عبد الله بن أبي بكر بن حزم
٨٢٥ فقرة، ج ١١ ص ٥
الصفحة ١١ من ٢١
- ج ١١ ص ١٢٤
وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣) : حدَّثنا أبو مُعاويةَ ووكيعٌ، عنِ الأعْمشِ، عن عبدِ اللَّه بن مُرّةَ، عن مَسرُوقٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليسَ منّا من لطَمَ الخُدُودَ، وشقَّ الجُيُوبَ، ودَعا بدَعْوَى الجاهِليّةِ" .
- ج ١١ ص ١٢٥
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سُفيان، عن زُبَيدٍ (١) الإياميِّ، عن إبراهيم النَّخَعيِّ، عن مَسرُوقٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليسَ منّا من لطَمَ الخُدُودَ، وشقَّ الجُيُوبَ، ودَعا بدَعْوَى الجاهِليّةِ" (٢) .
-
حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بن نصَرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عُبيدِ اللَّه بن أبي يزيد، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: خِلالٌ من خِلالِ الجاهِليّةِ: الطَّعنُ في الأنْسابِ، والنِّياحةُ. ونسي الثالثةَ، قال سُفيانُ: يقولُونَ: إنَّها الاسْتِسقاءُ بالأنواءِ (٣) .
-
فذكرُوا هذه الأحاديثَ، ومِثلَها، وقالوا: قد نَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنِ النِّياحةِ وحرَّمها، ولعَنَ النّائحةَ، والمُسْتمِعةَ. قالوا: وقد قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: ٦] . وقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه: ١٣٢] . فواجِبٌ على كلِّ مُسلِم أن يُعَلِّمَ أهلهُ ما بهمُ الحاجةُ إليه من أمْرِ دينِهِم، ويأمُرَهُم به، وواجِبٌ عليه أن يَنْهاهُم عن كلِّ ما لا يحِلُّ لهم،
ج ١١ ص ١٢٦ويُوقِفَهُم عليه، وَيَمْنعَهُم منهُ، ويُعَلِّمَهُم ذلك كلَّهُ، لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} .
قالوا: فإذا علِمَ الرَّجُلُ المُسلِمُ ما جاءَ عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في النِّياحةِ على الميِّتِ، والنَّهي عنها، والتَّشديدِ فيها، ولم يَنْهَ عن ذلك أهلهُ، ونِيحَ عليه بعدَ ذلك، فإنَّما يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه؛ لأنَّهُ لم يَفْعل ما أُمِر به من نَهْي أهلِهِ عن ذلك، وأمرِهِ إيّاهُم بالكَفِّ عنهُ، وإذا كان ذلك كذلك، فإنَّما يُعذَّبُ بفِعلِ نَفسِهِ وذَنبِهِ، لا بذَنْب غيرِهِ، وليسَ في ذلك ما يُعارِضُ قولَ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: ١٨] . وكان ما رَواهُ عُمرُ، وابنُ عُمرَ، والمُغيرةُ، وغيرُهُم، صحيحَ المعنى، غيرَ مدفُوع، وباللَّه التَّوفيقُ.
وقال المُزنيُّ (١) : بَلَغني أنَّهُم كانوا يُوصُونَ بالبُكاءِ عليهم، أو بالنِّياحةِ، أو بهما، وهي مَعْصيةٌ، ومن أمَرَ بها، فعُمِلَتْ بعدهُ، كانت لهُ ذنبًا، فيجُوزُ أن يُزادَ بذنبِهِ عذابًا، كما قال الشّافِعيُّ، لا بذنبِ غيرِهِ.
قال أبو عُمر: وأمّا البُكاءُ بغيرِ نِياح، فلا بأسَ به عندَ جماعةِ العُلماءِ، وكلُّهُم يكرهُونَ النِّياحةَ، ورفعَ الصَّوتِ بالبُكاءِ والصُّراخ.
-
والفَرْقُ في ذلك عندَهُم بيِّن، بيَّنَ ذلك ما مَضَى في هذا البابِ من الآثارِ في النِّياحةِ، ولَطْم الخُدُودِ، وشقِّ الجُيُوبِ، مع قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ بَكَى على ابنِهِ إبراهيمَ: "تَدْمعُ العينُ، وَيَحْزنُ القَلْبُ، ولا نَقولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ" . رواهُ ثابتٌ، عن أنَسٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .
- ج ١١ ص ١٢٧
ورَوَى عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّهُ قال لهُ حينئذٍ: أتَبْكي يا رسُولَ اللَّه، وأنتَ تَنْهى عنِ البُكاءِ؟ فقال: "لم أنهَ عن البُكاء (١) ، إنَّما نَهَيتُ عن صَوْتينِ أحْمَقينِ فاجِرينِ: صَوْتِ لهوٍ ولعِبٍ ومَزاميرِ شيطانٍ عندَ نِعمةٍ، وصَوْتٍ عندَ مُصيبةٍ؛ لطم وُجُوهٍ، وشِقِّ جُيُوبٍ، ورنّةِ شَيْطانٍ، وهذه رحمةٌ، ومن لا يَرْحَمْ لا يُرحَمْ. يا إبراهيمُ، لولا أنَّهُ وَعدٌ صِدْقٌ، وقولٌ حقٌّ، وأنَّ أُخْرانا يَلْحقُ أُولانا، لحزِنّا عليك حُزنًا أشدَّ من هذا، وإنّا بكَ يا إبراهيمُ لمحزُونُون، تَدْمعُ العينُ، ويحزنُ القلبُ، ولا نَقولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ" . رواهُ ابنُ أبي ليلى، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .
-
ورَوَى أبو عُثمانَ النَّهديُّ، عن أُسامةَ بن زَيْدٍ، نحوَ هذا المعنَى، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غيرِ ابْنِهِ إبراهيمَ، أظُنُّهُ ابنَ بعضِ بناتِهِ، أُتِيَ به ونَفسُهُ تَقَعْقَعُ (٣) فجَعلهُ في حَجرِهِ، ودَمَعَتْ عيناهُ وفاضَتْ، فقال لهُ سعدٌ: ما هذا؟ فقال: "إنَّها رَحْمةٌ يَضَعُها اللَّهُ في قَلْبِ من يشاءُ، وإنَّما يَرْحمُ اللَّهُ من عِبادِهِ الرُّحماءَ" (٤) .
-
ورَوَى أبو هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان في جِنازةٍ، فبَكَتِ امرأةٌ، فصاح بها عُمرُ، فقال لهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دَعها يا عُمرُ، فإنَّ العينَ دامِعةٌ، والنَّفسَ مُصابةٌ، والعهدَ
ج ١١ ص ١٢٨قريبٌ ". رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن وَهْبِ بن كَيْسانَ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، عن سَلَمةَ بن الأزرَقِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
-
وفي حديثِ جابرِ بن عَتيكٍ، ما يدُلُّ على أنَّ الرُّخْصةَ في البُكاءِ، إنَّما هي قبلَ أن تَفيضَ النَّفسُ، فإذا فاضَتْ: ماتَتْ (٢) ، لقولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه: "دَعُوهُنَّ ما دامَ عندَهُنَّ، فإذا وجَبَ، فلا تبكينَّ باكيةٌ" (٣) .
-
وسنذكُرُ هذا الحديث في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه.
-
وهذه الأحاديثُ كلُّها، تدُلُّ على أنَّ البُكاءَ غيرُ النِّياحةِ، وأنَّ النَّهي إنَّما جاءَ في النِّياحةِ، لا في بُكاءِ العينِ، وباللَّه العِصْمةُ والتَّوفيقُ، لا شريكَ لهُ.
- ج ١١ ص ١٢٩
حديثٌ رابعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عبد اللَّه بن قَيْسِ بن مَخْرمةَ، أخبَرهُ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قال: لأرمُقنَّ اللَّيلةَ صَلاةَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: فتَوَسَّدتُ عَتَبتَهُ، أو فُسْطاطَهُ، فقامَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلَّى رَكْعتينِ طَويلَتَيْنِ طَويلَتَيْنِ (٢) ، ثُمَّ صلَّى ركعتينِ، وهُما دُون اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ أوترَ، فتلك ثَلاثَ عشْرةَ رَكْعةً.
-
هكذا قال يحيى في هذا (٣) الحديثِ: فقامَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلَّى رَكْعتينِ طَويلتَينِ طَويلتَينِ، ولم يُتابِعْهُ على هذا أحدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، فيما عَلِمتُ، والذي في "المُوطَّأ" عن مالكٍ عندَ جميعِهِم: فقامَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتَينِ طويلَتَينِ. فأسقَطَ يحيى ذِكْرَ الرَّكعتينِ الخَفِيفتينِ.
-
وذلك خطأٌ واضِحٌ؛ لأنَّ المحفُوظ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من حديثِ زيدِ بن خالدٍ، وغيرِهِ: أنَّهُ كان يفتتِحُ صلاةَ اللَّيلِ برَكعتينِ خَفِيفتينِ.
وقال يحيى أيضًا: طَويلَتينِ، طَويلَتينِ. مرَّتينِ، وغيرُهُ يقولهُ ثلاثَ مرّاتٍ: طَويلَتَينِ، طَويلَتَينِ، طَويلَتَينِ.
- ج ١١ ص ١٣٠
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١) . وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ ابن المكِّيِّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قالا: حدَّثنا القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عبدَ اللَّه بن قَيْسِ بن مَخْرمةَ أخبَرهُ، عن زَيْدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قال: لأرمُقنَّ اللَّيلةَ صَلاةَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال: فتوسَّدتُ عَتَبتهُ، أو فُسْطاطهُ، فصلَّى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعتينِ خَفِيفتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتينِ طَويلَتَينِ طَويلَتَينِ. وذكر الحديثَ.
-
وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بن عبدِ الرَّحمنِ. وقرأتُ أيضًا على أحمد بن محَمدِ بن أحمدَ، أنَّ محمد بن عيسى حدَّثهُم، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ، قالا (٢) : حدَّثنا ابنُ بُكيرٍ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عبد اللَّه بن قيسِ بن مخرمةَ أخبَرهُ، عن زَيْدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، أنَّهُ قال: لأرمُقنَّ صَلاةَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- اللَّيلةَ، قال: فتَوسَّدتُ عَتَبتهُ، أو فُسْطاطهُ، فقامَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتينِ طويلَتينِ طَويلَتينِ. وذكر الحديث.
-
وقرأتُ على عبدِ الرَّحمنِ بن يحيى، أنَّ الحسَنَ بن الخَضِرِ حدَّثهُم. وقرأتُ على محمدِ بن إبراهيمَ، أنَّ محمد بن مُعاويةَ حدَّثهُم. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣) :
ج ١١ ص ١٣١أخبرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، عن مالكِ بن أَنَسٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عبد اللَّه بن قيسِ بن مخرمةَ أخبَرهُ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قال: لأرمُقنَّ صَلاةَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فصلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ خَفِيفتين، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتينِ طَويلَتينِ طَويلَتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلهُما. وذكر الحديثَ.
-
ولم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في حديثِ زيدِ بن خالدٍ هذا، بهذا الإسنادِ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- افتَتحَ صَلاتهُ تلك اللَّيلةَ بركَعْتينِ خَفِيفتينِ صلّاهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ دُونهُما، على ما في الحديثِ إلى آخِرِهِ.
-
وأسقطَ يحيى ذِكر الرَّكعتينِ الخَفِيفتينِ، وذلك مِمّا عُدَّ على يحيى من سَقْطِهِ وغَلطِهِ، والغلطُ لا يَسْلمُ منهُ أحدٌ.
قال أبو عُمر: قد رُوي عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّهُ كان يفتتِحُ صَلاةَ اللَّيلِ برَكْعتينِ خَفِيفتينِ من وُجُوهٍ.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا أبو حُرّةَ (٢) ، عنِ الحَسنِ، عن سَعْدِ بن هشام، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قامَ من اللَّيلِ يُصلِّي، افْتَتحَ صَلاتهُ بركعَتَينِ خَفِيفتَينِ.
- ج ١١ ص ١٣٢
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا الرَّبيعُ بن نافع، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حيّان، عن هشام بن حسّان، عنِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قامَ أحدُكُم من اللَّيلِ، فليُصلِّ رَكْعتينِ خَفِيفتينِ" .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوب، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قامَ أحدُكُم من اللَّيلِ، فليُصلِّ ركعتينِ خَفِيفتينِ يفتتِحُ بهما صلاتهُ" (٢) .
-
وقد تقدَّمَ حُكمُ صلاةِ اللَّيلِ، وما في ذلك منِ اختِلافِ الآثارِ، ومذاهِبِ فُقهاءِ الأمصارِ، في بابِ مخرمةَ بن سُليمانَ، وبابِ نافع، من كِتابِنا هذا، وسيأتي من ذلك أيضًا ذِكرٌ في بابِ سعيدِ بن أبي سعيدٍ، من هذا الكِتابِ إن شاءَ اللَّه.
- ج ١١ ص ١٣٣
حديثٌ خامِسَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه (٢) ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان، عن أبي عَمْرةَ الأنصاريِّ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ألا أُخبِرُكُم بخيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتي بشَهادتِهِ قبلَ أن يُسألها، أو يُخبِرُ بشَهادتِهِ قبلَ أن يُسألَها" .
-
هكذا قال يحيى عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ: عن أبي عَمْرةَ الأنصاريِّ. وكذلك قال فيه عن مالكٍ: ابنُ القاسم (٣) ، وأبو مُصعبٍ الزُّهريُّ (٤) ، ومُصعبٌ الزُّبيريُّ (٥) .
-
وقال القَعْنبيُّ (٦) ، ومَعْنُ بن عيسى (٧) ، وسعيدُ بن عُفيرٍ (٨) ، ويحيى بن عبدِ اللَّه بن بُكيرٍ (٩) ، عن مالكٍ بإسنادِهِ: ابنُ أبي عَمْرةَ. وكذلك قال ابنُ وَهْبٍ (١٠) ، وعبدُ الرَّزّاقِ، إلّا أنَّهُما سمَّياهُ، فقالا: عبدُ الرَّحمنِ بن أبي عَمْرةَ.
- ج ١١ ص ١٣٤
أخبَرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا (١) أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدٍ الكَشْوريُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بن يُوسُف الحُذاقيُّ (٢) ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣) : أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ (٤) بن أبي عَمْرةَ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يُؤَدِّي شَهادَتهُ قبلَ أن يُسألها، أو يُسألَ عنها" .
-
هكذا في كِتابي في هذا الإسنادِ: عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمانَ. ليسَ فيه: عن أبيه. والصَّوابُ: عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه.
-
وقد جَوَّدَ ابنُ وَهْبٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، ولفظِهِ، وجاءَ عن مالكٍ بتفسيرِهِ.
-
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا ابنُ السَّرح وأحمدُ بن سَعيدٍ الهَمْدانيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مالكُ بن أَسٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، أنَّ عبد اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان أخبَرهُ، أنَّ عبد الرحمنِ بن أبي عَمرةَ الأنصاريَّ أخبرهُ، أنَّ زيد بن خالدٍ الجُهنيَّ أخبَرهُ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتي بشهادتِهِ، أوُ يُخبِرُ بشَهادتِهِ قبلَ أن يُسألَها" . شكَّ
ج ١١ ص ١٣٥عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ أيَّتَهما (١) قال. قال مالكٌ: هُو الذي يُخبِرُ بشهادتِهِ، ولا يَعلَمُ بها الذي هي لهُ. زادَ الهمدانيُّ: ويرفعُها إلى السُّلطانِ. قال ابنُ السَّرح: أو يأتي بها إلى الإمام. واللَّفظُ لحديثِ الهمدانيِّ، وقال ابنُ السَّرح: ابنُ أبي عَمْرةَ. ولم يقُل: عبدُ الرَّحمنِ. قال أبو داود: والتَّفسيرُ من قِبَلِ مالكٍ.
-
أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن خالدٍ، قال: حدَّثنا تميمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح. قالا: أخبَرنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنسٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، أنَّ عبد اللَّه بن عَمرِو بن عُثمانَ بن عَفّان أخبرهُ، أنَّ عبد الرَّحمن (٢) بن أبي عَمرةَ الأنصاريَّ أخبرهُ، أنَّ زيدَ بن خالدٍ الجُهنيَّ أخبَرهُ، أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ألا أُخبِرُكُم بخيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتي بشهادتِهِ، أو يُخبِرُ بشهادتِهِ قبلَ أن يُسألَها" . يَشُكُّ عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ أيَّتهُما قال. قال ابنُ وَهْبٍ: وسمِعتُ مالكًا يقولُ في تفسيرِ هذا الحديثِ: إنَّهُ الرَّجُلُ تكونُ عِندهُ الشَّهادةُ في الحقِّ، يكونُ للرَّجُلِ، لا يعلمُ بذلك قبلُ، فيُخبِرُ بشهادتِهِ، ويَرفعُها إلى السُّلطانِ.
قال ابنُ وَهْبٍ: وبَلَغني عن يحيى بن سعيدٍ، أنَّهُ قال: من دُعي لشهادةٍ عندَهُ، فعلَيهِ أن يُجيب، إذا علِمَ أنَّهُ ينتفِعُ بها الذي يَشْهدُ لهُ بها، وعليه أن يُؤَدِّيها، ومن كانت عندَهُ شهادةٌ لا يعلمُ بها صاحِبُها، فليُؤَدِّها قبلَ أن يُسألَ عنها، فإنَّهُ كان يُقالُ: من أفضَلِ الشَّهاداتِ، شهادةٌ أدّاها صاحِبُها قبلَ أن يُسألها.
قال أبو عُمر: تفسيرُ مالكٍ ويحيى بن سعيدٍ لهذا الحديثِ، أولى ما قيلَ به فيه، ولا يَسَعُ الذي عندَهُ شهادةٌ لغيرِهِ أن يَكْتُمها، ولا أن يسكُتَ عنها، إلّا أن
ج ١١ ص ١٣٦يعلمَ أنَّ حقَّ الطّالِبِ يثبُتُ، أو قد ثبتَ بغيرِهِ، فإن كان كذلك، فهُو في سَعةٍ، وأداؤُها مع ذلك أفضَلُ، وسَواءٌ شهِدَ أحدٌ قبلهُ أو معهُ، أو لم يشهد، إذا كان الحقُّ مالًا؛ لأنَّ اليَمينَ فيه مع الشّاهِدِ الواحِدِ.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على جَوازِ شهادةِ السَّماع، وإن لم يَقُلِ المشهُودُ لهُ: أُشهِدُكَ على هذا. ولا قال المُشهُودُ عليه: اشْهَد عليَّ. فمن سمِعَ شيئًا وعلِمهُ، جازَ لهُ أن يشهدَ به، ومِثلُ هذا يأتي بالشَّهادةِ قبلَ أن يُسألها؛ لأنَّ صاحِبَها لا يعلمُ بها، فكلُّ من علِمَ شيئًا، يجُوزُ أداؤُهُ، جازَ لهُ أن يشهدَ به، لقولِهِ: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: ٨٦] . وقولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: ٢] وقولِهِ: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} (١) [المعارج: ٣٣] .
قال أبو عُمر: قد جعلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ظُهُور شَهادةِ الزُّورِ، وكِتْمان شَهادةِ الحقِّ، من أشْراطِ السّاعةِ، عائبًا لذلك، ومُوبِّخًا عليه، فإذا كان كِتمانُ شَهادةِ الحقِّ عيبًا وحَرامًا، فالبِدارُ إلى الإخبارِ بها، قبلَ أن يُسألَ عنها، فيه الفَضلُ الجسيمُ، والأجرُ العظيمُ، إن شاءَ اللَّه.
-
حدَّثنا يوسُفُ بن محمدِ بن يُوسُفَ ومحمدُ بن إبراهيمَ وعبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا بَشِيرٌ أبو إسماعيل (٢) ،
ج ١١ ص ١٣٧قال: حدَّثنا سيّارٌ أبو الحَكَم (١) ، عن طارِقِ بن شِهاب، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "إنَّ بينَ يَدَيِ السّاعةِ التَّسْليمَ على الخاصّةِ، وفُشُوَّ التِّجارةِ حتّى تُعِينَ المرأةُ زَوْجَها على التِّجارةِ، وقَطْعَ الأرْحام، وفُشُوَّ القَلَم، وظُهُورَ شَهادةِ الزُّورِ، وكِتْمانَ شَهادةِ الحقِّ" (٢) .
قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحَديثِ: "وفُشُوَّ القَلَم" فإنَّهُ أرادَ ظُهُورَ الكِتابِ (٣) ، وكثرةَ الكُتّابِ.
-
رَوَى المُباركُ بن فَضَالةَ، عنِ الحسنِ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تقُومُ السّاعةُ حتّى يُرفَع العِلمُ، ويَفِيضَ المالُ، ويَظْهَرَ القَلَمُ، ويَكثُرَ التُّجّارُ" (٤) . قال الحسنُ: لقد أَتَى علينا زَمانٌ، إنَّما يُقالُ: تاجِرُ بني فُلانٍ، وكاتِبُ بني فُلانٍ، ما يكونُ في الحيِّ إلّا التّاجِرُ الواحِدُ، والكاتِبُ الواحِدُ. قال الحسنُ: واللَّه إن كان الرَّجُلُ ليأتي الحيَّ العَظِيمَ، فما يجِدُ به كاتِبًا.
- ج ١١ ص ١٣٨
وقد رَوَى ابنُ إدريسَ، عن محمدِ بن عُمارةَ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا أُنبِّئُكُم بخَيرِ الشُّهداءِ؟ هُمُ الذين يَبْدُرُون بشَهادتِهِم قبلَ أن يُسألُوا عنها" . هكذا قال في إسنادِهِ، لم يذكُر: أبا عمرةَ، ولا ابن أبي عَمرةَ. ذكرَهُ ابنُ أبي شيبةَ، عنِ ابنِ إدريسَ (١) .
-
ورواهُ حاتِمُ بن إسماعيل، عن محمدِ بن عُمارةَ، عن أبي بكر بن محمدٍ، عن زيدِ بن خالدٍ. فأفسدَ إسنادهُ.
-
وأمّا لَفظُهُ فلم يختلِف في مَعناهُ، وهُو معنًى صحيحٌ؛ لأنَّ أداءَ الشَّهادةِ فِعلُ خيرٍ، ومعلُومٌ أنَّ من بدر إلى فِعلِ الخيرِ، حُمِد لهُ ذلك، ومُدِح به (٢) وفُضِّل، واللَّه يُوفِّقُ من يَشاءُ لا شريكَ لهُ.
-
وقد رُوي عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من حديثِ العِراقيِّينَ، حديثٌ يُعارِضُ (٣) ظاهرُهُ هذا الحديثِ، وليسَ كذلك.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٤) : حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، قال: حدَّثنا هِلالُ بن يِسافٍ، عن عِمرانَ بن حُصَينٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:
ج ١١ ص ١٣٩"خَيْرُ النّاسِ قَرْني، ثُمَّ الذينَ يلُونهُم، ثُمَّ الذينَ يَلُونهُم، ثُمَّ يجيءُ قومٌ يَتَسمَّنُونَ ويُحِبُّون السِّمَنَ (١) ، يُعطُونَ الشَّهادةَ قبلَ أن يُسْألُوها" .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، عنِ الأعْمَشِ، عن عليِّ بن مُدْرِكٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن عِمرانَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوهُ.
قال أبو عُمر: أدخلَ ابنُ فُضَيلٍ بينَ الأعمشِ وبينَ هِلالٍ في هذا الحديث: عليَّ بن مُدرِكٍ. وتابَعهُ على ذلك عبدُ اللَّه بن إدريس، ومنصُورُ بن أبي الأسودِ (٣) . وهُو الصَّوابُ.