ؛ لأنَّهُ قدِ استدبَرَ بعضَ الكعبةِ (٤) . واحتجَّ قائلُ هذه المَقالةِ بقولِ ابن عبّاسٍ: أُمِرَ النّاسُ أن يُصلُّوا إلى الكَعْبةِ، ولم يُؤمرُوا أن يُصلُّوا فيها (٥) .

    قال أبو عُمر: لا يصِح في هذه المسألةِ إلّا أحَدُ قولينِ: إمّا أن يكونَ من صلَّى في الكَعْبةِ فصلاتُه تامَّةٌ، فَرِيضةً كانت أو نافِلةً؛ لأنَّهُ قدِ استقبلَ بعضَها، وليسَ عليه إلّا ذلك، أو تكونُ صلاتُهُ فاسِدةً، فريضةً كانت أو نافِلةً، من أجلِ أنَّهُ لم يحصُل لهُ استِقبالُ بَعضِها، إذا صلَّى داخِلها، إلّا باسْتِدبارِ بعضِها.

  7. ولا يجُوزُ ذلك عندَ من ذهَبَ إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ، نهي عن جميع أضْدادِهِ، في كلِّ بابٍ.

  8. والصَّوابُ من القولِ في هذا البابِ عِندي، قولُ من أجازَ الصَّلاةَ كلَّها في الكعبةِ، إذا استقبلَ شيئًا منها؛ لأنَّهُ قد فعَلَ ما أُمِر به، ولم يأتِ ما نُهِيَ عنهُ، لأنَّ

    ج ١٠ ص ٢٨اسْتِدبارَها هاهُنا، ليس بضِدِّ استِقبالِها، لأنَّهُ ثابت معَهُ في بعضِها، والضِّدُّ لا يثبُتُ مع ضِدِّهِ، ومعلُومٌ أنَّ المأمُورَ باستِقبالِ الكَعْبةِ، لم يُؤمر باسْتِقبالِ جَميعها، وإنَّما تَوجَّه الخِطابُ إليه، باسْتِقبالِ بَعضِها، والمُصلِّي في جَوْفِها قدِ استقبلَ جِهةً منها، وقِطْعةً، وناحيةً (١) ، فهُو مُستقبِلٌ لها بذلك.

  9. وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ صلَّى فيها رَكْعتينِ، وهُو المُبيِّنُ عن الله مُرادَهُ.

  10. وكلُّ مَوْضِع تجُوزُ فيه صلاةُ النّافِلةِ، جازت فيه صلاةُ الفَريضةِ، قياسًا ونظرًا، إلّا أن يمنعَ من ذلك ما يجِبُ التَّسليمُ لهُ، على أنَّهُ لا يجِبُ لأحَدٍ أن يتعمَّدَ صلاةَ الفَرِيضةِ فيها.

  11. ولو صلَّى فيها رَكْعتين نافِلةً، لم يكُن بذلك بأسٌ، فإن صلَّى أحَدٌ فيها فَريضةً، فلا حرجّ، ولا إعادةَ.

  12. فإن قيل: إنَّ النّافِلةَ قد تجُوزُ على الدّابَّةِ للمُسافِرِ إلى غَيرِ القِبْلةِ، ولا تجُوزُ كذلكَ الفريضةُ، فلِمَ قِسْتَ النّافِلةَ على الفَرِيضةِ؟

  13. قيل لهُ: ذلك مَوْضِعُ خُصُوصٍ بالسُّنَّةِ لضرُورةِ السَّفرِ، كما تجُوزُ صَلاةُ الفَريضةِ للخائفِ المطلُوبِ، راكِبًا مُستقبِلَ القِبلةِ وغيرَ مُستقبِلِها، لضرُورةِ الخوفِ، وليس ذلك بمُبيح لهُ الصلاةَ المفرُوضةَ على الدّابَّةِ في حالِ الأمنِ من غيرِ ضرُورة، ولا بمُبيح ذلك لهُ تَرْكَ استِقبالِ القِبلةِ من غيرِ ضرُورة، وكذلكَ الصَّلاةُ على الدّابَّةِ للمُتطوِّع المُسافِرِ، ليسَ ذلك بمُبيح لهُ الصَّلاةَ النّافِلةَ، ولا الفَرِيضةَ على الأرضِ إلى غيرِ القِبلةِ في الحَضَرِ، لأنَّها في السَّفرِ حالُ ضرُورةٍ، خُصت بالسُّنَّةِ والإجماع.

  14. وأمّا غيرُ ذلك مِمّا تنازع فيه العُلماءُ من هذا البابِ، فالواجِبُ أن لا يُفرِّقَ فيه بين صلاةِ النّافِلةِ والفريضةِ، كما أنَّها لا تَفْترِقُ في الطَّهارةِ، واستِقبالِ القِبلَةِ، وقِراءةِ القُرآنِ، والسَّهوِ، وسائرِ الأحكام، وبالله التَّوفيقُ.

    ج ١٠ ص ٢٩
  15. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوَرْديُّ، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كُنتُ أُحِبُّ أن أدخُلَ البيت وأُصَلِّي فيه، فأخذَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بيَدِي فأدْخَلَني في الحِجْرِ، فقال: "فصلِّي في الحِجْرِ (٢) إذا أرَدْتِ دُخُول البيتِ، فإنَّما هُو قِطعة من البيتِ، فإنَّ قومَكِ اقْتَصرُوا حينَ بنوُا الكعبةَ فأخْرَجُوهُ من البيتِ" .

    قال أبو عُمر: لو مِلْتُ إلى قولِ أُسامةَ وابن عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ دخلَ الكعبةَ دَعا فيها، ولم يُصلِّ، لم أُجِزْ فيها نافِلةً ولا فَرِيضةً، من جِهَةِ اسْتِدبارِ بَعضِها، ولكِنَّ القول بالزِّيادةِ المُفسِّرةِ لمعنَى الصَّلاةِ أولى، ورِوايةُ من أثبتَ، أولَى من رِوايةِ من نَفَى، واللهُ (٣) أعلمُ، وبه التَّوفيقُ لا شريكَ لهُ.

  16. حديثٌ رابعُ ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن زيدِ بن ثابتٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- رَخَّصَ لصاحِبِ العَرِيَّةِ أن يَبِيعها بخَرْصِها.

    ج ١٠ ص ٣٠
  17. هكذا رَوَى هذا الحديثَ في "المُوطَّأ" جماعةُ الرُّواةِ فيما علِمتُ، لم يزيدُوا على: أن يَبِيعها بخَرْصِها (٢) .

  18. ورَواهُ اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: حدَّثني زيدُ بن ثابتٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أرخَصَ في بيع العَرايا بخرصِها تمرًا (٣) .

  19. وهو عندَ يحيى بن سعيدٍ في العَرايا أيضًا حديثُهُ، عن بُشَيْر بن يَسارٍ، عن سَهْلِ بن أبي حثمَةَ. وقد ذكَرْناهُ في بابِ داود بن الحُصَينِ، من هذا الكِتابِ.

  20. ورَوَى الأوزاعيُّ ويونُسُ، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن زيدِ بن ثابتٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أرخصَ في بَيْع العَرايا بالرُّطَب (١) .

    ج ١٠ ص ٣١
  21. والمحفُوظُ في هذا الحديثِ وغيرِهِ في العرايا، ذِكرُ التَّمرِ، لا ذِكرُ الرُّطَبِ.

  22. وقد مَضَى القولُ في حُكْم العَرايا، ومَعانيها، وما للعُلماءِ من الأقاويلِ في ذلك مُستوعبًا، في بابِ داود بن الحُصَينِ، من كِتابِنا هذا، فلا وجه لإعادةِ ذلك هاهُنا.

  23. حديثٌ خامسُ ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ عائشَةَ أُمَّ المُؤمنينَ أرادَتْ أن تَشْتري جاريةً تُعْتِقُها، فقال أهلُها: نَبِيعُكُها على أنَّ وَلاءَها لنا، فذَكَرت ذلك لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "لا يَمْنَعُكِ (٢) ذلك، فإنَّما الوَلاءُ لمن أعتَقَ" .

    ج ١٠ ص ٣٢
  24. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ أكثرِ الرُّواةِ عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ (٣) عائشةَ (٤) .

  25. ورَواهُ (٥) يحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن عائشةَ؛ حدَّثناهُ عبدُ الرَّحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسَنُ بن الخَضِرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن فضالةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأتُ على مالكٍ، فذكرهُ (٦) .

    ج ١٠ ص ٣٣قال أبو عُمر: قد مَضَى منَ القولِ في حديثِ بَرِيرةَ وُجُوهٌ ومعانٍ حِسانٌ، في بابِ رَبيعةَ من هذا الكِتابِ، وسيأتي القولُ مُستَقصًى مُمهَّدًا مُوعَبًا في معاني حديثِ بَرِيرةَ، في بابِ هشام بن عُرْوةَ إن شاءَ الله.

  26. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "لا يَمْنَعُكِ ذلك" ، فمَعناهُ: لا يَمْنَعُكِ ما ذكَرُوا من اشْتِراطِ الولاءِ، أن تحتَرِم شراءَها، وقلْ (١) لهم: "الوَلاءُ لمن أعتَقَ" . فلا سَبِيلَ إلى ما ذَكَرتُمُوهُ، إن أرَدْتُم بَيْعَها، فإنَّ الحُكمَ فيها، وفي غيرِها: أنَّ الوَلاءَ لمن أعْطَى الثَّمنَ، إذا أعتَقَ، وإنْ لم تريدُوا بيعَها على حُكم السُّنَّةِ، فشأنكُم بها.

  27. هذا معنَى هذا الحديثِ عندَ أهلِ العِلم، ولا يجُوزُ غيرُ هذا التَّأويلِ، ومِثلُهُ عندَ من عرفَ الله، وعرفَ رسُولَهُ -صلى الله عليه وسلم-، وعرفَ أحكامَهُما (٢) في كِتابِ الله، وسُنَّةِ نبيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-.

  28. وقد بَيّنا (٣) هذا المعنَى بالحُجَّةِ الواضِحةِ، في بابِ هشام بن عُروةَ، والحمدُ لله.

  29. وفي ظاهِرِ هذا الحديثِ دَلِيلٌ على أنَّ الشَّرطَ الفاسِدَ، لا يقدحُ في البَيْع، ولا يُفسِدُهُ، ولا يُبطِلُهُ، وأنَّ البيعَ يصِحّ معَهُ، ويبطُلُ الشَّرطُ.

  30. ولكِن قد جاءَت آثارٌ، منها ما يدُلُّ على جَوازِ البيع والشَّرطِ، ومنها ما يدُلُّ على إبطالِ البيع من أجْلِ الشَّرطِ الفاسِدِ، ولكلِّ حديثٍ منها وجهٌ، وأصَحُّها من جِهةِ النَّقلِ حديثُ ابن عُمر هذا في قِصَّةِ بَرِيرةَ، وقد رَوَتهُ عائشةُ أيضًا، وهُو يَدُلُّ على ما ذكَرْنا.

  31. ولتَلْخيصِ معاني الآثارِ المُتعارِضةِ في هذا البابِ موضِعٌ غيرُ هذا، ومن حملَ الحديثَ على ما تأوَّلناهُ عليه، لم يكُن فيه دليلٌ على جَوازِ البيع، وبُطلان

    ج ١٠ ص ٣٤الشَّرطِ؛ لأنَّهُ يحتَمِلُ أن يكونَ البيعُ لم يَنْعقِد، على ظاهِرِ هذا الحديثِ، والله أعلمُ. ولعلَّهُ انعقَدَ على ما يجِبُ في ذلك، بتَرْكِ أهلِ بَرِيرةَ لذلك الشَّرطِ، وإذا احتمَلَ هذا الإدخالَ، ارتفعَ القَطْعُ عليه بوجهٍ من تِلك الوُجُوهِ، ورُدَّ الأمرُ في ذلك إلى الأصْلِ، وهُو نَهْيُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عن بَيعْ الولاءِ وهِبتِهِ.

  32. والآثارُ في قِصَّةِ بَرِيرةَ مَرْويَّةٌ بألفاظٍ مُختلِفةٍ، وقد ذكَرْناها (١) ، وذكَرْنا ما فيها من الأحكام والمعاني، مُستقصاةً مبسُوطةً، في بابِ هشام بن عُروةَ من هذا الكِتابِ، فهُناك يتأمَّلُها من ابتغاها بحولِ الله، وذكَرْنا منها عُيُونًا وأُصُولًا، في بابِ ربيعةَ أيضًا والحمدُ لله.

  33. وأمّا قولُهُ: إنَّ عائشَةَ أرادَتْ أن تَشْتريَ جاريةً فتُعتِقَها.

  34. فإنَّ الفُقَهاءَ اختلفُوا فيمَنْ اشْتَرى عبدًا، على أن يُعتِقَهُ.

  35. فذهَبَ مالكٌ (٢) إلى أنَّهُ لا بأسَ بذلك، وأنَّهُ يلزمُهُ العِتقُ، إذا وقعَ في شرطِ البَيعْ؛ قال ابنُ القاسم، وابنُ عبدِ الحكم عنهُ: لو باعَهُ على أن يُدبِّرهُ، أو يُعتِقهُ إلى سِنينَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك من الغَررِ، ويُفسَخُ البيعُ.

    قال ابنُ الموّازِ: فإن فاتَ بالتَّدبيرِ، أو بالعِتقِ إلى أجلٍ، كان للباع ما وضَعَ من الثَّمنِ. قال: ولوِ اشْتَراهُ على أن يُعتِقهُ، فأبى من ذلك، كان للبائع نقضُ البيع.

    وقال الثَّوريُّ: إذا باع (٣) عَبدَهُ على أن يُعتِقهُ، ويكونَ الولاءُ لهُ، فإنَّما يكونُ الوَلاءُ لمن أعتَقهُ. وهذا أجاز البيعَ، وأبطل الشَّرط.

    وقال أبو حنيفةَ فيمَنْ اشْتَرى عبدًا على أن يُعتِقهُ: إنَّ البيعَ فاسِدٌ، فإنْ قَبَضهُ وأعتَقهُ فعليه الثَّمنُ، في قولِ أبي حنيفةَ (٤) .

    ج ١٠ ص ٣٥وقال أبو يوسُف، ومحمدٌ: عليه القيمةُ (١) .

    وقال ابنُ أبي ليلى: إذا ابتاعَ عبدًا، وشرَطَ أن يُعتِقَهُ، فالبيعُ جائزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ (٢) .

    وقال ابنُ شُبرُمةَ: البيعُ فاسِدٌ (٣) .

  36. وذكر الرَّبيعُ، عن الشّافِعيِّ (٤) : إن باعَ العبدَ على أن يُعتِقَهُ، أو على أن يَبِيعَهُ من فُلانٍ، أو على أن لا يَهَبهُ، أو يَهَبهُ (٥) ، أو على مَنعْ شيءٍ من التَّصرُّفِ، فالبيعُ في هذا كلِّهِ فاسِدٌ، ولا يجُوزُ الشَّرطُ في شَيءٍ من هذا، إلّا في مَوْضِع واحدٍ، وهُو العِتقُ، اتِّباعًا للسُّنَّةِ، فإذا اشْتَراهُ على أن يُعتِقهُ، فالبيعُ جائزٌ.

  37. وحَكَى أبو ثورٍ، عن الشّافِعيِّ: أنَّ البيعَ في هذه المسائلِ كلِّها جائزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ (٦) .

    وقال الحسنُ بن حيٍّ: كلُّ شَرْطٍ في بيع هَدَمَهُ البيعُ، إلّا العَتاقةَ، وكلُّ شَرْطٍ في نِكاح هَدَمَهُ النِّكاحُ، إلّا الطَّلاق. وهُو قولُ إبراهيمَ.

  38. وقال اللَّيثُ فيمَنْ اشْتَرى عبدًا، على أن يُعتِقهُ، فهُو حُرٌّ حينَ اشْتَراهُ، فإن أبَى من عِتقِهِ، جُبِرَ على عِتْقِهِ، وليس لواحدٍ منهُما أن ينصرِفَ عن ذلك.

    قال أبو عُمر: في حديثِ ابن عُمرَ المذكُورِ في قِصَّةِ بَرِيرةَ، جَوازُ بيع العَبْدِ على أن يُعتَقَ. والقولُ به أولَى ما ذُهِبَ إليه في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ (٧) .

  39. حديثٌ سادِسُ ستِّين لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- خطَبَ النّاسَ في بَعضِ مَغازيهِ. قال عبدُ الله بن عُمرَ: فأقبَلتُ نحوهُ، فانصرَفَ قبلَ أن أبْلُغَهُ، فسألتُ: ماذا قالَ؟ فقيلَ لي: نَهَى أن يُنبَذَ في الدُّبّاءِ والمُزفَّت (٢) .

    قال أبو عُمر: كان عبدُ الله بن عُمرَ يَرَى أنَّ النَّهي عن الانْتِباذِ في الظُّرُوفِ نحوَ الدُّبّاءِ والمُزفَّتِ، غيرَ منسُوخ.

    ج ١٠ ص ٣٦
  40. وكان مالكٌ يذهبُ إلى هذا، وتابَعهُ طائفةٌ من أهلِ العِلم.