مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ٧٩ من ٧٩
- ج ١٠ ص ١٧٨
وعن الشّافعيِّ قولانِ، أحدُهُما: أَنهُ يُقتَلُ الشَّيخُ، والرّاهِبُ. وهُو عندَهُ أولى القولينِ.
وقال الطَّبرِيُّ: يُقتَلُ الأعْمَى، وذُو الزَّمانةِ، والمُقعَدُ، والشَّيخُ الفانِي، والرّاعِي، والحرّاثُ، والسّائحُ، والرّاهِبُ، وكلُّ مُشْرِكٍ، حاشى ما اسْتَثناهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، على لسانِ رسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- من النِّساءِ، والوِلدانِ، وأصحابِ الصَّوامِع.
قال: والمغلُوبُ على عَقلِهِ في حُكم الطِّفلِ.
قال: وإنْ قاتَلَ الشَّيخُ، والمرأةُ، والصبِيُّ، قُتِلُوا.
- ج ١٠ ص ١٧٩
واحتجَّ بما رواهُ الحجّاجُ، عنِ الحَكَم، عن مِقْسم، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: رأى رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- امرأةً مقتُولةً، فقال: "من قتلَ هذه؟ " . فقال رجُلٌ: أنا يا رسُولَ الله، نازَعَتْني قائمَ سيفي (١) . فسكتَ (٢) .
-
وذكَرَ قولَ الضَّحّاكِ بن مُزاحِم، قال: نَهَى رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ، إلّا من سَعَى بالسَّيفِ (٣) .
-
وذهَبَ قومٌ من أصحابِ مالكٍ مذهَبَ الطَّبرِيِّ في هذا البابِ، وبه قال سُحنُونٌ.
قال أبو عُمر: أحادِيثُ هذا البابِ التي منها نَزَعَ العُلماءُ بما نَزَعُوا، من أقاوِيلِهِمُ التي ذكَرْناها عنهُم.
-
منها ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (٤) . وحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٥) . قالا: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن المُرقِّع بن صيفِيِّ بن رَباح (٦) ، قال: حدَّثني أبي، عن جدِّهِ
ج ١٠ ص ١٨٠رباحِ بن (١) الرَّبِيع، قال: كُنّا مع رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في غَزْوةٍ، فرأى النّاسَ مجُتمِعِينَ على شيءٍ، فبعَثَ رجُلًا، فقال: "انظُر علامَ اجتمَعَ هؤُلاءِ" . فجاءَ فقال: امرأةٌ قتيلٌ، فقال: "ما كانت هذه لتُقاتِلَ" . قال: وعلى المُقدِّمةِ خالدُ بن الولِيدِ، فبعَثَ رجُلًا فقال: "قُلْ لخالدٍ: لا تَقتُلُوا (٢) امرأة ولا عَسِيفًا (٣) " . ولفظُ الحديثِ وسِياقُهُ لأبي داود، وقال أحمدُ بن زُهَيرٍ في حديثهِ: "الحَقْ خالذا، فقُل لهُ: لا تقتلوا ذرِّيّةً، ولا عسِيفًا" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٤) : حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَهدِيّ، عن
ج ١٠ ص ١٨١سُفيانَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ المُرقِّع بن صيفيِّ، عن حَنْظلةَ الكاتِبِ، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في غَزاةٍ، فمَرْرنا بامرأةٍ مَقْتُولةٍ والنّاسُ مجُتمِعُونَ عليها، ففَرَجُوا لهُ، فقال: "ما كانت هذه تُقاتِلُ، الْحَق خالدًا فقُل لهُ: لا تَقتُل ذرِّيّةً، ولا عَسِيفاً" .
-
لم يُخرِّج أبو داودَ هذا الإسنادَ، وخرَّج الأوَّلَ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسماعيلَ بن أبي حبِيبةَ الأشهلي (١) ، عن داودَ بن الحُصينِ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا بعَثَ جُيُوشَهُ قال: "اخرُجُوا باسْم الله، تُقاتِلُونَ في سبِيلِ الله، لا تَغدِرُوا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا الوِلدانَ، ولا أصحابَ الصَّوامِع" (٢) .
- ج ١٠ ص ١٨٢
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سلمةَ (٢) . وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ (٣) ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن الزُّبيرِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: لم يُقتَل من نِسائهِم، يعني نِساءَ بني قُرَيظةَ، إلّا امرأةٌ واحِدةٌ، قالت عائشةُ: والله إنَّها لعِندِي تحدَّثُ مَعِي، وتضحكُ ظهرًا وبطنًا ورسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقتُلُ رِجالَهُم بالسُّوق (٤) إذ هتَفَ هاتِفٌ باسْمِها: أينَ فُلانةُ؟ قالت: أنا والله. قلتُ: ويلَكِ، ما لكِ، وما شانُكِ؟ قالت: أُقتلُ. قلتُ: ولِمَ؟ قالت: حدث أحدَثتُهُ. فانطُلِقَ بها، فضُرِبت عُنُقُها. فكانت عائشةُ تقولُ: ما أنَسَى عَجَبِي من طِيبِ نَفسِها، وكَثْرةِ ضَحِكِها، وقد عَرفَتْ أنَّها تُقتَلُ.
-
ولفظُ الحديثِ لحديثِ إبراهيم بن سعدٍ، والمعنى واحِدٌ سواءٌ.
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،
ج ١٠ ص ١٨٣قال (١) : حدَّثنا سعِيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عنِ الحَسنِ، عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اقتُلُوا شُيُوخَ المُشرِكِينَ، واسْتَحيُوا شَرْخَهُم" .
قال أبو عُمر: "شرخَهُم" ، يعني: غِلْمانَهُم وشُبّانَهُمُ الذين لم يبلُغُوا الحُلُم، ولم يُنبِتُوا.
-
وأجمعُوا أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قتَلَ دُريدَ بن الصَّمّةِ يوم حُنينٍ (٢) ؛ لأنَّهُ كان ذا رأيٍ ومَكِيدةٍ في الحرب.
-
فمن كان هكذا من الشُّيُوخ، قُتِلَ عندَ الجميع، ومن لم يكُن كذلك، فمُختلفٌ في قَتلِهِ من الشُّيُوخ.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في رَمْيِ الحِصنِ بالمنجنِيقِ إذا كان فيه أطفالُ المُشرِكِينَ، أو أُسارَى مسلِمِينَ (٣) .
فقال مالكٌ: لا يُرمَى الحِصنُ، ولا تُحرَقُ سَفِينةُ (٤) الكُفّارِ، إذا كان فيها (٥)
- ج ١٠ ص ١٨٤
أُسارَى المُسلِمِينَ، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) } [الفتح: ٢٥] . قال: وإنَّما صُرِفَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عنهُم، لما كان فيهم من المُسلِمِينَ، لو تزيَّلَ الكُفّارُ من المُسلِمِينَ، لعذَّبَ الكُفّار.
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، والثَّورِيُّ: لا بألسَ برميِ حُصونِ المُشرِكِينَ، وإن كان فيهم أُسارَى من المُسلِمِينَ وأطفالٌ من المُسلِمِينَ، أوِ المُشرِكِينَ، ولا بأسَ أن يُحرقَ الحِصنُ، ويُقصَدَ به المُشرِكُونَ، فإن أصابُوا واحِدًا من المُسلِمِينَ، فلا دِيةَ ولا كفّارةَ.
وقال الثَّورِيُّ: إن أصابُوهُ، ففيه الكفّارةُ، ولا دِيةَ (١) .
وقال الأوزاعِيُّ: إذا تترَّلسَ الكُفّارُ بأطفالِ المُسلِمِينَ، لم يُرمَوْا، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ} [الفتح: ٢٥] . قال: ولا يُحرَقُ المركبُ فيه أُسارَى من المُسلِمِين.
قال: ويُرمَى الحِصْنُ بالمَنْجنِيقِ، وإن كان فيه أُسارَى مُسلِمُونَ، فإن أصابَ أحدًا من المُسلِمِينَ، فهُو خطأٌ، فإن جاؤُوا مُتترِّسِينَ بهم رُمُوا، وقُصِدَ بالرَّميِ العدو. وهُو قولُ اللَّيثِ.
وقال الشّافعيُّ: لا بأسَ برَمْيِ الحِصْنِ وفيه أُسارَى وأطفالٌ، ومن أُصيبَ، فلا شيءَ فيه. وإن تترَّسُوا، ففيه قولانِ، أحدُهُما: يُرْمَونَ، والآخرُ: لا يُرْمَونَ. إلّا أن يكونَ يَقْصدُ المُشْركَ، وُيتوخَّى جُهدَهُ، فإن أصابَ في هذه الحالِ مُسلِمًا، وعلِمَ أنَّهُ مُسلِمٌ، فالدِيةَ (٢) مع الرَّقبةِ، وإن لم يعلمهُ مُسلِمًا، فالرَّقبةُ وحدَها.
ج ١٠ ص ١٨٥قال أبو عُمر: من سُنّةِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- الغارةُ على المُشرِكِينَ صباحًا وليلًا، وبه عمِلَ الخُلفاءُ الرّاشِدُونَ.
-
ورَوَى جُندُبُ بن مَكيثٍ الجُهَنِىُّ، قال: بعثَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- غالِبَ بن عبدِ الله اللَّيثيَّ، ثُمَّ أحدَ بني خالدِ بن عَوْفٍ في سرِيّةٍ كنتُ فيهم، وأمرَهُ أن يشنَّ (١) الغارةَ على بني المُلوَّح لالكديد. قال: فشَننّا عليهمُ الغارةَ ليلًا (٢) .
-
ومعلُومٌ أنَّ الغارةَ يَتلَفُ فيها من دَنا أجلُهُ، مُسلِمًا كان أو مُشرِكًا، وطِفلًا وامرأةً، ولم يَمْنع رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ} الآيةَ ونهيُهُ عن قتلِ النِّساءِ والوِلدانِ، من الغارةِ.
-
وهذا عِندِي محمُولٌ على أنَّ الغارةَ إنَّما كانت، واللهُ أعلمُ، في حِصْنٍ وبَلَدٍ لا مُسلِمَ فيه في الأغلَبِ.
-
وأمّا الأطفالُ من المُشرِكِينَ في الغار، فقد جاءَ فيهم حديثُ الصعبِ بن جَثّامةَ، وهُو حديث ثابت صحِيحٌ:
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن السَّرح، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ الصَّعبِ بن جثّامةَ، أَنَّهُ سألَ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-
ج ١٠ ص ١٨٦عنِ الدّارِ من المُشرِكِينَ، يُبيّتُونَ، فيُصابُ من ذَرارِيهِم ونِسائهِم، فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "هُم منهُم" . قال: وكان عَمرُو بن دِينارٍ يقولُ: هُم من آبائهِم. قال الزُّهرِيُّ: نَهى رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بعدَ ذلك عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ.
قال أبو عُمر: جعلَ الزُّهرِيُّ حديثَ الصَّعبِ بن جثّامةَ منسُوخًا، بنهيِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عن قَتلِ النِّساءِ والوِلدانِ. وغيرُهُ يجعلُهُ محُكمًا غير منسُوخ، ولكِنَّهُ محصُوصٌ بالغار، وتركِ القَصدِ إلى قَتْلِهِم، فيكونُ النَّهيُ حِينئذٍ يتَوجَّهُ إلى من قصدَ قتلهُم، وأمّا من قصدَ قتلَ آبائهِم، على ما أُمِرَ به من ذلك، فأصابَهُم وهو لا (١) يُرِيدُهُم، فليسَ مِمَّن تُوجَّهُ إليه الخطابُ (٢) بالنَّهيِ عن قتلِهِم، على مِثلِ تِلك الحالِ.
-
ومِن جِهةِ النَّظرِ، لا يجِبُ أن يتَوجَّه النَّهيُ إلّا إلى القاصِدِ؛ لأنَّ الفاعِلَ لا يستحِقُّ اسمَ الفعل حقِيقةً دُونَ مجازٍ، إلّا بالقَصدِ والنّيةِ والإرادةِ، ألا تَرى أنَّهُ لو وجَبَ عليه فِعلُ شيءٍ ففَعلهُ، وهُو لا يُرِيدُهُ، ولا يَنْوِيهِ، ولا يقصدُهُ، ولا يَذكُرُهُ، هل كان ذلك يُجزِئُ عنهُ من فِعلِهِ، أو يُسمَّى فاعِلًا لهُ؟
-
وهذا أصلٌ جسِيمٌ في الفِقهِ، فافهمهُ.
-
وأمّا قولُهُ -صلى الله عليه وسلم-: "من آبائهِم" . فمعناهُ: حُكمُهُم حُكمُ آبائهِم، لا دِيةَ فيهم ولا كفّارةَ، ولا إثمَ فيهم أيضًا، لمن لم (٣) يَقْصِد إلى قَتلِهِم.
-
وأمّا أحكامُ أطفالِ المُشرِكِينَ في الآخِرةِ، فليسَ من هذا البابِ في شيءٍ.
-
وقدِ اختلفَ العُلماءُ في حُكم أطفالِ المُشرِكِين في الآخِرةِ، وقد ذكَرْنا اختِلافَهُم، واختِلافَ الآثارِ في ذلك، في بابِ أبي الزِّنادِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.