عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، أبو طوالة

١١٩ فقرة، ج ١١ ص ٢٥٣

الصفحة ١ من ٣

  1. وهُو عبدُ اللَّه (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرِ بن حَزْم، أبو طُوالةَ الأنْصاريُّ.

    ج ١١ ص ٢٥٣
  2. سمِعَ أنَس بن مالكٍ، وَرَوى عنهُ، وَرَوى عن كِبارِ التّابِعينَ.

  3. وولِيَ القَضاءَ بالمدينةِ في أيام وِلايةِ أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم عليها، وهُو من ثِقاتِ أهلِ المَدينةِ.

  4. رَوَى عنهُ جماعةٌ من أئمّةِ أهلِ الحديثِ، منهُم: مالكٌ، وابنُ عُيينةَ، والثَّوريُّ، وزُهَيرُ بن مُعاويةَ، والدَّراوَرْديُّ، وإسماعيلُ بن جَعْفرٍ، وسُليمانُ بن بلالٍ، وزائدةُ، وخالدُ بن عبدِ اللَّه الواسِطيُّ.

  5. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوردِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إسحاق بن واضِح، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا أصبغُ بن الفرج، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، قال: كان عبدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ رَجُلًا صالحًا، وكان قاضيًا في خِلافةِ سُليمانَ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، وكان يَسْرُدُ الصِّيام، وكان يُحدِّثُ حديثًا حسنًا، وكان يَدْخُلُ على الوالي فيَنْصحُهُ، ولا يرفُقُ به، ويُكلِّمُهُ في الأمرِ كلِّهِ من الحقِّ. قال مالكٌ: وغيرُهُ من النّاسِ يفرقُ أن يُضرَبَ.

    قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" ثلاثةُ أحاديث، أحدُها: عندَ يحيى مُرسلٌ، وهُو مُتَّصِلٌ من وُجُوهٍ، من رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ. والثّاني: مُتَّصلٌ مُسْندٌ، لا خِلافَ عن مالكٍ في اتِّصالِهِ. والثالثُ: مُرسلٌ، لم يختلِفْ رُواةُ مالكٍ في إرسالِهِ.

  6. حديثٌ أوَّلُ لأبي طُوالةَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمَرٍ الأنصاريِّ، عن أبي يُونُسَ مولى عائشةَ: أنَّ رجُلًا قال لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهُو واقِفٌ على البابِ، وأنا أسمعُ: يا رسُولَ اللَّه، إنِّي أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وأنا أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ، فأغْتَسِلُ وأصُومُ" . فقال لهُ الرَّجُلُ: يا رسُولَ اللَّه، إنَّكَ لستَ مِثلَنا، قد غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَّرَ. فغضِبَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعْلَمَكُم بما أتَّقي" .

    ج ١١ ص ٢٥٤
  7. هكذا رَوى يحيى هذا الحديثَ مُرسلًا، وهي رِوايةُ عُبيدِ اللَّه ابنِهِ عنهُ.

  8. وأمّا ابنُ وضّاح في رِوايتِهِ عن يحيى في "المُوطَّأ" فإنَّهُ جَعَلهُ: عن عائشةَ. فوَصَلهُ وأسْنَدهُ (٢) . وكذلك هُو عندَ جَماعةِ الرُّواةِ لـ "المُوطَّأ" مُسندًا عن عائشةَ، منهُمُ: ابنُ القاسم، والقَعْنبيُّ (٣) ، وابنُ بُكَيرٍ، وأبو المُصعبِ (٤) ، وعبدُ اللَّه بن يُوسُف، وابنُ عبدِ الحَكَم، وابنُ وَهْبٍ.

  9. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو الفَوارِسِ أحمدُ بن محمدِ بن الحُسَينِ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ أبي طُوالةَ الأنْصاريِّ، عن أبي يُونُسَ مولى عائشةَ، عن عائشةَ: أنَّ رجُلًا قال لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهُو واقِفٌ بالبابِ: يا رسُولَ اللَّه،

    ج ١١ ص ٢٥٥إنِّي أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وأنا أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ، فأغتسِلُ وأصُومُ" . فقال: يا رسُولَ اللَّه، إنَّكَ لستَ مِثلَنا، قد غفَرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ، وما تأخَّرَ. فغضِبَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعلمَكُم بما أتَّقي" (١) . وقد ذكَرَ أبو داودَ (٢) رِوايةَ القعنبيِّ عن مالكٍ لهذا الحديثِ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ، عن يُونُسَ مولى عائشةَ، عن عائشةَ زوج النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. مُسندًا كما ذكَرْنا، إلّا أنَّهُ قال في آخِرِهِ: "وأعلمَكُم بما أتَّبِعُ" .

  10. ورِوايةُ ابنِ القاسم وغيرِهِ لهُ، كما وصَفْنا مسندًا، عن عائشةَ، وهُو محفُوظٌ صحيحٌ عن عائشةَ من طُرُقٍ شتَّى، من كلِّ طريقٍ في "المُوطَّأ" حاشى رِوايةَ يحيى، وباللَّه التَّوفيقُ.

  11. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣) : أخبَرنا عليُّ بن حُجْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابنَ جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا يُونُسَ مولى عائشةَ أخبَرهُ، عن عائشةَ: أنَّ رجُلًا جاءَ إلى النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي تَسْمعُ من وراءِ البابِ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، تُدرِكُني الصَّلاةُ، وأنا جُنُبٌ فأصُومُ؟ فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وأنا تُدرِكُني الصَّلاةُ، وأنا جُنُبٌ فأصُومُ" . قال: لستَ مِثلَنا يا رسُولَ اللَّه، قد غفَرَ لكَ اللَّهُ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَّرَ. قال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعلَمَكُم بما أتَّقي" .

  12. وفي هذا الحديثِ من المعاني: سُؤالُ العالِم وهُو واقِفٌ، فذلك جائزٌ، بدلالةِ هذا الحديثِ.

    ج ١١ ص ٢٥٦
  13. وفيه: الرِّوايةُ والشَّهادةُ على السَّماع، وإن لم يرَ المشهِدُ أوِ المُحدِّثُ، إذا كان المعنَى المسمُوعُ مُسْتَوفًى، قدِ استُوقِنَ، وأُحيطَ به عِلمًا.

  14. وفي هذا دليلٌ على جَوازِ شَهادةِ الأعمى. وقد مَضَى القولُ فيها، في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.

  15. وفيه: المعنَى المقصُودُ إليه في هذا الحديثِ، وذلك أنَّ الجُنُب إذا لحِقَتهُ جَنابةٌ ليلًا قبلَ الفَجرِ، لم يضُرَّ صِيامَهُ أن لا يَغْتسِلَ إلّا بعد الفَجْرِ.

  16. وقدِ اخْتَلفتِ الآثارُ في هذا البابِ. واختلَفَ فيه العُلماءُ أيضًا، وإن كان الاختِلافُ في ذلك كلِّهِ عِندي ضعيفًا، يُشبِهُ الشُّذُوذَ.

  17. فأمَّا اختِلافُ الآثارِ:

    فإنَّ أبا هريرةَ كان يروي عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّ من أدْرَكهُ الصُّبحُ، وهُو جُنُبٌ، فقد أفْطَرَ، ولم يجُز لهُ صيامُ ذلك اليوم (١) .

  18. وهذا الحديثُ لم يَسْمعهُ أبو هريرةَ من النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد أحالَ إذ وُقِّفَ عليه مرّةً على الفَضْلِ بن عبّاسٍ (٢) . ومرّةً على أُسامةَ بن زيدٍ. ومرّةً قال: أخبَرنيهُ مُخبِرٌ. ومرّةً قال: حدَّثني فُلانٌ وفُلانٌ.

  19. وسنذكُرُ ذلك كلَّهُ، أو بعضَهُ، في بابِ سُميٍّ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه.

  20. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

    ج ١١ ص ٢٥٧شُعَيب، قال (١) : أخبَرنا محمدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن يحيى بن جَعْدةَ، قال: سَمِعتُ عبدَ اللَّه بن عَمرٍو القاريَّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ، يقولُ: لا وَربِّ هذا البيتِ، ما أنا قلتُهُ: من أدْرَكهُ الصُّبحُ وهُو جُنُبٌ، فلا يَصُمْ. محمدٌ وربِّ الكَعْبةِ قالهُ.

  21. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن يحيى بن جَعْدةَ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرٍو القاريِّ، سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: وَرَبِّ هذا البيتِ، ما قلتُ: من أدْرَكهُ الصُّبحُ وهُو جُنُبٌ، فلا صومَ لهُ. محمدٌ وربِّ هذا (٢) البيتِ قالهُ (٣) .

  22. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ بن زَنْجُوية، قال: حدَّثنا بِشرُ بن شُعَيب، قال: حدَّثني أبي، عنِ الزُّهْريِّ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمر: أنَّهُ احتَلَمَ ليلًا في رمضانَ، واسْتَيقظَ قبلَ أن يَطْلُعَ الفَجْرُ، ثُمَّ نامَ قبلَ أن يَغْتسِلَ، فلم يَسْتيقِظْ حتّى أصبحَ. قال: فلقِيتُ أبا هريرةَ حينَ أصْبَحتُ، فاسْتَفتيتُهُ في ذلك، فقال: أفْطِر، فإنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأمُرُ بالفِطْرِ إذا أصبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا. قال عبدُ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: فجِئتُ عبدَ اللَّه بنَ عُمرَ، فذَكَرتُ لهُ

    ج ١١ ص ٢٥٨الذي أفْتاني به أبو هريرةَ، فقال: إنِّي أُقسِمُ باللَّه لئنْ أفْطَرتَ، لأُوجِعنَّ مَتْنَيْكَ (١) ، فإن بدا لك أن تصُوم يومًا آخرَ فافعل.

    قال أبو عُمر: هكذا يقولُ شُعَيبُ بن أبي حمزةَ (٢) في هذا الحديثِ: عنِ الزُّهريِّ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ. ورواهُ اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن عُقَيلٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ (٣) . فجعَلَ مكانَ عبدِ اللَّه: عُبيدَ اللَّه. وجاءَ بالحَديثِ سواءً. وعبدُ اللَّه وعُبيدُ اللَّه ابنا عبدِ اللَّه بن عُمر، ثِقَتانِ، وقد ذكَرْناهُما فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا بما فيه كِفايةٌ في مَعْرِفتِهِما.

  23. ورَوَى هذا الحديثَ مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ: أنَّ ابنًا لعبدِ اللَّه بن عُمرَ. فذكَرَ معناهُ، لم يَقُل: عبدُ اللَّه، ولا عُبيدُ اللَّه (٤) .

    قال أبو عُمر: رُوي عن أبي هريرةَ: أنَّهُ رجعَ عن هذه الفَتْوَى، في هذه المسألةِ، إلى ما عليه النّاسُ، من حديثِ عائشةَ ومن تابَعَها في هذا البابِ.

  24. رَوَى عبدُ اللَّه بن المُباركِ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن سُليمانَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن ثَوْبانَ، عن أخيهِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّهُ كان (٥) سمِعَ أبا هريرةَ، يقولُ: منِ احْتَلمَ من اللَّيلِ، أو واقَعَ أهلَهُ، ثُمَّ أدْرَكهُ الفَجْرُ، ولم يَغْتسِل، فلا يَصُم. قال: ثُمَّ سَمِعتُهُ نزَعَ عن ذلك (٦) .

  25. ورَوَى منصُورٌ، عن مُجاهِدٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ (١) : أنَّ أبا هريرةَ كفَّ عن قولِهِ ذلك، لحديثِ عائشةَ فيه عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .

    ج ١١ ص ٢٥٩
  26. ورَوَى أسْباطُ بن محمدٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّهُ نزَعَ عن ذلك أيضًا، لحديثِ أُمِّ سَلَمةَ فيه عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) .

  27. أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سَعيدٍ أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ الأعْرابيُّ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا أبو عبّادٍ، عن شُعبةَ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن أبي السَّفرِ، عن الشَّعبيِّ (٤) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصبِحُ جُنُبًا، ثُمَّ يغتسِلُ، ثُمَّ يخرُجُ إلى الصَّلاةِ ويُصلِّي وأسمعُ قِراءَتهُ، ثُمَّ يصُومُ (٥) .

    قال أبو عُمر: رُوِيَ هذا الحديثُ عن عائشةَ من وُجُوهٍ كثير وطُرُقٍ مُتواتِرةٍ، وكذلك رُوِيَ أيضًا عن أُمِّ سلمةَ.

  28. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في هذا البابِ، فالذي عليه جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ بالعِراقِ والحِجازِ، القولُ بحديثِ عائشةَ وأُمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّهُ كان يُصْبِحُ جُنُبًا، ويصُومُ ذلك اليوم. مِنهُم: مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم (٦) ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ، وعامّةُ أهلِ الفتوى، من أهلِ الرَّأيِ والحديثِ.

  29. ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وعُروةَ بن الزُّبيرِ، وطاوُوسٍ: أنَّ الجُنُبَ في رمضانَ إذا علِمَ بجَنابتِهِ، فلم يَغْتسِل حتّى يُصبِحَ، فهُو مُفطِرٌ، وإن لم يَعلَمْ حتّى يُصبِحَ، فهُو صائمٌ (١) .

    ج ١١ ص ٢٦٠
  30. ورُوي مِثلُ ذلك عن أبي هريرةَ أيضًا، والمشهُورُ عن أبي هريرةَ، أنَّهُ قال: لا صومَ لهُ، علِمَ أو لم يَعلَمْ. إلّا أنَّهُ قد روينا عنهُ من طُرُقٍ صِحاح: أنَّهُ رجَعَ عن ذلك، فاللَّه أعلمُ.

  31. ورُوي عنِ الحَسَنِ البصريِّ، وسالم بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّهُما قالا: يُتِمُّ صيامَ يومِهِ ذلك، ويَقْضيهِ إذا أصبَحَ فيه جُنُبًا.

    وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ، في رِوايةٍ غيرِ الرِّوايةِ الأُولى عنهُ: إنَّ ذلك يُجزئهِ في التَّطوُّع، ويقضي في الفَرْضِ (٢) .

  32. وكان الحسنُ بن حيٍّ يَسْتحِبُّ إن أصبحَ جُنُبًا في رمضانَ، أن يَقْضيَ ذلك اليوم، وكان يقولُ: يَصُومُ الرَّجُلُ تَطوُّعًا، هان أصبَحَ جُنُبًا، ولا قَضاءَ عليه. وكان يَرى على الحائضِ إذا أدْرَكَها الصُّبحُ ولم تَغْتسِل: أن تَقضي ذلك اليوم.

  33. وذهَبَ عبدُ الملكِ بن عبدِ العزيزِ بن الماجِشُونِ في الحائضِ نحوَ هذا المَذْهبِ، وذلك أنَّهُ قال: إذا طَهُرتِ الحائضُ قبلَ الفجرِ، فأخَّرت غُسْلَها حتّى طلَعَ الفجرُ، فيومُها يومُ فِطرٍ؛ لأنَّها في بعضِهِ غيرُ طاهِرٍ، وليسَتْ كالذي يُصبِحُ جُنُبًا فيصُومُ؛ لأنَّ الاحْتِلام لا ينقُضُ الصَّومَ، والحَيْضَ ينقُضهُ (٣) .

    قال أبو عُمر: قد ثبَتَ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصّائم يُصبِحُ جُنُبًا- ما فيه شِفاءٌ وغِنًى واكتِفاءٌ عن قولِ كلِّ قائلٍ، من حديثِ عائشةَ وغيرِها.

  34. ودلَّ كِتابُ اللَّه عزَّ وجلَّ على مِثلِ ما ثبتَ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] .

    ج ١١ ص ٢٦١
  35. وإذا أُبيحَ الجِماعُ والأكلُ والشُّربُ، حتّى يَتَبيَّن الفجرُ، فمعلُومٌ أنَّ الغُسلَ لا يكونُ حِينَئذٍ إلّا بعدَ الفجرِ.

  36. وقد نزَعَ بهذا جماعةٌ من العُلماءِ، منهُم: رَبِيعةُ، والشّافِعيُّ، وغيرُهُما.

  37. ومِن الحُجّةِ أيضًا فيما ذهبَتْ إليه الجماعةُ في هذا البابِ. إجماعُهُم على أنَّ الاحْتِلامَ بالنَّهارِ لا يُفسِدُ الصِّيام، فتَرْكُ الاغْتِسالِ من جَنابةٍ تكونُ ليلًا، أحْرَى أن لا يُفسِد الصَّومَ، واللَّه أعلمُ.

  38. ومِمَّن ذهب إلى ما قُلنا من العُلماءِ: عليُّ بن أبي طالِبٍ، وعبدُ اللَّه بن مسعُودٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وأبو الدَّرداءِ، وأبو ذرٍّ، وعبدُ اللَّه بن عُمرَ، وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ، وعائشةُ، وأُمُّ سَلَمةَ (١) .

  39. وبه قال مالكٌ (٢) في عُلماءِ المدينةِ، والشّافِعيُّ (٣) في سائرِ عُلماءِ المكِّيِّين والحِجازيِّين، والثَّوريُّ وأبو حَنِيفةَ وابنُ عُليّةَ في جَماعةِ فُقهاءِ العِراقيِّينَ، والأوزاعيُّ واللَّيثُ في فُقهاءِ أهلِ الشّام والمغرِبِ.

  40. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ ابنُ راهُوية، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ، وداودُ بن عليٍّ، والطَّبريُّ، وجماعةُ أهلِ الحديثِ (٤) .