نعيم بن عبد الله المجمر

٩٦ فقرة، ج ١٠ ص ٢١٦

الصفحة ٢ من ٣

  1. وأمّا حديثُ عائشةَ (٢) ، فانفردَ به زُهَيرُ بن محمدٍ، لم يروِهِ مرفُوعًا غيرُهُ. وهُو ضعِيفٌ لا يُحتجُّ بما ينفرِدُ به.

    ج ١٠ ص ٢٢٥
  2. وأمّا حديثُ أنسٍ، فإنَّما رُوِيَ عن أيُّوب السَّختِيانِيِّ عن أنَسٍ (٣) . ولم يسمع أيُوبُ من أنسٍ ولا رآهُ، قال أبو بكرٍ البزّارُ وغيرُهُ: لا يصِحُّ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في التَّسلِيمةِ الواحِدةِ شيءٌ. يعني: من جِهةِ الإسنادِ.

    قال أبو عُمر: لم يُخرِّج البُخارِيُّ في التَّسلِيم من الصَّلاةِ شيئًا، لا في الواحِدةِ، ولا في الاثنتينِ، ولا خرَّجَ أبو داود السِّجِستانِيُّ، ولا أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ في التَّسلِيمةِ الواحِدةِ شيئًا، وخرَّج أكثرُ المُصنِّفِين في السُّننِ حديث التَّسْلِيمتينِ.

  3. فمِن ذلك: حديثُ ابنِ مسعُودٍ، رواهُ أبو الأحوصِ وعَلْقمةُ والأسودُ، عنِ ابنِ مسعُودٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسلِّمُ عن يَمِينِهِ: "السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّه، وعن يسارِهِ: السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّه" حتّى يُرَى بياضُ خَدِّهِ (١) .

    ج ١٠ ص ٢٢٦
  4. وكذلك حديثُ سعدٍ المذكُورُ، الصَّحِيحُ فيه: التَّسلِيمتانِ، بالإسنادِ المذكُورِ.

  5. وأمّا حديثُ ابنِ عُمر في التَّسلِيمتينِ، فحديثٌ حَسنٌ، من حديثِ محمدِ بن يحيى بن حَبّانَ، عن عمِّهِ واسِع بن حَبّانَ، عنِ ابنِ عُمرَ (٢) .

  6. ورُوِي في التَّسلِيمتينِ: حديثُ جابرِ بن سَمُرةَ (١) ، وحديثُ عمّارٍ (٢) ، وحديثُ سَمُرةَ بن جُندُبٍ (٣) ، وحديثُ البراءِ بن عازِبٍ (٤) ، وليست بالقوِيّةِ.

    ج ١٠ ص ٢٢٧
  7. ورُوِي عن طائفةٍ من الصَّحابةِ، وجماعةٍ من التّابِعين: التَّسلِيمةُ الواحِدةُ، ورُوِي عن جماعةٍ من الصَّحابةِ أيضًا والتّابِعين: التَّسلِيمتانِ.

  8. والقولُ عِندِي في التَّسلِيمةِ الواحِدةِ، وفي التَّسلِيمَتينِ: أنَّ ذلك كلَّهُ صحِيحٌ بنَقلِ من لا يجُوزُ عليهمُ السَّهوُ، ولا الغلطُ في مِثلِ ذلك، مَعمُولٌ به عملًا مُستفِيضًا، بالحِجازِ التَّسلِيمةُ الواحِدةُ، وبالعِراقِ التَّسلِيمتانِ، وهذا مِمّا يَصِحُّ فيه الاحتِجاجُ بالعَملِ، لتواتُرِ النَّقلِ كافّةً عن كافّةٍ في ذلك، ومِثلُهُ لا يُنسَى ولا مدخَلَ فيه للوَهم، لأنَّهُ مِمّا يَتكرَّرُ به العملُ في كلِّ يوم مرّاتٍ، فصحَّ أنَّ ذلك من المُباحِ والسِّعةِ والتَّخيِيرِ، كالأذانِ وكالوُضُوءِ، ثلاثًا واثنتينِ وواحِدةً،

    ج ١٠ ص ٢٢٨وكالاسْتِجمارِ بحجَرينِ وبثلاثةِ أحجارٍ، من فعلَ شيئًا من ذلك فقد أحسنَ وأخذَ (١) بوَجهٍ مُبصاح من السُّننِ، فسبقَ إلى أهلِ المدِينةِ من ذلك التَّسلِيمةُ الواحِدةُ، فتَوارثُوها وغلبَتْ عليهم، وسبقَ إلى أهلِ العِراقِ وما وراءَها التَّسلِيمتانِ، فجَرُوا عليها، وكلٌّ جائزٌ حسنٌ، لا يجُوزُ أن يكونَ إلّا توقِيفًا، مِمَّن يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ في شرع الدِّينِ، وباللَّه التَّوفيقُ.

  9. وأمّا رِوايةُ من رَوَى عن مالكٍ: أنَّ التَّسلِيمتينِ لم تَكُن (٢) إلّا من زَمنِ بنِي هاشِم. فإنَّما أرادَ ظُهُور ذلك بالمدِينةِ، واللَّه أعلمُ.

  10. وأجمعَ العُلماءَ على أنَّ الصلاةَ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرضٌ واجِبٌ على كلِّ مُسلِم، لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: ٥٦] .

  11. ثُمَّ اختَلفُوا متى تجِبُ، ومتى وقتُها ومَوْضِعُها؟

  12. فمذهبُ مالكٍ، عندَ أصحابِهِ، وهُو قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ: أنَّ الصَّلاةَ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرضٌ في الجُملةِ بعَقدِ الإيمانِ.

  13. ولا يتعيَّنُ ذلك في الصَّلاةِ.

  14. ومن مَذهبِهِم: أنَّ من صلَّى على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في التَّشهُّدِ مرّةً واحِدةً في عُمُرِهِ، فقد سقطَ فرضُ ذلك عنهُ.

  15. ورُوِي عن مالكٍ وأبي حنِيفةَ والثَّورِيِّ والأوزاعِيِّ، أنَّهُم قالوا: الصَّلاةُ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في التَّشهُّدِ جائزٌ. ويستحِبُّونها، وتارِكُها مُسِيءٌ عندَهُم، ولا يُوجِبُونها فيه (٣) .

    ج ١٠ ص ٢٢٩وقال الشّافعيُّ (١) : إذا لم يُصلِّ المُصلِّي على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في التَّشهُّدِ الآخِرِ بعد التَّشهُّدِ، وقبلَ التَّسلِيمِ، أعادَ الصَّلاةِ.

    قال: وإن صلَّى عليه قبلَ ذلك، لم يُجزِهِ.

  16. وهذا قولٌ حكاهُ عنهُ حرملةُ بن يحيى، لا يكادُ يُوجَدُ هكذا عنهُ إلّا من رِوايةِ حَرْملةَ، وهُو من كِبارِ أصحابِهِ، الذين كتبُوا عنهُ كُتُبهُ.

  17. وقد تَقلَّدهُ أصحابُ الشّافعيِّ ومالُوا إليهِ، وناظرُوا عليه، وهُو عندَهُم تحصِيلُ مَذْهبِهِ.

  18. ومِن حُجّةِ من قال: إنَّ الصَّلاةَ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليَسْت بواجِبةٍ في الصَّلاةِ، حديثُ الحسنِ بن الحُرِّ، عنِ القاسم بن مُخيمِرةَ، قال: أخذَ عَلْقمةُ بيدِي، فقال: إنَّ عبد اللَّه بن مسعُودٍ أخذَ بيدِهِ، وقال: إنَّ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذَ بيدِي كما أخذتُ بيدِكَ، فعلَّمنِي التَّشهُّد، فقال: "قُل: التَّحِيّاتُ للَّه والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللَّه وبركاتُهُ، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللَّه الصّالحِين، أشهدُ أن لا إله إلّا اللَّه وحدَهُ لا شرِيكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسُولُهُ" . قال: "فإذا أنت قُلتَ ذلك، فقد قَضيتَ الصَّلاةَ، وإن شِئتَ أن تقُومَ فقُم، وإن شِئتَ أن تقعُدَ فاقعُدْ" (٢) .

    ج ١٠ ص ٢٣٠قالوا: ففي هذا الحديثِ ما يَشْهدُ لن لم يرَ الصَّلاةَ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في التَّشهُّدِ واجِبةً، ولا سُنّةً مسنُونةً؛ لأنَّ ذلك لو كان واجِبًا، أو سُنّةً، لبيَّن ذلك وذكَرهُ.

  19. ومن حُجَّتِهِم أيضًا: حديثُ الأعمشِ، عن أبي وائلٍ شَقِيقِ بن سلمةَ، عنِ ابنِ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في التَّشهُّدِ (١) . وفي آخِرِهِ: "ثُمَّ ليتخيَّر أطيبَ الكلام" . أو: "ما أحبَّ من الكلام" .

  20. ومِن حُجَّتِهِم أيضًا: حديثُ فَضَالةَ بن عُبيدٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سمِعَ رجُلًا يدعُو في صَلاتِهِ، لم يحمدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، ولم يُصلِّ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عجِلَ هذا" . ثُمَّ دَعاهُ فقال لهُ، أو لغيرِهِ: "إذا صلَّى أحدُكُم فليَبْدأ بحمدِ اللَّه، والثَّناءِ عليه، ثُمَّ يُصلِّي على النَّبيِّ، ثُمَّ يدعُو بما شاءَ" (٢) .

  21. ففي حديثِ فضالةَ هذا، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمُرِ المُصلِّي، إذ لم يُصلِّ على النَّبيِّ عليه السَّلامُ في صلاتِهِ، بالإعادةِ.

  22. فدلَّ على أنَّ ذلك ليسَ بفَرْضٍ، ولو تركَ فرضًا، لأمرهُ بالإعادةِ، كما أمرَ الذي لم يُقِم رُكُوعهُ ولا سُجُودهُ بالإعادةِ، وقال لهُ: "ارجِعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ" (٣) .

  23. رَوَى ذلك رِفاعةُ بن رافِع، وأبو هريرةَ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد ذكَرْنا حَدِيثهُما فيما سلَفَ من كِتابِنا، والحمدُ للَّه.

  24. ومِن حُجّةِ الشّافعيِّ ومن قال بقولِهِ في هذه المسألةِ: أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ أمرَ بالصَّلاةِ على نبِيِّهِ، وأن يُسلَّمَ عليه تَسلِيمًا، ثُمَّ جاءَ أمرُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالتَّشهُّدِ، وأنَّهُ كان يُعلِّمُ أصحابهُ ذلك، كما يُعلِّمُهُمُ السُّورةَ من القُرآنِ، وقال لهم: إنَّهُ يقالُ في الصَّلاةِ، لا في غَيْرِها، وقالوا: قد عَلِمنا السَّلامَ عليكَ، فكيفَ الصَّلاةُ؟ فقال لهم: "قولُوا اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ،" . وعلَّمهُم ذلك وقال لهم: "السَّلامُ كما قد علِمتُم" . فدلَّ ذلك على أنَّ الصَّلاةَ عليه في الصَّلاةِ، قَرِينُ التَّشهُّدِ.

    قالوا: ووجَدْنا الأُمّةَ بأجمعِها تفعلُ الأمرَينِ جميعًا في صلاتِها، فعلِمنا أنَّهُما في الأمرِ بهما سَواءٌ، فلا يجُوزُ أن يُفرَّقَ بينهُما، ولا تتِمُّ الصَّلاةُ إلّا بهما، لأنَّهُما وِراثةٌ عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابِهِ وسائرِ المُسلِمِينَ، قولًا وعملًا.

    قالوا: وأمّا احتِجاجُ منِ احتجَّ بحديثِ ابنِ مسعُودٍ في التَّشهُّدِ، وقولِهِ في آخِرِهِ: "فإذا قُلتَ ذلك فقد تمَّت صلاتُك" فلا وجهَ لهُ (١) ؛ لأنَّهُ حديثٌ خرجَ على معنًى في التَّشهُّدِ، وذلك أنَّهُم كانوا (٢) يقولُونَ في الصَّلاةِ: السَّلامُ على اللَّه. فقيل لهم: إنَّ اللَّهَ هُو السَّلامُ، ولكِن قولُوا كذا، فعُلِّمُوا التَّشهُّد. ومعنى قولِهِ: "فإذا قُلتَ ذلك، فقد تمَّت صلاتُكَ" . يعني: إذا ضُمَّ إليها ما يجِبُ فيها، من رُكُوع، وسُجُودٍ، وقِراءةٍ، وتسلِيم، وسائرُ أحكامِهِما، ألا تَرى أنَّهُ لم يذكُر لهُ التَّسلِيم من الصَّلاةِ، وهُو من فرائضِها، لأنَّهُ قد كان وَقَّفهُم على ذلك، فاستغنَى عن إعادةِ ذلك عليهم، وإنَّما حديثُ ابنِ مسعُودٍ هذا، مِثلُ قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُمِرتُ أن آخُذَ الصَّدَقةَ من أغنِيائكُم، وأرُدَّها على فُقرائكُم" (٣) . أي: ومن سُمِّي معهُم، ومِثلُ قولِهِ للَّذِي قال لهُ: "ارجِعْ فصلِّ فإنَّكَ لم تُصلِّ" . ثُمَّ أمرَهُ بما رآهُ لم يأتِ به، ولم يُقِمهُ من

    ج ١٠ ص ٢٣٢صلاتِهِ، وسكتَ لهُ عنِ التَّشهُّدِ والتَّسلِيم، وقد قامَ الدَّليلُ من غيرِ هذا الحديثِ بوُجُوبِ التَّشهُّدِ، ووُجُوبِ التَّسلِيم، بما علَّمهُم من ذلك، وأعلَمهُم أنَّ ذلك في صَلاتِهِم، وكذلك الصَّلاةُ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مأخُوذٌ من غيرِ ذلك الحديثِ.

    ج ١٠ ص ٢٣١
  25. واحتجُّوا من الأثرِ بحديثِ أبي مسعُودٍ، من رِوايةِ مالكٍ، وفيه: أنَّهُ علَّمهُمُ الصَّلاةَ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال فيه (١) : "والسَّلامُ كما قد علِمتُم" . يعني: التَّشهُّدَ، وبأنَّ أبا مَسعُودٍ رَوَى الحديثَ، وفَهِمَ مخرجهُ، وكان يَراهُ واجِبًا، ويقولُ: إنَّهُ لا صلاةَ لمن لم يُصلِّ فيها على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  26. حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه النَّيسابُورِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال: حدَّثنا زِيادُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عبدِ المجيدِ (٢) ، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسّانٍ، عن محمدِ بن سِيرِين، عن عبدِ الرَّحمنِ بن بِشْر بن (٣) مَسْعُودٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: لمّا نزلت هذه الآيةُ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: ٥٦] قالوا: يا رسُولَ اللَّه، قد عَلِمنا السَّلامَ، فكيفَ الصَّلاةُ؟ فقال: "قولُوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ كما صلَّيت على إبراهيمَ، وبارِك على محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيمَ" (٤) .

  27. وروَى عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ وغيرُهُ، عن شَرِيكٍ، عن جابرٍ (١) الجُعفِيِّ، عن أبي جَعفرٍ محمدِ بن عليٍّ، عن أبي مسعُودٍ، قال: ما أرَى أنَّ صلاةً لي تمَّت، حتّى أُصلِّي فيها على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ (٢) .

    ج ١٠ ص ٢٣٣
  28. ورَوَى ابنُ أبي فُدَيكٍ وأبو ثابتٍ محمدُ بن عُبَيدِ اللَّه المدنِيُّ، عن عبدِ المُهَيمِنِ بن عبّاسِ بن سَهلِ بن سَعْدٍ السّاعِدِيِّ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا صَلاةَ لمن لم يُصلِّ فيها على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- " (٣) .

    قالوا: وهذا الحديثُ وإن كان في إسنادِهِ ضعفٌ، فإنَّ فيه اسْتِظهارًا مع ما قدَّمنا من الدَّلائلِ.

    قال أبو عُمر: ليسَ ما احتجُّوا به عِندِي بلازِم، لما فيه من الاعتِراضِ.

  29. ولستُ أُوجِبُ الصَّلاةَ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصَّلاةِ، فرضًا من فُرُوضِ الصَّلاةِ.

  30. ولكِنِّي لا أُحِبُّ لأحَدٍ تركَها في كلِّ صلاةٍ، فإنَّ ذلك من تمام الصَّلاةِ، وأحْرَى أن يُجابَ للمُصلِّي دُعاؤُهُ إن شاءَ اللَّه.

  31. وحديثُ سهلِ بن سعدٍ في ذلك حدَّثناهُ خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن راشِدٍ أبو الميمُونِ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثنا

    ج ١٠ ص ٢٣٤عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن أبي فُدَيكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ المُهيمِنِ بن عبّاسِ بن سهلِ بن سعدٍ السّاعِدِيُّ، عن أبيه، عن جدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا صلاةَ لمن لم يُصلِّ فيها على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- " (١) .

  32. وهذا قد يحتمِلُ من التَّأوِيلِ، ما احتَملهُ قولُهُ: "لا إيمانَ لمن لا أمانةَ لهُ" (٢) . و "لا صلاةَ لجارِ المسجِدِ إلّا في المسجِدِ" (٣) . ونحو هذا، مِمّا أُرِيد به الفضلُ والكمالُ، واللَّه أعلمُ.

  33. وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو ثابتٍ محمدُ بن عُبيدِ اللَّه، عن عبدِ المُهيمِنِ.

    قال أبو عُمر: آلُ إبراهيم يدخُلُ فيه إبراهيمُ، وآلُ محمدٍ يدخُلُ فيه محمدٌ، ومن هُنا، واللَّهُ أعلمُ، جاءَتِ الآثارُ في هذا البابِ مرّةً بإبراهيمَ، ومرّةً بآلِ إبراهيمَ، وربَّما (٤) جاءَ ذلك في حديثٍ واحِدٍ، ومَعلُومٌ أنَّ قولَ اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: ٤٦] معناه: أدْخِلُوا فِرْعونَ وآلَه أشدَّ العَذاب (٥) . والآلُ هاهُنا: الأتباعُ، والآلُ قد يكونُ الأهلَ، ويكونُ الأتباعَ، ويكونُ الأزواجَ والذُّرِّيّةَ، على ما جاءَ في بعضِ الآثارِ.

  34. حديثٌ ثالِثٌ لنُعَيم

    مالكٌ (١) ، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، عن عليِّ بن يحيى الزُّرَقِيِّ، عن أبيه، عن رِفاعةَ بن رافِع، أنَّهُ قال: كُنّا نُصلِّي يومًا وراءَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلمّا رفعَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأسهُ من الرَّكْعةِ وقال: "سمِعَ اللَّه لمن حَمِدهُ" ، قال رَجُلٌ وراءَهُ: ربَّنا ولكَ الحَمْدُ، حمدًا كثِيرًا طيِّبًا مُبارَكًا فيه. فلمّا انصرَفَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "منِ المُتكلِّمُ آنِفًا؟ " قال الرَّجُلُ: أنا يا رسُولَ اللَّه، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد رأيتُ بضعةً وثلاثِينَ مَلكًا يَبْتدِرُونها أيُّهُم يكتبها (٢) أوَّل" .

    ج ١٠ ص ٢٣٥
  35. في هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ الإمامَ يقولُ: سمِعَ اللَّه لمن حمِدهُ، لا يزِيدُ على ذلك، والمأمُومُ يقولُ (٣) : ربَّنا ولكَ الحمدُ. لا يقولُ: سمِعَ اللَّه لمن حمِدهُ. وهذا كلُّهُ قولُ مالكٍ.

  36. وقد مَضَى الاختِلافُ في هذه المسألةِ، ووُجُوهُ (٤) الأقوالِ فيها من جِهةِ الآثارِ، لأنَّها مَسْألةٌ مأخُوذةٌ من الأثَرِ، فيما تقدَّمَ من كِتابِنا هذا.

  37. وفيه دليلٌ على أنَّهُ لا بأسَ برفع الصَّوتِ وراءَ الإمام بـ "ربَّنا ولكَ الحمدُ" لمن أرادَ الإسماعَ والإعلامَ للجماعةِ الكثِيرةِ بقولِهِ ذلك، لأنَّ الذِّكرَ كلَّهُ، من التَّحمِيدِ والتَّهليلِ والتَّكبِيرِ، جائزٌ في الصَّلاةِ، وليسَ بكلام تَفسُدُ به الصَّلاةُ، بل هُو محمُودٌ ممدُوحٌ فاعِلُهُ، بدليلِ حديثِ هذا البابِ.

  38. وبما حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن حَمْدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (١) : حدَّثنا (٢) هشامُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللَّه بن إيادِ بن لَقِيطٍ، قال: حدَّثنا إيادٌ، عن عبدِ اللَّه بن سَعِيدٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي أوْفَى، قال: جاءَ رجُلٌ ونحنُ في الصَّفِّ خلفَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: اللَّهُ أكبرُ كبِيرًا، وسُبحانَ اللَّه بُكْرةً وأصِيلًا. قال: فرفَعَ المُسلِمُونَ رُؤُوسهُم، واسْتَنكرُوا (٣) الرَّجُلِ، وقالوا: من هذا الذي يَرْفعُ صوتَهُ فوقَ صَوْتِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فلمّا انصرَفَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ هذا العالِي الصَّوتِ؟ " . فقيل: هُو هذا يا رسُولَ اللَّه، فقال: "واللَّه لقد رأيتُ كلامًا (٤) يصعدُ إلى السَّماءِ، حتّى فُتِح لهُ فدخَلَ" .

    قال أبو عُمر: في مَدْحِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لفِعْلِ هذا الرَّجُلِ، وتَعْرِيفِهِ النّاسَ بفَضْلِ كلامِهِ، وفَضْلِ ما صنَعَ من رَفْع صوتِهِ بذلك الذِّكرِ، أوضَحُ الدَّلائلِ على جَوازِ ذلك الفِعلِ من كلِّ من فعلَهُ، على أيِّ وَجْهٍ جاءَ به، لأنَّهُ ذِكرٌ للَّه، وتَعْظِيمٌ لهُ، يَصْلُحُ مِثلُهُ في الصَّلاةِ، سِرًّا وجهرًا، ألا تَرى أنَّهُ لو تكلَّمَ في صلاتِهِ بكلام يُفهَمُ عنهُ غيرُ القُرآنِ والذِّكرِ سِرًّا، لما جازَ كما لا يجُوزُ جهرًا؟ وهذا واضِحٌ، وباللَّه التَّوفيقُ.

    ج ١٠ ص ٢٣٦
  39. وفي حديثِ هذا البابِ لمالكٍ أيضًا دليلٌ على أنَّ الذِّكرَ كلَّهُ، والتَّحمِيدَ والتَّمجِيدَ ليسَ بكلام تفسُدُ به الصَّلاةُ، وأنَّهُ كلَّهُ محمُودٌ في الصَّلاةِ، المكتُوبةِ والنّافِلةِ، مُستَحبٌّ مرغُوبٌ فيه، وفي حديثِ مُعاوِيةَ بن الحَكَم، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "إنَّ صَلاتَنا هذه لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام النّاسِ، إنَّما هُو التَّكبِيرُ، والتَّسبِيحُ، والتَّهليلُ، وتِلاوةُ القُرآنِ" (١) . فأطلقَ أنواعَ الذِّكرِ في الصَّلاةِ، فدلَّ على أنَّ الحُكم في الذِّكرِ، غيرُ الحُكم في الكلام، وباللَّه التَّوفيقُ.

    ج ١٠ ص ٢٣٧
  40. حديثٌ رابعٌ لنُعَيم موقُوفٌ

    مالكٌ (١) ، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: من تَوضَّأ فأحسَنَ الوُضوءَ، ثُمَّ خرَجَ عامِدًا إلى الصَّلاةِ، فإنَّهُ في صَلاةٍ، ما كانَ (٢) يَعمِدُ إلى الصَّلاةِ، وإنَّهُ ليُكْتَبُ لهُ بإحْدَى خُطوَتَيهِ حَسَنةٌ، وتُمْحَى عنهُ بالأُخْرَى سيِّئةٌ، فإذا سَمِعَ أحدُكُمُ الإقامةَ فلا يَسْعَ، فإنَّ أعْظَمكُم أجرًا، أبعدُكُم دارًا. قالوا: لمَ يا أبا هريرةَ؟ قال: منْ أجْلِ كَثْرةِ الخُطا.

    ج ١٠ ص ٢٣٨