أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧

الصفحة ١ من ٣٥

  1. قال أبو عُمر: أبو الزِّنادِ لقبٌ غَلَب عليه، وكُنيتُهُ أبو عبدِ الرَّحمنِ، لا يختلِفُونَ في ذلك.

    ج ١١ ص ٢٨٧
  2. وهُو عبدُ اللَّه (١) بن ذكوان، وذكوانُ أبوهُ: مولى رَمْلةَ ابنةِ شَيْبةَ بنِ ربِيعةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وكانت رملةُ هذه تحت عُثمان بنِ عفّان. وقِيل: هُو مولى عائِشةَ بنتِ عُثمان. وقِيل: مولى عُثمان. ويُقالُ: إنَّ ذكوانَ أبا أبي الزِّنادِ، كان أخا أبي لُؤلُؤَةَ قاتِلِ عُمر بنِ الخطّابِ، بوِلادةِ العَجَم. هكذا قال الواقِدِيُّ، ومُصعبٌ الزُّبيرِيُّ، والطَّبرِيُّ (٢) .

  3. وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: أخبَرنا أحمدُ بن سعِيدٍ، قال: أخبَرنا أبو مُسلِم صالحُ بن أحمد بنِ عبدِ اللَّه بنِ صالح، قال: قال أبي: أبو الزِّنادِ من رهطِ أبي لُؤلُؤَةَ، كانت بينهُم قَرابةٌ. قال: وكان أحدَ مُفتِي أهلِ المدِينةِ.

  4. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣) : حدَّثنا مُصعبُ بن عبدِ اللَّه، قال: كان أبو الزِّنادِ فقِيه أهلِ المدِينةِ، وكان صاحِبَ كِتابٍ وحِسابٍ، وكان كاتِبًا لعبدِ الحمِيدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطّابِ، وكاتِبًا أيضًا لخالدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ الحارِثِ بنِ الحكم بالمدِينةِ.

    قال (٤) : وقدِمَ على هشام بنِ عبدِ الملكِ بحِسابِ دِيوانِ المدِينةِ، فجالَسَ هشامًا مع ابنِ شِهابٍ، فسألَ هشامٌ ابن شِهابٍ: في أيِّ شهرٍ كان عُثمانُ يُخرِجُ

    ج ١١ ص ٢٨٨العطاءَ فيه لأهلِ المدِينةِ؟ فقال: لا أدرِي. فقال أبو الزِّنادِ: كُنّا نرَى أنَّ ابنَ شِهابٍ لا يُسألُ عن شيءٍ إلّا وُجِدَ عِندهُ عِلمُهُ. قال أبو الزِّنادِ: فسألَني هشامٌ، فقلتُ: في المُحرَّم. قال هشامٌ لابنِ شِهابٍ: يا أبا بكرٍ، هذا عِلمٌ قد أفدتهُ اليوم. فقال ابنُ شِهابٍ: مجلِسُ أمِيرِ المُؤمِنِين أهلٌ أن يُفادَ منهُ العِلمُ.

    قال مُصعبٌ (١) : وكان أبو الزِّنادِ مُعادِيًا لربِيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ. قال: وكان أبو الزِّنادِ وربِيعةُ فقِيهَيْ أهلِ المدِينةِ في زَمانِهِما.

  5. وذكر الحُلوانيُّ في كِتابِ "المعرِفةِ" عنِ ابنِ أبي مريم، عنِ اللَّيثِ، عن عبدِ ربِّهِ بنِ سعِيدٍ، قال: رأيتُ أبا الزِّنادِ دخلَ مسجِد رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعهُ من الأتباع مِثلُ ما مع السُّلطانِ، من بينِ سائِلٍ عن حديثٍ، وبينِ سائِلٍ عن فِقهٍ، وبينِ سائِلٍ عن فرِيضةٍ، وبينِ سائِلٍ عن شِعْرٍ (٢) .

    قال: وحدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: سألتُ سُفيان الثَّورِيَّ، قلتُ لهُ: كيفَ رأيتَ أبا الزِّنادِ؟ قال: أوكان ثمَّ أمِيرٌ غيرَهُ!

  6. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمُونِ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (٣) : سمِعتُ أحمدَ بن حَنْبلٍ يقولُ: أبو الزِّنادِ أعلمُ من ربِيعةَ. فقلتُ لأحمد: حديثُ ربيعةَ كيف هُو؟ قال: ثِقةٌ، وأبو الزِّنادِ أعلمُ منهُ.

  7. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٤) : حدَّثنا سُليمانُ بن أبي شيخ، قال: ولَّى عُمرُ بن عبدِ العزيزِ أبا الزِّنادِ بيتَ مالِ الكُوفةِ.

  8. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرِ، قال (١) : حدَّثني أُبيٌّ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عنِ ابنِ شُبرُمةَ، قال: كان الشَّعبِيُّ يقولُ لأبي الزِّنادِ: جِئتَ بها زُيُوفًا، وتذهبُ بها جِيادًا.

    وقال المدائِنيُّ (٢) : كان خالدُ بن عبدِ الملكِ بنِ الحارِثِ بنِ الحكم (٣) قد ولَّى أبا الزِّنادِ المدِينةَ، فقال عليُّ بن الجونِ الغطفانيُّ:

    رأيتُ الخيرَ عالشَ لنا فعِشنا ... وأحياني مكانَ أبي الزِّنادِ

    وسارَ بسِيرةِ العُمَرينِ فينا ... بعدلٍ في الحُكُومةِ واقتِصادِ

    وقال الواقِدِيُّ (٤) : سمِعتُ مالكَ بن أنسٍ يقولُ: كانت لأبي الزِّنادِ حلقةٌ على حِدَةٍ في مَسجِدِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    قال الواقِدِيُّ (٥) : مات أبو الزِّنادِ فُجاءَةً في مُغتسلِهِ ليلةَ الجُمُعةِ، لسبعَ عشْرةَ خلت من شَهرِ رمضانَ سنةَ ثلاثِينَ ومئةٍ، وهُو ابنُ سِتٍّ وسِتِّين. وقِيل: تُوُفِّي أبو الزِّنادِ سنةَ إحْدَى وثلاثِين ومئةٍ وهُو ابنُ أربع وسِتِّين سَنَة.

    وقال الطَّبرِيُّ: كان أبو الزِّنادِ ثِقةً كثِير الحديثِ، فصِيحًا بصِيرًا بالعربِيَّةِ، كاتِئا، حاسِبًا، فقِيهًا، عالِمًا، عاقِلًا، وقد ولِي خراجَ المدِينةِ.

    قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" أربعة وخمسُونَ حديثًا مُسندةٌ ثابتةٌ صِحاحٌ مُتَّصِلةٌ.

    ج ١١ ص ٢٨٩
  9. حديثٌ أوَّلٌ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الرُّؤيا الحَسَنةُ من الرَّجُلِ الصّالِح، جُزءٌ من سِتَّةٍ وأربعِين جُزءًا من النُّبُوَّةِ" (٢) .

    ج ١١ ص ٢٩٠
  10. قد مَضَى القولُ في مَعنَى هذا الحديثِ، في بابِ إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، من كِتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ هاهُنا، وباللَّه التَّوفيقُ.

  11. حديثٌ ثانٍ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا ينظُرُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ يومَ القِيامةِ إلى من يجُرُّ إزارهُ بَطَرًا" .

    ج ١١ ص ٢٩١
  12. وقد مَضَى القولُ في مَعنَى هذا الحديثِ، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.

  13. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ "بَطَرًا" . فيفسرُهُ عِندِي قولُهُ في حديثِ ابنِ عُمرَ: "خُيلاءَ" على ما ذكَرْناهُ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من تفسِيرِ الخُيلاءِ، والمَخِيلَةِ.

  14. وأمّا أصلُ البَطَرِ في اللُّغةِ، فلهُ وُجُوهٌ، أحدُها: كُفرُ النِّعمةِ، وهُو الذي يُشبِهُ المعنى المقصُودَ إليه بهذا الحديثِ.

  15. وقد يكونُ البَطَرُ بمعنى الدَّهَشِ.

    قال الخليلُ (٢) : بَطِرَ بطرًا: إذا دهِشَ (٣) ، وأبطَرْتُ حِلْمَهُ: أدهشتَهُ عنهُ، وبَطِرَ النِّعمةَ: إذا لم يشكُرها، ورجُلٌ بَطِرٌ: مُتمادٍ في الغَيِّ.

  16. ولكنَّ المعنى المُرادَ بهذا الحديثِ: التَّبختُرُ في المشي، والنَّظرُ في الأعْطافِ، والتِّيهُ، والتَّكبُّرُ، والتَّجبُّرُ، ونحوُ ذلك.

  17. حديثٌ ثالِثٌ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تَحاجَّ آدمُ وموسى، قال لهُ موسى: أنتَ آدمُ الذي أغويتَ النّاسَ، وأخْرَجتَهُم مِنَ الجنّةِ؟ قال آدمُ: أنتَ موسى الذي أعْطاهُ اللَّهُ عِلمَ كلِّ شيءٍ، واصْطَفاهُ على النّاسِ برِسالتِهِ وبكلامِهِ؟ قال: نَعَمْ. قال: أفَتلُومُني على أمرٍ قد قُدِّرَ عليَّ قبلَ أن أُخلقَ" .

    ج ١١ ص ٢٩٢
  18. إلى هاهُنا انتهى حديثُ مالكٍ عِندَ جميع رُواتِهِ لهذا الحديثِ، وزادَ فيه ابنُ عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، بإسنادِهِ: "قبلَ أن أُخلقَ بأربعِينَ سنةً" (٢) .

  19. وكذلك قال طاوُوسٌ، عن أبي هريرةَ.

  20. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حَرْب، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن طاوُوسٍ، سَمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حاجَّ آدمُ موسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنتَ أبونا، أخْرَجتنا من الجنّةِ. قال اَدمُ: يا موسى، أنتَ الذي اصْطَفاكَ اللَّهُ، بكلامِهِ، وخَطَّ لكَ التَّوراةَ بيد، أتلُومُني على أمْرٍ قَدَّرهُ عليَّ قبلَ أن يخلُقَني بأربعِينَ سَنةً؟ " (٣) .

  21. وهذا حديثٌ صحِيحٌ ثابتٌ من جِهَةِ الإسنادِ، لا يختلِفُون في ثُبُوتِهِ. رواهُ

    ج ١١ ص ٢٩٣عن أبي هريرةَ جماعةٌ من التّابِعِين. ورُوِي من وُجُوهٍ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، من رِوايةِ الثِّقاتِ الأئِمَّةِ الأثباتِ.

  22. حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح بنِ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا أبو عَمرٍو عُثمانُ بن محمدِ بنِ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن سَلْم (١) المقدِسِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا الأوْزاعِيُّ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كَثِيرٍ، قال: حدَّثني أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقِي آدمُ موسى، فقال لهُ موسى: أنتَ أبو النّاسِ الذي أغْوَيتهُم، وأخْرَجتهُم مِنَ الجنّةِ؟ فقالَ لهُ آدمُ: أنتَ موسى الذي كلَّمكَ اللَّه، واصْطَفاكَ برِسالتِهِ، فكيفَ تلُومُني على عَملٍ كتَبَ اللَّهُ عليَّ أن أعملَهُ قبلَ أن أُخلقَ (٢) ؟ " . قال: "فحَجَّ آدمُ موسى" (٣) .

  23. ورواهُ الزُّهْرِيُّ، فاختلَفَ أصحابُهُ عليه في إسنادِهِ:
  24. فرَواهُ إبراهيمُ بن سعد (٤) وشُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ (٥) ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ.

  25. ورواهُ عُمرُ بن سَعِيدٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ (١) .

    ج ١١ ص ٢٩٤
  26. ورواهُ مَعْمرٌ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلمةَ وسعِيدٍ، عن أبي هريرةَ.

  27. ومنهُم من يجعلُهُ: عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ (٢) ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ (٣) .

  28. ومنهُم من يروِيهِ عنِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ (٤) .

  29. وكلُّهُم يَرْفعُهُ، وهي كلُّها صِحاحٌ، للِقاءِ الزُّهْرِيِّ جَماعةً من أصْحابِ أبي هريرةَ.

  30. وقد رُوِي هذا الحديثُ عن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُسندًا، بأتمِّ ألفاظٍ، وأحسنِ سِياقةٍ.

  31. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داود، قال: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: أخبرني هشامُ بن سَعْدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيهِ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ موسى عليه السَّلامُ قال: يا ربِّ، أبونا آدمُ أخْرَجَنا ونفسَهُ (٥) من الجنّةِ، فأراهُ اللَّهُ آدمَ، فقال لهُ: أنتَ آدمُ؟ قال آدمُ: نَعَمْ. قال: أنتَ الذي نفَخَ اللَّهُ فيكَ من رُوحِهِ، وعلَّمكَ الأسماءَ كلَّها، وأمرَ مَلائِكتَهُ فسَجدُوا لكَ؟ قال: نَعَمْ.

    ج ١١ ص ٢٩٥قال: فما حَمَلكَ على أن أخْرَجتَنا ونفسَكَ (١) من الجنّةِ؟ قال لهُ آدمُ: ومن أنتَ؟ قال: أنا موسى. قال: أنتَ نبِيُّ بني إسرائِيلَ، الذي كلَّمكَ اللَّهُ من وراءِ حِجابٍ، لم يجعَلْ بينَكَ وبينهُ رسُولًا من خلقِهِ؟ قال: نَعَمْ، قال: أما وَجَدتَ في كِتابِ اللَّه الذي أنْزَلَ عليكَ، أنَّ ذلك كان في كِتابِ اللَّه قبلَ أن أُخلَقَ؟ قال: نَعَمْ. قال: أفَتلُومُني في شيءٍ سبَقَ من اللَّه فيه القَضاءُ قَبلُ؟ " قال عِندَ ذلك رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: " فحجَّ آدمُ موسى، فحَجَّ آدمُ موسى (٢) " (٣) .

  32. في هذا الحديثِ من الفِقهِ: إثباتُ الحِجاج والمُناظَرةِ، وإباحَةُ ذلك إذا كان طَلبًا للحقِّ وظُهُورِهِ.

  33. وقد أفْرَدنا لهذا المعنَى بابًا كامِلًا، أوضحناهُ فيه بالحُجّة والبُرهانِ، والبَسْطِ والبَيانِ، في كِتابِنا "كِتابِ العِلم" (٤) ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ هاهُنا.

  34. وفيه: إباحَةُ التَّقرِيرِ (٥) ، والتَّعرِيضِ في معنى التَّوبِيخ في دَرْج الحِجاج، حتّى تقِرَّ الحُجَّةُ مقرَّها.

  35. وفيه: دليلٌ على أنَّ من علِمَ وطالَعَ العُلُوم، فالحُجَّةُ لهُ ألزمُ، وتوبِيخُهُ على الغَفْلةِ أعظمُ.

  36. وفيه: إباحةُ مُناظرةِ الصَّغِيرِ للكبِيرِ، والأصْغَرِ للأسنِّ، إذا كان ذلك طلبًا للازْدِياد من العِلم، وتَقريرِ الحقِّ وابتِغائِهِ (١) .

    ج ١١ ص ٢٩٦
  37. وفَيه: الأصلُ الجَسِيمُ الذي أجمعَ عليه أهلُ الحقِّ. وهُو أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد فرَغَ من أعمالِ العِبادِ، فكلٌّ يجرِي فيما قُدِّر لهُ، وسبَقَ في عِلم اللَّه تبارَكَ اسمُهُ.

  38. وأمّا قولُهُ: "أفَتَلُومُني على أمرٍ قد قُدِّرَ عليَّ؟ " فهذا عِندِي مخصُوصٌ به آدمُ؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان منهُ ومن موسى عليهما السَّلامُ، بعدَ أن تِيبَ على آدمُ، وبعدَ أن تَلقَّى من ربِّهِ كلِماتٍ تابَ بها عليه، فحسُنَ منهُ أن يقولَ ذلك لموسى؛ لأنَّهُ قد كان تِيبَ عليه من ذلك الذَّنبِ.

  39. وهذا غيرُ جائِزٍ أن يقولَهُ اليومَ أحدٌ، إذا أتى ما نهاهُ اللَّهُ عنهُ (٢) ، ويحتجُّ بمِثلِ هذا، فيقولُ: أتلُومُني على أن قتلتُ، أو زنيتُ، أو سرقتُ، وذلك قد سبقَ في عِلم اللَّه، وقدَّرهُ عليَّ قبل أن أُخلقَ؟ هذا ما لا يسُوغُ لأحدٍ أن يقولهُ، وقدِ اجتمعتِ الأُمَّةُ أنَّ من أتى ما يستحِقُّ الذَّمَّ عليه، فلا بأسَ بذمِّهِ، ولا حرجَ في لَومِهِ، ومن أتى ما يُحمدُ لهُ، فلا بأسَ بمَدحِهِ عليه وحمدِهِ.

  40. وقد حَكى مالكٌ، عن يحيى بنِ سعِيدٍ، مَعنَى ما ذكَرْنا: أنَّ ذلك إنَّما كان من آدمَ عليه السَّلامُ، بعدَ أن تِيبَ عليه، ذكَرهُ ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ.